الرأي

الرمزية التاريخية لأول معركة قادها الشهيد مصطفى بن بولعيد

بشير فريك
  • 747
  • 0

دأبت الأسرة الثورية، وتحديدًا قسمة المجاهدين وبلدية غسيرة دائرة تكوت بولاية باتنة، بمعية نخبة من إطارات وأعيان المنطقة، على تنظيم تظاهرة تاريخية سنوية لإحياء ذكرى أول معركة قادها البطل الرمز مصطفى بن بولعيد بعد ملحمة فراره الأسطوري من جحيم سجن الكدية بقسنطينة، حيث كان ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بحقه من طرف الاستعمار الفرنسي.

إنها معركة “أفري البلح”، بالمكان الواقع ببلدة كاف لعروس على بعد حوالي 13 كلم من شرفات غوفي السياحية، وقد جرت بتاريخ 13 يناير 1956. وستقام هذه السنة الاحتفالية بالذكرى السبعين لاسترجاع واحدة من ملاحم ثورتنا الخالدة برمزيتها المتميزة، باعتبارها أول التحام عسكري بين قائد الثورة ومفجرها التاريخي ابن بولعيد بعد ثلاثة أشهر من فراره في 10 نوفمبر 1955، حيث أصاب فراره فرنسا بالذعر وصدمة عنيفة عندما هندس سي مصطفى الفرار الجماعي من الزنزانة الجهنمية رقم 8، التي سُجن فيها الشيخ الحداد في القرن التاسع عشر بسجن الكدية المحصن.

فمباشرةً تم استنفار جنرالات العدو وتجهيز كل الإمكانات العسكرية البشرية والاستخباراتية، مدعمة بالآليات والدبابات والطائرات، لملاحقته في الأوراس وتحقيق هدفهم في تحييده حيًا أو ميتًا، إذ كان فراره يشكل ضربة قاسية لكل الدوائر الاستعمارية التي كان قادتها يتبجحون بالقول إنهم في آخر ساعة من القضاء على ما كانوا يسمونه العصيان بالأوراس.

في هذه العجالة سأحاول العودة إلى وقائع المعركة وفق الروايات المسجلة على لسان العديد من المجاهدين، الأحياء منهم والأموات، وحتى ما كتبته الصحافة الفرنسية آنذاك. لكن الأهم في اعتقادي هو محاولة استقراء واستنباط الرموز التاريخية لهذه المعركة في ذكراها السبعين.

هذا هو الشهيد مصطفى بن بولعيد
اكتسب ابن بولعيد الكاريزما الذاتية منذ الصغر، بمشاركته في الحرب العالمية الثانية ومنحه وسام الشجاعة والإقدام من طرف فرنسا، إلا أن فرنسا عادت وحاكمته بدعوى عدم الولاء لها. كان متشبّعًا بالقيم الروحية الإسلامية والأخلاقية، بمساهمته في بناء مدارس جمعية العلماء المسلمين، ومساعدة المواطنين على دفع الضرائب لتفادي الملاحقات الاستعمارية، وحتى حافلاته كانت تنقل الفقراء بالمجان قبل أن يبيعها لشراء السلاح عبر الوادي وتخزينه بالأوراس.

كان دائم القيام بالصلح بين الناس والأعراش، كما أنه هو وأعيان المنطقة احتضنوا الرموز الوطنية التي احتمت بالأوراس بعد انكشاف المنظمة السرية، أمثال ابن طوبال وبيطاط وغيرهم.
كان دائم التحرك شرقًا وغربًا وفي العاصمة للتحضير والإعداد للثورة فيما يعرف بمجموعة الستة ثم مجموعة 22.

وقد زار مصالي الحاج ودعاه لقيادة الثورة، لكنه تأكد من عدم جدوى الاعتماد على مصالي الحاج في الكفاح المسلح. والأهم، أنه أقنع كريم بلقاسم بانضمام منطقة القبائل للثورة لتكتمل الحلقة، ويلتزم أمام القادة التاريخيين بأنه يضمن استمرار الثورة بالأوراس من ستة إلى ثمانية أشهر، إلى حين انضمام بقية المناطق.

هذا هو مصطفى بن بولعيد، الأب الروحي والميداني للثورة الجزائرية، وهو القائل: “نحن جيل جاء ليولّد التاريخ”، إذ أصاب التاريخ العقم السياسي والجهادي آنذاك جراء فشل الحركة الوطنية بخلافاتها وصراعاتها في رفع سقف التحدي ضد الاستعمار.

فمن الطبيعي أن تحكم فرنسا عليه بالإعدام بعد إلقاء القبض عليه في بن قردان التونسية على الحدود الليبية، وهو في طريقه إلى المشرق لجلب السلاح. وقد ساوموه مادياً وبأعلى المناصب، فرفض، وهددوه بإبادة عائلته فلم يكترث، ثم هددوه بالقتل فسخر منهم. فإذا به ينظم إحدى أكبر ملاحم الفرار، ليجد نفسه حرًا طليقًا إلى جانب رفاقه في الجهاد، وليجد وضعًا مأساويًا للثورة أثناء غيابه.

معركة أسطورية
أصيب الاستعمار بأزمة وصدمة أفقدته توازنه، فراح يكثف عملياته الاستخباراتية لتقصي أي أثر أو درب يوصله إلى قائد الثورة. وفي هذه الأثناء، كان سي مصطفى يبذل جهودًا مضنية لإعادة تنظيم الصفوف، رغم تحفظ عاجل عجول تنفيذا لتعليمات صادرة قبل إلقاء القبض عليه. فتاريخ 12 يناير، كان سي مصطفى في دوار غسيرة رفقة أقرب مساعديه حيث تفقد التنظيم الثوري، ثم توجه إلى مدينة مشونش لترأس اجتماعًا تنظيميًا تنسيقيًا للقيادات المحلية تحت إشرافه المباشر.

لكن القوات الاستعمارية، وبفعل العمل الاستخباراتي، علمت بوجوده بالمكان المسمى “أفري البلح” في سفح جبل أحمر خدو، وهي منطقة جبلية صخرية تتخللها كهوف وتضاريس صعبة. ففي اليوم الموالي، أي 13 يناير، وابتداءً من السادسة صباحًا، وجد قائد الثورة نفسه محاصرًا بحوالي 2000 عسكري مدعم بالمروحيات ومدفعية الميدان والدبابات، في حين كان هو بمعية 280 جندياً فقط.

قرر رفقة مساعده بلقاسمي مسعود مواجهة العدو بنفسه، ورغم الاختلال في ميزان القوة العسكرية عدداً وعدة، قام بخطة محكمة بتوزيع المجاهدين عبر معابر وكهوف وأماكن استراتيجية لاصطياد جنود العدو وتشتيت صفوفه وإحداث الثغرات في عملياته الهجومية أثناء انسحابه.

كانت المعركة شرسة، تردد الكهوف والجبال الصخرية صداها، حيث استُخدمت كل الأسلحة الثقيلة والطيران، بينما كان المجاهدون يصطادون جنود العدو، لا سيما أثناء انسحابهم بفضل الخطة المحكمة للقائد الرمز سي مصطفى بن بولعيد.

وكان الرهان الأكبر للمجاهدين هو فك الحصار عن القائد وضمان انسحابه أمام ضغط مدفعية الدبابات والطيران والرماة بكثرة عددهم الذين غزوا الوادي موقع المعركة بعد الإنزال الضخم لقوات إضافية.

بعد يوم كامل، تمكن الثوار من تنفيذ الخطة وفك الحصار عن قائد الثورة، لتختتم المعركة بمقتل 60 عسكريًا فرنسيًا وغنم جل أسلحتهم، في حين استشهد 29 مجاهدًا و15 من المدنيين الذين عثر عليهم العدو في كهف بدون سلاح، فأعدمهم بكل وحشية انتقامًا لخسائرهم وإخفاقهم في هدفهم لتحييد ابن بولعيد حيًا أو ميتًا.

الرمزيات التاريخية للمعركة

تكتسي هذه المعركة أهميتها التاريخية من جملة من الرموز والرهانات والتحديات التي واجهتها الثورة، ومن خلالها القائد الرمز مصطفى بن بولعيد، وذلك على النحو التالي:

1. أهم رمزية للمعركة : قرر ابن بولعيد قيادة المعركة بنفسه بمعية مساعديه لمواجهة الشكوك والدعاية التي نسبت إلى نائبه عاجل عجول، وزعمت الدعاية الفرنسية أن فراره من السجن مشكوك فيه، وأن سجن الكدية ليس من “الكرتون”. بعد سلسلة من اللقاءات والاجتماعات لإعادة التنظيم وترميم التصدعات التي حدثت في غيابه، خاصة بعد إعدام شيحاني بشير بتهمة مفبركة، جاءت هذه المعركة لتؤكد أن فرار ابن بولعيد ورفاقه كان ملحمة تاريخية من نسج الكبار، وعلى رأسهم سي مصطفى والطاهر الزبيري.

2. الرمزية الثانية: تأكيد الفشل الذريع للسياسة العسكرية الاستعمارية في مواجهة الثورة، إذ قاد ابن بولعيد، المطلوب رقم واحد لدى فرنسا، المعركة بنفسه في مواجهة قوة جهنمية عدة وعددًا، واستطاع الإفلات من حصار خانق وكبد العدو خسائر مذلة.

3. الرمزية الثالثة: تأكيد التفاف الثوار والشعب حول الثورة وقائدها، حيث كان الهاجس الأكبر للمجاهدين ضمان نجاة ابن بولعيد وخروجه سالماً من جحيم المعركة، بما صُب فيها من نيران وقذائف من كل العيارات والأسلحة البرية والجوية، وكانت الفرحة عارمة لدى المجاهدين والسكان عندما تأكدوا أن القائد البطل تمكن من الانسحاب تحت حماية مكثفة من المجاهدين.

4. الرمزية الرابعة: الظهور القوي لابن بولعيد بعودته لأحضان الثورة وشعبها وسلاحه بيده، رافعًا المعنويات بالأوراس وبقية مناطق الوطن المكافحة، وهي رسالة قوية للعدو بأن الثورة ماضية ولن تضع السلاح إلا بتجسيد أهداف بيان أول نوفمبر 1954 الخالدة، سواء كان ذلك بابن بولعيد أو غيره من القادة والمجاهدين، وهو ما تجسد في جويلية 1962 باسترجاع السيادة الوطنية.

رحم الله الشهيد الرمز مصطفى بن بولعيد وإخوانه من المجاهدين في ربوع الوطن.

مقالات ذات صلة