-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إسرائيل…  تحفة من الدعاية

جمال لعبيدي
  • 40
  • 0
إسرائيل…  تحفة من الدعاية

تحب إسرائيل إشاعة فكرة مفادها أنها منبوذة لأنها “دولة الشعب اليهودي”. غير أنه من الجليّ أن أي مجتمع كان سيأتي من الخارج ليستوطن أرض  غيره ، كان سيواجه رفضا مطلقا. ورغم ذلك، فإن الكثيرين يصدقون هذا أو صدقوه؛ ومردّ ذلك إلى قوة الدعاية ومدى قدرتها على غسل وعي الناس وتغييبه.

لقد عملت الأيديولوجية الصهيونية التاريخية بالفعل على نشر صورة نمطية عن اليهود قوامها الاضطهاد، والعنف الممارس ضدهم، والمعاناة، والمخاطر، والتهديدات، والنفي، والنزعة  المسيحانية. والغريب في الأمر، هو أن الدعاية الإسرائيلية ستعيد تبني الصورة نفسها وإعادة بنائها، رغماً عن أن هذا التمثيل يُفترض أنه لم يعد له مبرر مع تحقق المشروع الصهيوني، أي وجود الدولة اليهودية.

في الجزء الأول من هذا النص (1)، رأينا أن إسرائيل تشكل مفارقة من حيث إن وجودها يعتمد على قوى أخرى، وتحديداً الولايات المتحدة على المستويات: العسكرية والاقتصادية. ورأينا أن الحجة الرئيسية لإسرائيل كانت تكمن في أن أعداءها يريدون تدميرها، وهي حجة يُفترض أنها تبرر سياستها العنيفة، لكنها تكشف في الواقع عن الهشاشة الخلقية لوجودها. واكتشفنا بذهول أن وجودها الأخلاقي وهويتها لا يستندان إلى تاريخ كثيف، ومادي، وموثق، وملموس كسائر الأمم، بل إنهما لا يعلقان إلا بخيط رفيع؛ خيط الرواية الأسطورية حول أصولها.

ومن هذه الخصائص، سينتج أن الرواية حول إسرائيل، والدعاية، والتواصل، ستلعب دوراً أساسياً في علاقتها بالعالم وفي تبرير وجودها. وإسرائيل، من هذا المنظور، هي أيضاً صنيعة الدعاية ، بل هي “تحفة فنية” من تحف الدعاية.

العنف، عنصر أساسي في  الدعاية

إن موضوع العنف مفيد جداً للدعاية الإسرائيلية؛ فهو يتيح لإسرائيل، ولعرّابيها، ولمدافعيها، إقصاء الأسباب العميقة لهذا الصراع المزمن القائم في الشرق الأوسط منذ اقتحام إسرائيل للمنطقة، والتعامل معه فقط من زاوية العنف. وتناول الموضوع من هذا المنظور يقدّم بالفعل ميزة وضع المعتدي والمعتدى عليه، والمهيمن والمهيمن عليه، والضحية والجاني، في كفة واحدة. فالعنف بذاته لا يفسر شيئاً في غياب قراءة لأسبابه؛ وهو بطبيعته غير إنساني، سواء استخدمه الجلاد   أو استخدمه الضحية  كرد فعل. هناك قضايا عادلة، ولكن لا يوجد قتلى عادلون. كل موت هو مأساة كاملة وجودية من وجهة النظر الفردية.

ومع اختزال السببية في العنف وحده، سيكفي حينها بدء التاريخ في كل مرة عند اللحظة التي تريدها إسرائيل : انتفاضة، هجوم، أو عمل يوصف بالإرهابي. وهذا ما تفعله إسرائيل باستمرار.

الغيتو  والبوغروم

إن أحداث 7 أكتوبر 2023، كمثال حديث، تشكل نموذجاً لذلك. فقد كانت عملاً دعائياً متقناً: إذ اعتبرت نقطة تحول ومنعطفاً تاريخياً وفقاً لإسرائيل ومروجي دعايتها، وكأن كل شيء قد بدأ في ذلك اليوم. فلم تُذكر كلمة واحدة عن جميع عمليات القصف والمجازر السابقة في غزة، ولا كلمة عن 24 مجزرة (2) ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين منذ نشأتها. ولا كلمة عن غيتو غزة، وعزله عن بقية فلسطين، وحصاره الدائم، وقصفه المستمر. بل إن انتفاضة 7 أكتوبر قُدمت على أنها… “بوغروم” (مجزرة منظمة) ضد الإسرائيليين، في قلب كامل للحقائق. والقلب هو، بالمناسبة، أحد الأساليب المفضلة للدعاية الإسرائيلية. ولقد ظهر مصطلح “بوغروم” واستُخدم لأول مرة بخصوص 7 أكتوبر 2023 من قبل المثقف الدعائي الإسرائيلي “برنار هنري ليفي”. وبذلك جرى تحريف الكلمة عن معناها الاشتقاقي، إذ إنها تشير تاريخياً إلى مجازر اليهود العُزّل في أوروبا، في حين أن ما حدث هنا، في غزة، هو ثورة ضد المحتل.

وفي وسائل الإعلام الغربية  السائدة والإسرائيلية، وصل الأمر إلى حد ذرف الدموع على الإسرائيليين الذين كانوا يعيشون على أطراف الغيتو الفلسطيني، فوق الأراضي الفلسطينية التاريخية، والذين كانت لديهم “الإنسانية لتشغيل الفلسطينيين وإطعامهم، فتعرضوا للهجوم من قبلهم”. وهو وصف يشبه وصف حيوانات حديقة الحيوان. ولم يتأخر عقد هذه المقارنة بالفعل، إذ وصف وزير الدفاع الإسرائيلي الفلسطينيين بهذا اللفظ. ونحن نعلم أن 7 أكتوبر كان قبل كل شيء هجوماً ضد الوحدات العسكرية الإسرائيلية التي كانت تطوق غيتو غزة، باعتراف الخسائر العسكرية التي أعلنتها إسرائيل نفسها، مثلما نعلم أن الحدث كان فضيحة تضليل إعلامي. ويدهش  المرء حقاً كيف لدعاية بهذه السخافة والابتذال أن تشق طريقها للنشر ليس في إسرائيل فحسب، بل الئ المنظومة الإعلامية الغربية الحاكمة برمتها.

وفي الواقع، فإن مصطلح “بوغروم” ليس مجرد تلاعب بالواقع، بل هو جزء من الرواية الشاملة القائمة على استغلال موضوع اضطهاد اليهود. ويتحول هذا الموضوع إلى نوع من الديمومة الوجودية (الأنطولوجية)، ويُستخدم لإضفاء الشرعية على وجود يفتقر إلى المبررات، سواء كانت تاريخية أو أخلاقية. غير أن هذه الأطروحة التأسيسية تنتهي في نهاية المطاف إلى تناقض ذاتي، بما أن اليهود الإسرائيليين هم من باتوا اليوم يلعبون دور الجلادين.

المعتدي والمعتدى عليه

هكذا إذن، يتيح موضوع العنف ميزة هائلة تتمثل في تغييب مسألة المعتدي والمعتدى عليه، ومساواتهما: ففي لبنان، تصبح بضعة صواريخ حرفية يطلقها حزب الله موازية في القيمة لقنابل تزن طناً تُلقى على مدينة بيروت، أو للصواريخ التي تفجر بشكل ممنهج منازل جنوب لبنان. ويُطرح السؤال: “هل تقبلون أن تتعرضوا للقصف يومياً من قبل حزب الله أو حماس؟ إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها”. صحيح، من يقبل بذلك؟ لكنها مغالطة تتقن حجب المشكلة الحقيقية : احتلال فلسطين، ثم حتماً احتلال لبنان أو إخضاعه، و ما يترتب على ذلك من تبعات. إن موضوع العنف يسمح بخلط كل الأوراق. وقد تنبه القانون الدولي لهذه المعضلة وحسمها بجعل أحد أشكال العنف مشروعاً، وهو عنف شعب خاضع للاحتلال ومعتدى عليه. وبعبارة موجزة: لا تملك إسرائيل الحق في الدفاع عن النفس لأنها دولة احتلال. وهذه النقطة يتجاهلها الدعائيون بعناية.

ويرتبط موضوع “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” ارتباطاً وثيقاً بموضوع آخر مهم في الدعاية، وهو “تهديدات الإبادة والتدمير” التي تحيط بها. وهكذا تجد إسرائيل نفسها (في ذروة البلاغة السفسطائية) تكتسب شرعيتها ليس من حقها في الوجود، بل من التهديدات التي تطال وجودها. وخطر تدمير إسرائيل هو حجة رئيسية في الدعاية الإسرائيلية لأنه يسمح بتبرير كل شيء؛ فهو يجعل إسرائيل، حتى عندما تهاجم، تبدو وكأنها مستمرة في الدفاع عن نفسها.

معاداة السامية

في ترسانة الدعاية، تبرز بالطبع تهمة “معاداة السامية”. ولا بد من إبداء ملاحظات عدة بهذا الشأن: لقد كانت معاداة السامية عنصراً مركزياً في رواية بناء إسرائيل ودعايتها. وموضوع معاداة السامية موجه بالدرجة الأولى للاستهلاك الغربي، إذ إن التهمة لا موضوع لها بالطبع في فلسطين، وهي قليلة الذكر والاستخدام في العالم غير الغربي.

في البداية، وتاريخياً، خَدَمت معاداة السامية غرض تبرير إنشاء إسرائيل كوطن قومي لليهود بعد الاضطهادات النازية، وبالتالي الترويج لإسرائيل كحل لـ “المسألة اليهودية” ونهاية لمعاداة السامية. غير أن الدعاية الموالية لإسرائيل اليوم جعلت من محاربة معاداة السامية موضوعها الدعائي المفضل، كما لو كان وجود إسرائيل، على العكس من ذلك، هو ما عزز معاداة السامية. وفي هذا تناقض صارخ. وفي الواقع، جرى توظيف موضوع معاداة السامية طردياً مع تراجع مصداقية إسرائيل، وصولاً اليوم إلى مساواة أي هجوم على الصهيونية، بل وحتى على إسرائيل، بمعاداة السامية. وهكذا انتقلنا من النقد التاريخي والإنساني لمعاداة السامية، بوصفها أداة تمييز ضد الطائفة اليهودية، إلى إدارة معاداة السامية كأداة قمع في أيدي إسرائيل والدول الداعمة لها.

البروباغندا والملف النووي الإسرائيلي

مع الإبادة الجماعية في غزة، ثم الحرب ضد إيران، تدهورت صورة إسرائيل إلى حد أن جدار الدعاية الموالية لها بدأ يتصدع في كل مكان في الغرب. ويظهر هذا بشكل لافت في ما كان يشكل تابوهاً (محرماً) حقيقياً: السلاح النووي الإسرائيلي. ففي وسائل الإعلام الغربية الكبرى، كان يمكن الحديث لساعات عن النووي الإيراني، فيما ظل   كالفيل في الغرفة : يعرفه الجميع،  و لا يجرؤ أحد على تسميته، خشية وصموتا مفروضين بهيمنة “أصدقاء إسرائيل” المطلقة  على البلاتوهات الإعلامية. واستمر هذا الوضع لعقود. ولقد امتلك إسرائيلي يدعى “مردخاي فعنونو” الشجاعة للكشف عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، فاضطر للهروب، ثم اختُطف في روما وأُعيد إلى إسرائيل وحُكم عليه بالسجن 18 عاماً.

ولعل هذا الموضوع هو خير ما يلخص سياسة الكيل بمكيالين، وخير ما يعبر عن الجنون اللامعقول الذي يُجبر العالم على العيش فيه: فإيران تتعرض للاعتداء، والعقوبات، والمضايقات لعقود من الزمن بحجة أن لديها مشروعاً لامتلاك السلاح النووي، في حين أن إسرائيل تمتلكه منذ الستينيات. غير أن الغطرسة المتعجرفة التي أرادت بها الولايات المتحدة وإسرائيل جعل النووي الإيراني محور هذه الحرب الأخيرة ضد إيران، أدت في نهاية المطاف إلى نتيجة عكسية بفضل المقاومة  الإيرانية الفعالة، وباتت الألسن تتحرر الآن. ففي الكونغرس الأمريكي، استجوب نواب ديمقراطيون الرئيس ترامب مطالبين بأن تكشف إسرائيل كل شيء عن ترسانتها النووية وأن تخضع هي الأخرى للتفتيش. وفي فرنسا، قام جنرالات سياديون، ذوو نزعة ديغولية، مثل الجنرال “ياكوفليف” وآخرين، ممن سئموا إجبارهم على الصمت بفعل الضغط الإسرائيلي حول هذا الموضوع وغيره، بطرح مسألة النووي الإسرائيلي علناً على شاشات التلفزيون من زاوية الكيل بمكيالين الصارخ. وذكّروا بأن السلاح النووي لا يمكن أن يكون سلاح ردع للبعض دون الآخرين، وأن الردع النووي سيكون هنا، كما في أي مكان آخر، هو الحل الأمثل عبر طمأنة وحماية إيران بقدر إسرائيل. ولِمَ لا يتم، بالمناسبة، إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي؟ وهو حل بسيط ومنطقي تماماً، لكن الدعاية الإسرائيلية-الغربية غيبته، نظراً لأن الهدف الحقيقي هو أن تحتكر إسرائيل السلاح النووي لضمان هيمنتها على المنطقة. وبناء على ذلك، انهار التحكم الإسرائيلي في المعلومات المحيطة بهذه النقطة الحساسة بشكل مدوٍّ.

الدعاية  الإسرائيلية والمعلومة

إن تصاعد جهود إسرائيل في السيطرة على  المعلومات الغربية تشهد على عزلتها المتنامية. وما يحدث في المنظومة الإعلامية في فرنسا يعد نموذجاً جيداً على ذلك، إذ بات الأمر يلامس الكاريكاتير والابتذال؛ فلم يعد الأمر يقتصر، كما في السابق، على وجود “أصدقاء لإسرائيل” أو موجهي رأي يتم استقطابهم من المثقفين اليهود الذين يتماهون مع إسرائيل، أو صحفيين من الصحافة الموالية لها. بل بات “عناصر موثوقون” يتربعون في بلاتوهات الأخبار: فرنسيون-إسرائيليون، مزدوجو الجنسية، همهم الأول والوحيد هو إسرائيل، ومراسلو صحف إسرائيلية، بل وصولا الئ متحدثين باسم الجيش الإسرائيلي وعملاء الموساد معلنين. ويتولد لدى المرء انطباع قوي بأن بلاتوهات التلفزيون باتت مؤطرة بشكل أو بآخر بشخص أو شخصين يتلقيان الأوامر بمجرد أن يتعلق الأمر بإسرائيل. وتتحول المعلومة ببساطة ومباشرة إلى دعاية، وإلى خطاب أيديولوجي وسياسي متماهٍ مع إسرائيل، وصولاً إلى تبرير أبشع جرائمها.

إن التمثيل المفرط للعاملين من أصول يهودية في القنوات الإخبارية أمر جليّ لا يُبذل أي جهد لإخفائه؛ وهم لا يُختارون لكونهم يهوداً، بل لكونهم يهوداً موالين لإسرائيل. والصهيونية تعشق هذا الخلط وتطالب به لأنه يسمح بتطوير التعصب والانتماء إلى هذا القطب أو ذاك. ونتيجة لذلك، وكظاهرة جديدة، باتت بلاتوهات الأخبار تشهد أكثر فأكثر مواجهات مبطنة، وأحياناً حادة، ضد دكتاتورية وجهة النظر الموالية لإسرائيل والفكر الأحادي الصهيوني.

وفي الوقت نفسه، يتم وضع ترسانة قانونية قمعية للغاية لمعاقبة أي ملاحظة في هذا الشأن، ولجعل الناس صماً وبكماً وعمياناً عن الجرائم الإسرائيلية، تحت طائلة الاتهام بمعاداة السامية. هذا هو الحال في الولايات المتحدة، وفرنسا، ومؤخراً في أوكرانيا حيث يُتوقع السجن لثماني سنوات في مثل هذه الحالة. وبات نقد إسرائيل والصهيونية بمثابة تجديف ومحاكم تفتيش حقيقية.

لكن هذا لا يمنع التراجع الواضح للخطاب الموالي لإسرائيل. لقد كان هذا هو الحال بالفعل في منظومة الإعلام البديل، لكنه بات ينسحب أيضاً على المنظومة الإعلامية التقليدية السائدة. ويظهر هذا بوضوح في الولايات المتحدة، حيث تشتد المواجهة وتصبح أكثر كثافة، يغذيها المعارضون للحرب الإسرائيلية الأمريكية ولرئيسها ترامب.

إن الرواية الإسرائيلية هي تقنياً تحفة فنية من تحف الدعاية، وإسرائيل هي نتاجها. وكل عناصر هذه الدعاية وموضوعاتها —من عنف، واضطهاد، وتهديدات بتدمير إسرائيل، ومعاداة السامية— يحيل بعضها إلى بعض، ويتفاعل بعضها مع بعض، ويبرر بعضها بعضاً لتشكل نسيجاً أيديولوجياً مقنعاً للغاية إذا ما قُبلت مطلقاتها. و رغم ذلك، فإن هذه الرواية قد “تكسرت أنيابها” على جدار الواقع العنيد؛ مما يثبت مرة أخرى أن الدعاية ووسائلها الإعلامية ليست مطلقة القدرة على توجيه الرأي العام، وأن لحظة الحقيقة آتية لا محالة. وهذا مبعث كبير للتفاؤل في هذه الأوقات العصيبة.

—-

(1)- https://www.echoroukonline.com/%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%82%D8%A9

(2)

https://www.instagram.com/reel/DPgFuuPDcaB/

https://www.facebook.com/share/1Acez5AZJU/?mibextid=wwXIfr

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!