-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نفوسٌ لا تكبُر ولا تتغيّر!

سلطان بركاني
  • 78
  • 0
نفوسٌ لا تكبُر ولا تتغيّر!

نستشعر في السّنوات الأخيرة كيف أنّ الأسابيع والأشهر والأعوام تتعاقب وتمضي بسرعة رهيبة تقرع القلوب وتهزّ الأرواح، ونتحدّث عن ذلك في مجالسنا ولقاءاتنا… لكن ربّما قليل من يتساءل إن كان هذا الشّعور الذي نجده، وتلك الكلمات التي نردّدها، هي كلّ ما يُطلب منّا؟ والجواب القاطع أنّ الإدراك والاعتراف مطلوبان، لكنّهما لا يكفيان، بل الواجب علينا أن نتّعظ ونعتبر ونتغيّر؛ فهذه الأعوام التي تمضي سريعا، إنّما تنقص من أعمارنا وتقرّبنا أكثر من الموعد الذي لا ريب فيه، موعد الرّجوع إلى الله: ((ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِين)).
جميعنا نتحدّث بأنّ الأيام والأسابيع والأشهر والأعوام أصبحت تمضي بسرعة، ويقول قائلنا: “ما أسعدك يا فاعل الخير! اللهمّ اجعل لقاءنا بك خيرا”… لكن لعلّ قليلا منّا من يرجع إلى نفسه ويقف معها محاسبا وهو يحصي أعوام عمره وأيامه في هذه الدّنيا، ويسائلها عمّا قدّمت في تلك الأعوام والأيام؟ وإلى أين تسير به؟ إلى الجنّة أم إلى النّار؟
في صفة الصفوة لابن الجوزي أنّ الرّجل الصالح “توبة بن الصمّة” جلس يوما يحاسب نفسه، فعَدّ سني حياته فوجـدها بلغت الستين سنة، ثم عد أيامه التي عاشها فوجدها تزيد على واحد وعشرين ألف يوم، فصرخ وقـال: “يا ويلتي، ألقى الله بواحـد وعشرين ألف ذنب، كيف وفي كل يوم عشرات الذنوب؟”.
أعمارنا تمضي بسرعة عجيبة، بل مخيفة… ما منّا من أحد إلا وهو يتذكّر أيام الشّباب ويعجب كيف أنّها مضت سريعا، لكأنّها كانت بالأمس… ما ينتبه العبد إلا وهو في الأربعينات يطلّ على الخمسينات، وفجأة يجد نفسه يعدّ عمره في الستينات… عندما كان في مرحلة الشّباب كان يظنّ الخمسينات مرحلة لا تزال بعيدة، وينظر إلى الكهول الذين وصلوا إليها على أنّهم عمّروا طويلا في هذه الدّنيا، لكنّه فجأة يجد نفسه قد بلغ الخمسينات! وببلوغها بدأ ذلك الشّعور الخاصّ يملأ كيانه؛ يشعر بأنّ الرّحيل قد اقترب موعده، وأنّه أمسى ضيفا في هذه الدّنيا. البصر قد ضعف، والعظام بدأت تعجز عن حمل البدن، والأنفاس تتسارع مع أقلّ الأعمال مشقّة… والمصيبة أنّه ربّما يجد نفسه لا تزال في مرحلة الشّباب أو مرحلة الطّفولة! يجدها لا تزال نشطة في طريق الشّهوات، سريعة إلى مقارفة المحرّمات، متثاقلة عن الصلوات والطّاعات… كبر عمره، لكنّ نفسه لا تزال صغيرة في همومها وأهوائها وشهواتها! هو يريد أن يُعدّ نفسه للرّحيل، لكنّ نفسه لا تطاوعه، تقول له بكلّ جرأة وإصرار: لا يزال الوقت مبكّرا على التوبة! أنا لا أزال لم أشبع من الدّنيا! والمصيبة الأكبر أنّ نفسه تظلّ هكذا على هذه الحال حتى يبلغ الثمانين والتسعين!
من أعظم الخسارة أن تكبر أعمارنا ولا تكبر نفوسنا! ونحن الآن نرى في واقعنا كيف أنّ أغلب الخصومات في المحاكم، أطرافها أكثرهم قد تجاوزوا الخمسينات وربّما الستينات؛ الواحد منهم لا يزال وهو فوق الستين يخاصم لأجل الدّنيا كما كان يخاصم وهو طفل صغير، والفرق أنّه عندما كان صغيرا كان يخاصم لأجل الألعاب والاستعراضات، والآن يخاصم لأجل الأراضي والميراث والسكنات!
إنّها مشكلة، بل مصيبة، أن يتجاوز العبد الأربعين من عمره، ونفسه لا تزال في عمر الشّباب تلهث خلف الدّنيا والشّهوات، نفس طفولية لا يردعها دين ولا عقل! وهو ابن الخمسين والستّين لا يزال يتحدّث عن الدّنيا كأنّه ابن العشرين والثلاثين! عينه زائغة تتطلّع إلى الشهوات وتسترق النّظر إلى العورات كأنّه ابن الثامنة عشر، ولسانه سليط في أعراض النّاس كأنّه قد ضمن أن يعيش قرنا كاملا… المفترض في العبد الذي بلغ الأربعين أن ينضج عقله وترعوي نفسه ويلين قلبه، ويدرك أنّ الآخرة أصبحت أقرب إليه من الدّنيا: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين))… لكنّنا معشر من تجاوز الأربعين، وناطح الخمسين والسّتين والسّبعين، لا تزال همومنا ومشاغلنا كما كانت، لم يتغيّر شيء! الواحد منّا إلى الآن لا يزال همّ الآخرة بعيدا عن قلبه وباله! لم يفكّر يوما في القبر حتّى تدمع عيناه. لم يتمنّ يوما الجنّة بحرقة! لم تتمنّ نفسه رؤية وجه الله الكريم! لم يقل في نفسه يوما: آه لو يغفر الله لي ويدخلني جنّته!
الواحد منّا، إذا كلّمه طفل صغير أو شابّ يافع بكلام لم يعجبه، قال له: “اسمع يا هذا! أنا في سنّ أبيك”! يفخر بأنّه قد عاش عمرا طويلا وأنّ عمره أضعاف عمر ذلك الطّفل أو الشابّ… لكن، هل الأعمار تقاس بعدد السّنوات؟ كلا ثمّ كلاّ! الأعمار تقاس بما قدّمه العبد فيها لنفسه ودينه وأمّته وقضاياه… العبد ربّما يبلغ ستّين سنّة من عمره وهو لم يقدّم شيئا لنفسه، فضلا عن أن يقدّم شيئا لدينه وأمّته؛ نفسه التي كانت معه في العشرين هي نفسه التي معه في الستين؛ لم يتقدّم بها خطوة واحدة إلى ما ينفعها ويشفع لها عند ربّها. حتى أبناؤه لم يقدّم لهم شيئا آخر غير الطّعام والشّراب واللّباس والدّواء، لم يهتمّ بدينهم ولا آخرتهم!
الأعمار ليست بعدد السّنوات، إنّما هي بما يتركه العبد من أثر، وليس ينفع العبدَ أن يعدّ في كلّ عام عمره، إنّما ينفعه أن يسأل نفسه: ماذا قدّمت خلال هذه السّنوات؟ إذا رحلتُ غدا فماذا أترك خلفي؟ أترك ذرية صالحة مصلحة؟ أترك علما ينتفع به النّاس؟ أترك صدقات جارية تجري عليّ حسناتها إلى يوم القيامة؟
من النّاس من يعيش عمرا قصيرا، وعندما يرحل يبكي عليه المئات والآلاف، أسفا على الخير الذي كانوا يرونه منه، حزنا على فراق وجهه البشوش وفقدان كلامه الحسن وأخلاقه الراقية وصدقاته التي لا تنقطع… ومن النّاس من يعيش عمرا طويلا، لكنّه عندما يرحل لا يهتمّ به أقرب النّاس إليه، بل ربّما يرتاح كثير من النّاس من خصوماته وعداواته ووجهه الكالح ومعاملته السيّئة!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!