-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حرب اللغة في لغة الحرب

عمار يزلي
  • 48
  • 0
حرب اللغة في لغة الحرب

لم تكن اللغات يوما مجرد أداة تواصل واتصال، بل أساسا أداة توصيل وتوصّل: أداة فكرية وإيديولوجية وثقافية بشكل عامّ، تمنح ذلك الرابط الفكري والثقافي والعقائدي بين الناس المنتمين إلى المجموعة اللغوية أو الإثنية أو الوطنية أو القومية ذاتها. أكثر من ذلك، هي تمثل وعاء لكل الروافد الفكرية والعقلية والعقائدية والثقافية، التي تشكل في النهاية محصلة تجارب ونمو مضطرد، لا يخلو من حالات ضعف وحتى موت خلال مسار حياة هذه اللغة أو تلك. الموت هنا قد يكون ثقافيا أكثر مما هو فيزيولوجي ووجودي. اللغة في الأخير، هي أداة حمائية للهوية وشرنقة نشأتها وتطورها وفقدانها أيضا.
اللغات الإنسانية، بفروعها الكبرى: الهند- أوربية والسامية، خضعت خلال مسار نشأتها ونموها وتطورها وانتشارها إلى عدة عوامل تاريخية وجغرافية جعلت لغة تموت وأخرى تتطور وتنقسم إلى لهجات فيما تنقسم اللهجات في ما بعد لتتولد عنها لغات ولهجات تجمعها جذور أمومة واحدة وتفرقها المفردات والأحرف والدلات أحيانا. المضمون اللغوي يتغير هو الآخر بحسب الاستعمال الدلالي للمفردة وحتى الحرف الواحد: حرف “الألف”، الموجود في كل اللغات، هو مجرد صوت، يعني في الأصل في اللغة الأرامية “الثور”، و”الباء” يعني “بيت” والجيم يعني “جمل” والدال “الخيمة” إلخ… نجد هذا في اللغة الإغريقية التي نقلت إليها هذه الأحرف عبر الفينيقية ليصبح “أ”، “ألفا” و”ب” بيطا، و “ج” جاما” و”د” “دلتا” إلخ…
غير أن الاستعمال اللغوي، يخضع في الأخير لمستعمِلي هذه اللغة أو تلك، لتصبح في ما بعد هذه اللغات المتعددة ذات الأصول الإنسانية الواحدة تقريبا، مختلفة النطق والمعاني قليلا أو كثيرا، قريبة جدا أو بعيدة جدا. على أساس هذا الاختلاف والتباعد المتولّد عن تغير الظروف الجغرافية والاجتماعية وتمازج الأعراق وبتباعد النسل، بسبب النزاعات بين الأسر والعائلات الأولى ثم القبائل في ما بعد ثم الشعوب ثم الأوطان ثم القوميات، لتتخذ من اللغات رؤوس الرماح وسنان الصراع والحروب، بعد أن تصبح اللغات عنوان ميزتها وتميز هويتها عن بقية الأمم والأعراق والقوميات والأجناس. تنفجر الصراعات والحروب، وتكون اللغة باعتبارها أداة توصيل وأداة تحكّم فكري ووعاء الهوية، هي راية هذه الحروب وبيارقها، لحروب باسم اللغات.
لغات ميتة، أحياها البعض لتكون لهم راية وسهما وعنوانا للتميز والتمييز، كما فعل اليهود مع العبرية والأرامية القديمة، فيما فُقدت لغات أخرى بعد ذوبان مستعمليها في كنف حضارات أخرى بعد أن كانت هي الأصل والفرع، كما حصل مع الفينيقية واليمنية السبئية وآلاف اللغات الأخرى التي انقرضت بانقراض استعمالها. انتهت الفينيقية بانتهاء الحروب البونيقية مع الرومان، مع أنها بقيت لقرون بعد سقوط قرطاجنة، بل وصارت من روح بقية اللغات حتى الإغريقية والرومانية نفسها.
الصراع اليوم ليس لغويا في حد ذاته، بل صراع من أجل المصالح والقيادات والزعامات والتمكن الاقتصادي والعسكري والتمكن العلمي والثقافي، وما اللغات إلا أداة لهذه الرغبة في الهيمنة والتوسع والانتشار. هذا ما حدث في الجزائر المحتلة من طرف فرنسا، عندما عملت على تحطيم اللغة العربية باعتبارها لغة الوحدة بين مسلمي البلد وسكانه، ولغة هوية شعب استمدها من الدين الإسلامي، وتبناها البربر على هذا الأساس الحضاري، من دون أن يتخلوا عن لغة التواصل المجتمعي الأصيل عندهم المتمثل في لغتهم وبلهجاتها المتعددة وثقافتهم الشفهية وتراثهم التاريخي.
اليوم، اللغة العربية والأمازيغية كعناوين هوية، هي إسمنت الوحدة بين الشعب الواحد أمام التخلف وحرب الاستعمار لإبقاء التبعية والتفرقة الأيديولوجية قائمة حتى عبر حرب التعليم والاتصال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!