الفرانكوفيليون ضد الإنكليزية: صراعُ هوية أم صراعُ مصالح؟!
كما هو معروف هذه الأيام، تُتابع جهات متعددة باهتمامٍ كبير التعديلات التي قرّرت وزارة التربية تنفيذَها بدءا من الدخول المدرسي. يتّهم البعض الوزارةَ بالارتجال في حين أن الحقيقةَ تشهد بأنّنا كُنّا نقرأ ونسمع بأن الوصاية مُقدمة على مثل التعديلات منذ مطلع السنة الجارية. ولذا من الخطأ أن نعتقد بأن القرار اتخذ في الكواليس بعيدا عن دوائر أصحاب القرار.
ومهما يكن من أمر فهذه التعديلات لا تستحق كل هذا الصخب من قبل فئة معينة تضغط بكل الوسائل لحمل السلطات على التراجع. وهم يرون أن كل تمكين للغة التدريس الوطنية في المدرسة أو إقحام للغة التواصل العلمي في هذا العصر ضرب للغة المستعمر!
ويجدون آذانا صاغية
والظاهر أنهم لم يستوعبوا أن السياسة اللغوية الواعية ليست انتصارا للغة على أخرى، بل هي بناء متوازن يعكس هوية البلاد ويواكب متطلبات العصر: انظر مثلا إلى الفيتنام وإيران وتقدمهما وتشبثهما باللغة القومية، وتأمل دروس إفريقيا الفرانكفونية المنكسرة الجناح… وهي تعاني من سياستها اللغوية التي يفرضها عليها الاستعمار القديم والحديث إلى اليوم.
وفي هذا الجدل حول السياسة اللغوية للبلاد، استعملنا في مقال قبل بضعة أيام، لفظ “الفرنكوفيلي” الذي لا يعني المتحدثَ بالفرنسية أو المتقنَ لها، فهؤلاء هم ‘الفرانكفونيون’، وهم جزء طبيعي من نسيجنا الوطني. إنما نعني بالفرانكوفيلي، ذلك المتشبّثَ بالتراث الفكري الاستعماري ولغته كمرجعية وجودية وهويّتية، وهو طرف من العصابة التي ترفض أيّ إصلاح لغويّ في اتجاه تعزيز اللغة العربية، أو في كل إقحام للغة الإنكليزية كلغة للتواصل العلمي والعالمي. ذلك أن هذه الشلة ترى في مثل هذا التغيير تهديدا مباشرا لهويّتها التي تبنّتها خلال الحقبة الاستعمارية: إنها مجموعة لا تدافع عن لغة بقدر ما تدافع عن مرجعية ثقافية تحفظ لها امتيازاتها المتعددة الأشكال.
هؤلاء الفرانكوفيليون لا يكتفون باحترام الفرنسية وتعلّمها، بل يعملون على إبقائها في موقع الهيمنة داخل المدرسة والجامعة والإدارة، ويُقدّمونها باعتبارها لغةَ العلمِ والرقيِّ والحداثة، وكأن العربيةَ ليست أهلا لحملِ المعارف العصرية، وكأن الإنكليزية ليست لغة العصر ولغة العلم الحديث ولغة التواصل في العالم، وكأن الصينيةَ واليابانيةَ والفارسية لم تُثبت للعالم أن التقدّم لا يبنى على لغة المستعمر. إنهم يختزلون العالم في لغة واحدة، ويمارسون الضغوط على كل الجبهات لتسير أمور التربية على هواهم… والمؤسف أنهم يجدون آذانا صاغية في أكثر من مناسبة.
قبل نحو 15 سنة أو يزيد كنا نشرف على رسائل ماجستير ودكتوراه في الرياضيات تُحرّر باللغة الفرنسية، وكان ذلك أمرا عاديا. وكان أحد الأساتذة يقول متعجبا، وواصفا حال طالب الدكتوراه عندنا، بالقول: إنه يفكر بالعربية (لأن دراسته قبل الجامعة كانت بالعربية)، ويقرأ مراجعَه باللغة الإنكليزية، ثم يكتب أطروحته باللغة الفرنسية! وكانت النتيجة في كثير من الأحيان نصا علميا مضطربا، تبدو فيه آثار الانتقال بين ثلاث لغات مختلفة، فتأتي لغة تحرير الأطروحة ضعيفة. أما الآن فلا نكاد نجد رسالة من هذا القبيل بغير اللغة الأنكليزية. هذا خيار طلبتنا تماشيا مع ما يفرضه النشر العلمي في العالم… وهو توجه لم يستوعبه البعض من أصحاب القرار وفي الدوائر النافذة في مجال التربية.
النشر العلمي
يبدو أن جيل أولئك الذين يُقدَّمون عندنا بوصفهم مرجعيات، من قدماء المستشارين التربويين الذين تضايقهم زحزحة اللغة الفرنسية وتقدّم الإنكليزية في مدرستنا، لا يعلمون -بل يتجاهلون- أن الفرنسية، حتى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، كانت لا تزال تحتل مكانة مهمة في التواصل العلمي العالمي، إلى جانب الإنكليزية، وبدرجة أقل الألمانية. ثم تغيرت الأمور في هذا الباب.
في بعض التخصصات، مثل الرياضيات، كانت الفرنسية تمثل لغة ذات حضور ملحوظ في المنشورات العلمية، حيث بلغت نحو 23% من المنشورات الرياضياتية خلال فترة الثلاثينيات من القرن الماضي. غير أن هذا الحضور أخذ في التضاؤل التدريجي مع مرور الزمن بعد الحرب العالمية الثانية. فحسب بيانات تستند إلى تحليل المنشورات العلمية العالمية، بلغت نسبة المقالات العلمية باللغة الفرنسية في الثمانينيات على المستوى العام حوالي 6%. أما قاعدة بيانات “وب أوف ساينس” (Web of Science)، التي تعدُّ مرجعا عالميا، فتُشير إلى أن اللغة الفرنسية مثَّلت نحو 4.5% من المنشورات العلمية سنة 1980، في حين تُقدّر دراسات أخرى النسبة نفسها بنحو 4% في العلوم الطبيعية والهندسة خلال تلك الفترة.
ما لم يدركه البعض من “خبرائنا” في التربية أن هذه المرحلة عرفت انتقالا تدريجيا سريعا من مشهد علمي متعدد اللغات إلى هيمنة متزايدة للغة الإنكليزية. فوفقًا لتحليلات استندت إلى قاعدة البيانات السابقة الذكر، كانت نسبة المقالات المفهرسة باللغة الفرنسية على المستوى العالمي حوالي 2.14% سنة 1990، ثم انخفضت إلى 1.06% بحلول سنة 2023 في مختلف التخصصات. وفي بعض المجالات، كالطب، بلغت النسبة 0.28% سنة 2020. وحتى في مقاطعة كيبيك، رمز الفرانكفونية، لم تتجاوز نسبة المقالات العلمية بالفرنسية في مجال العلوم الطبيعية والطبية 0.6% سنة 2021. ولا يعني ذلك اختفاء الفرنسية، فهي لا تزال مستخدمة في بعض الأوساط العلمية، ولا سيما في العلوم الإنسانية والاجتماعية حيث تظل نسبتها أعلى نسبيًا، وكذا في الفضاءات الفرانكوفونية.
إن الإنكليزية اليوم لغة دولية للعلم والتكنولوجيا والبحث والتواصل، ومن مصلحة أبنائنا أن يتعلموها ويتقنوها، حتى لو كان آباؤهم لا يجيدونها. بل ينبغي الارتقاء بمستوى تعليمها، وتوسيع فرص الوصول إليها، وتشجيع تلاميذ التخصصات العلمية على الاستفادة من مصادرها العالمية. ومع ذلك، فإن تعلم الإنكليزية أمر مطلوب، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب لغة التعليم الوطنية. وكذلك فإن تعلم الفرنسية أمر محمود، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب لغة التعليم الوطنية ولا على حساب لغة العلم والتواصل اليوم. ولا يحق لنا أن نمنحها امتيازا تاريخيا دائما داخل المدرسة الجزائرية.