الرأي

الروابط العلمية بين الجزائر وأذربيجان: جذور تاريخية وآفاق معاصرة

بقلم: حسين بوبيدي / ألنور مصطفاييف
  • 532
  • 0

فتحت الزيارة العلمية التي قام بها أساتذة من جامعة قسنطينة2 إلى معهد الدراسات الشرقية ومعهد المخطوطات التابعين لأكاديمية العلوم الوطنية الأذربيجانية في باكو الباب نحو التفكير في تفعيل تعاون علمي مثمر بين البلدين، ولا شك في أن العلاقات بين الشعوب تتجاوز في مستواها الأعمق كل ما هو ظرفي ومؤقت لتنفتح على الذاكرة الثقافية المشتركة، والتراكمات المعرفية، ومسارات إنتاج العلم وتداوله التي شاركت فيها النخب العلمية على مرّ القرون، ولا مراء في أن الجزائر وأذربيجان ينتميان إلى فضاء حضاري واحد تشكّل داخل سيرورة التاريخ الإسلامي الذي جمع تحت مظلّته شعوبا ولغات مختلفة، وقد مارست حركية العلماء بالرحلة في طلب العلم دورا مركزيا في بناء شبكات علمية عابرة للأقاليم.

إن الحضارة الإسلامية لم تكن فضاء دينيا فحسب، بل منظومة معرفية متكاملة، قامت على وحدة اللغة العلمية، وتداخل العلوم النقلية والعقلية، وتداول النصوص عبر مسافات شاسعة، فقد شكّلت اللغة العربية لقرون طويلة لغة العلم المشتركة في مختلف أقاليم دار الإسلام، من الأندلس إلى القوقاز وآسيا الوسطى. وقد مكّن ذلك من إدماج الإنتاج العلمي لشعوب مختلفة ضمن دائرة معرفية واحدة، تتقاسم المفاهيم، والمناهج، والمرجعيات، وإن اختلفت السياقات المحلية.

في هذا السياق يمكن أن نستدعي عالم الكلام الأذري الشهير: أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن حاتم (ت بعد: 443هـ/1052م) نزيل القيروان وأحد أشهر تلامذة المتكلم الأشعري الشهير أبو بكر الباقلاني، حيث أبرز د. محمد نصير في أطروحته للدكتوراه التي ناقشها سنة: 2022 دوره المركزي في ترسيخ المدرسة العقدية الأشعرية في المغرب الأوسط (الجزائر) من خلال شبكة التلاميذ وانتقال الأسانيد والنصوص. من جهة أخرى نجد حضورا لافتا لأعلام جزائريين في النصوص المصدرية الأذربيجانية، وخاصة في علم الكلام، حيث نجد أعمال المتكلم الشهير: محمد بن يوسف السنوسي التلمساني (ت:895هـ/1490م) في مركز المخطوطات العربية بأذربيجان، وشروحات حولها.

إن استحضار هذه الحركية لا يهدف إلى استعادة الماضي بوصفه ذاكرة رمزية فحسب؛ بل إلى التأكيد على أن العلاقات العلمية بين الجزائر وأذربيجان لها جذور فعلية في تاريخ تداول المعرفة، وهو ما يمنح مشاريع التعاون المعاصرة مشروعية تاريخية ومنهجية.

المخطوطات والتراث المكتوب كذاكرة مشتركة

يشكّل التراث المخطوط أحد أهم مفاتيح تفعيل التواصل العلمي بين الجزائر وأذربيجان، فمركز المخطوطات العربية بالعاصمة باكو يحتفظ بنصوص ووثائق بالغة الأهمية كما توضح ذلك الفهارس العامة التي أنجزها الباحثون فيه، بما فيها تأثيرات مغاربية في الفقه والتصوف وعلم الكلام والأدب والنحو. وفي المقابل، تحتوي المكتبات الجزائرية العامة والخاصة على مواد ذات صلة بالمشرق الإسلامي وبالفضاء الثقافي القوقازي، ومن آخر ما حقّق في الموضوع؛ أحد النصوص المخطوطة في مكتبة وزارة الشؤون الدينية والأورقاف الجزائرية للعالم الأصولي والمنطقي الشافعي أبو الثناء سراج الدين محمود بن أبي بكر بن أحمد الأرموي (ت: 682هــ/1283) المعنون: الموضح في شرح الموجز في المنطق؛ وقد اشتغل عليه الباحثان: ماهر محمد عدنان عثمان وإسماعيل بن أحمد شراد استنادا إلى نسخة الجزائر، ونسخة ثانية بخزانة مسجد القرويين بالمغرب، ويصدر قريبا جدا عن دار الضياء بالكويت، ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن أعمال الأرموي كانت محل اهتمام علمائنا، وخاصة أن الكتاب الذي صنفه على شرح الآيات البيّنات للفخر الرازي (ت: 606 هـ/1209م) مثّل أولى حلقات تلقّي طريقة الامام الرازي في العلوم العقلية، وذلك من خلال تدريسه بمختلف الحواضر العلمية.

إن هذه الكنوز التي لا يزال كثير منها دفينا في دور المخطوطات تفتح آفاقا واسعة للتعاون في مجال الدراسات المصدرية، من خلال مشاريع مشتركة للفهرسة العلمية، والرقمنة، وإعداد قواعد بيانات متخصصة، إضافة إلى تحقيق النصوص ونشرها وفق المعايير الأكاديمية الحديثة، كما يمكن لمثل هذه المشاريع أن تسهم في إعادة إدماج هذه المصادر ضمن النقاشات العلمية، بما يجدّد الكثير من الأفكار ويسمح بتنويع المقاربات واقتراح رؤى جديدة في فهم التاريخ الثقافي المشترك للأمة الإسلامية.

التاريخ المعاصر: الاستقلال وسياسات الذاكرة

تشترك الجزائر وأذربيجان في تجارب تاريخية معاصرة تتقاطع في وقوعهما تحت نير الهيمنة الخارجية، ثم مسارات المقاومة والنضال لتحقيق الاستقلال واستعادة السيادة وبناء الدولة الوطنية؛ فقد عرفت الجزائر تجربة استعمارية طويلة وعنيفة ذات طابع استيطاني من طرف فرنسا، بينما خضعت أذربيجان للاحتلال الروسي، ثم السّوفياتي الذي أجهض استقلالها الأول (1918-1920)، وفرض عليها قيودا سياسية وثقافية، قبل أن تسترجع سيادتها، وتوفّر هذه الخلفية أرضية خصبة لدراسات مقارنة حول تجارب المقاومة والتحرر الوطني وتفكيك السّرديات الاستعمارية الوظيفية، وفحص آثارها الممتدة في الزمان والمكان، وترشيد سياسات الذاكرة وإعادة بناء الهوية بما يسمح بتجاوز السياسات الاستعمارية التي أضرت بالمجتمعات المستعمرة في سياق التجريف الثقافي والإلحاق الهوياتي، وخاصة مع صحوة الدراسات الديوكولونيالية وتجديد الأبحاث في تاريخ الاستعمار لأدواتها لتتجاوز التقريرات الكلاسيكية التي رسختها الرؤى الاستعمارية المنحازة، وتمثّل هذه القضايا مجالا خصبا للتعاون البحثي، لما تحمله من راهنية علمية وسياسية.

في هذا السياق، ينبغي الالتفات إلى أهمية التعريف المتبادل بالإنتاج الفكري، فمن الضروري تزويد معهد الدراسات الشرقية الأذربيجاني بالمنجز الفكري الجزائري في التاريخ والأدب وعلم الاجتماع…، من نصوص مصدرية لعلماء جزائريين وأعمال مرجعية رائدة، مثل أبحاث أبو القاسم سعد الله وموسى لقبال ويحيى بوعزيز وناصر الدين سعيدوني وعبد الحميد زوزو وعبد العزيز فيلالي ومحمد البشير شنيتي وغيرهم، وهو ما سيسمح للمنجز الجزائري بالتموضع ضمن اهتمامات الباحثين بالمعهد، والأمر نفسه ينطبق على الإنتاج الفكري الأذربيجاني الذي تتوزع اهتماماته على حقول كثيرة يتقاطع فيها مع الهمّ المعرفي الجزائري، خاصة وأن الباحثين في معهد الدراسات الشرقية يشتغلون بعدة لغات إضافة إلى الأذربيجانية مثل: العربية والإنجليزية والفرنسية بما يتيح الاستفادة من دراساتهم، وفيهم أسماء لامعة من المستشرقين (المستعربين) والمحققين أمثال: عالمة الاستعراب الشهيرة: جوهرة باخشعلييفا، والمحقق الشهير للمخطوطات العربية: كماندار شريفلي.

الشراكة الأكاديمية وبناء البحث المؤسسي

يمتلك البلدان تقاليد علمية مميزة في مجالات متكاملة داخل العلوم الإنسانية والاجتماعية، ففي أذربيجان تتقدم الدراسات الشرقية، وفقه اللغة، وتاريخ الأديان، والدراسات النصية، بينما تتميّز الجزائر بتقاليد عميقة في تاريخ الإسلام، وحضارة المغرب الإسلامي، والفقه، واللغة العربية وآدابها، ويمكن تحويل هذا التكامل إلى شراكة مؤسسية مستدامة، عبر إطلاق مشاريع بحثية مشتركة، وبرامج تمويل ثنائية، وإقامات علمية قصيرة، إضافة إلى تبادل الأساتذة والإشراف المشترك على أطروحات الدكتوراه وتنظيم ملتقيات علمية دورية لتتلاقح الخبرات ويتم تبادل المهارات وفتح الباب أمام الطلاب لأجل تخصصات بحثية جديدة، ومن شأن هذه الآليات أن تضمن استمرارية التعاون، وأن تنقل العلاقة من مستوى المبادرات الفردية إلى مستوى السياسات العلمية.

وفي سياق ترسيخ التعاون ومأسسته، تعدّ اللغة أحد المفاتيح الأساسية، فالعربية في الجزائر ليست فقط لغة هوية، بل لغة إنتاج معرفي مستمر، بينما تمثل في أذربيجان أداة مركزية لفهم التراث الإسلامي، ومن هنا تبرز أهمية مشاريع الترجمة المتبادلة، سواء بنقل أعمال الباحثين الجزائريين إلى اللغة الأذربيجانية، أو ترجمة الدراسات الأذربيجانية إلى العربية، كما يمكن التفكير في إعداد معاجم ومشاريع مصطلحية مشتركة تخدم الباحثين والطلبة، وتسهم في توحيد المفاهيم وتسهيل التداول العلمي.

لا يمكن لأي تعاون علمي أن يحقق أثرا مستداما دون دعم مؤسساتي منظم، ويشمل ذلك دور السفارات، واتفاقيات التعاون بين الجامعات، وتنظيم معارض للكتب والمخطوطات، وتوفير مصادر معرفية متخصصة داخل المكتبات الجامعية ومراكز البحث، وهو ما نأمل أن يتحقق لتكون هذه الزيارة العلمية بذرة تنتج تاريخا جديدا من التواصل العلمي أسوة بما كان عليها أجدادنا، وخدمة لطموحات جيل جديد في الانفتاح على ثقافات ثرية ومتنوعة.

مقالات ذات صلة