الرأي

الرواية المنتصرة

صالح عوض
  • 388
  • 0

تبدو لي الحياة صراع روايات.. فلا اختلاف على أصل الحكاية، ولكن الاختلاف كيف أخذت مساراتها وتطوراتها وإلام تستند في مرجعياتها.. وتكبر الأشياء بحس التراكم وتغدو في اتجاهين نقيضين، يصبح من الصعب العودة إلى جذعهما المشترك.
في صراع أتباع الديانات والمذاهب ومنشطي الأحاسيس العرقية تجد الأمر واضحا تماما، حيث أصبح اختلاف التأويل وجنوح المؤولين إلى صيغ وعبارات هو الحاضر في نصوص الأطراف المتناقضة ويغيب الأصل تماما..
وبعد أن ينقضي الزمن على أصل الحكاية يجند الناس بالأموال والترغيب والإعلام والترهيب إلى حمل رواية ما والقتال وفق صياغاتها وتقديم خيرة الأبناء والثروات، في حين قد لا تحمل الرواية أي مبرر أخلاقي أو معياري كما هي الرواية الصهيونية حول فلسطين، التي ارتكزت إلى مقولة عنصرية غريبة أن أتباع موسى هم أهل الحق في فلسطين، وكأن بن غوريون وهرتسل والعصابات الصهيونية من أتباع موسى عليه السلام.. وهنا تقدم الرواية تجاوزات خطيرة تخرج النص عن السياق الإنساني عندما تدعي أن الرب رب العالمين العدل بين الناس أجمعين يخص قوما دون الآخرين بسكنى أرض.. ومع هذا البهتان الكبير، تنحرف المسألة لديهم لتصبح أقوال البشر المؤولين نصوصا ومواثيق للأجيال، يتم استغلالها من أصحاب المصالح، كما حصل مع الاستعمار الفرنسي والبريطاني والأمريكي، حيث استغلوا هذه الشعوذة الصهيونية التي تكلست بفعل الانغلاق والغيتو اليهودي فجعلوا منها جرثومة شر قاتل في القلب من البلاد العربية وفي أخطر مكان في فلسطين.. ولكي تنجح المحاولة كان لابد من تقديم رواية تقدم المبررات للدعم الكامل للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين.
ولكن لسوء حظ الاستعمار الغربي والأمريكي بالذات، أنه جاء إلى قضية لا تصمد فيها الرواية المزيفة، بل إن الاستعماريين يجدون صعوبة حقيقة تبدد الأوهام التي ينثرونها حول روايتهم التي تضج بالعنصرية والجهل والتخلف والشر.. وهنا تتقدم الرواية الفلسطينية لتقول بوضوح إن فلسطين مهد الديانات السماوية جميعا وإن الرسل الكرام جميعا الذين أرسلهم الله إنما هم دعاة سلام ومحبة وإنسانية وعدل.. وجاؤوا جميعا إلى أرض مباركة طيبة لها أهلها وسكانها من العرب الكنعانيين الذين رحبوا بالرسل جميعا وأسكنوهم فلذات قلوبهم ويتجلى ذلك في التعايش الإنساني الفذ بين أتباع الرسل جميعا في فلسطين.. تكبر هذه الرواية في فعلها وصياغتها عن حدود الجغرافيا والمنطقة.. لذا، فإنك بكل سهولة تجد عشرات ومئات وآلاف وملايين البشر من غير المسلمين والعرب يدافعون عن فلسطين، أرض الإنسان ومهد الديانات.
الرواية الصحيحة هي التي تنحاز إلى الضمير الإنساني.. وهي التي تعرف نفسها على جوهرها بأنها ضد العنصرية.. وفي فلسطين تقف رواية الإنسان ضد رواية العنصرية المدعومة من الاستعمار الأمريكي وعصابات الجريمة العالميين.. وستنتصر الرواية الفلسطينية، لأنها تسير مع حركة التاريخ ونواميس الفطرة.

مقالات ذات صلة