الزلط والتفرعين!
الزائر للصالون الدولي للسيارات، يكاد يُصاب بوعكة صحية تنتهي بسكتة قلبية، لأن المشاهد التي سيقف عليه من تزاحم وتشاحم في طوابير حجز المركبات وإيداع طلبيات الشراء، تؤكد أمرين لا ثالث لهما: إمّا أن هذا الصالون كشف الفوارق الاجتماعية والمالية بين الجزائريين، وقسّمهم إلى أثرياء وزوالية، وإمّا أن الأغلبية الساحقة من المتزاحمين هم من الفضوليين الذي يلتقطون الصور مع السيارات وعارضات الأزياء!
يجب القول، بأن الصالون الدولي للسيارات، أصبح خطرا حقيقيا على الجزائريين، لأنه يحرّض عليهم الحكومة، التي ستكتشف “ثراء الشعب”، وتمتنع بالتالي عن رفع الأجور وتحسين القدرة الشرائية وعدم التمييز والمفاضلة في توزيع شبكة الرواتب!
من الطبيعي أن ترفض الحكومة إعادة القروض الاستهلاكية إلى البنوك، طالما أن الآلاف من الجزائريين، يتزاحمون أمام شبابيك حجز السيارات الجديدة، بكلّ أنواعها وأصنافها واختراعاتها!
من البديهي أن ترتفع الأسعار مع ارتفاع الأجور، فتحافظ القدرة الشرائية على نفس المستوى، ويبقى الوضع على ما هو عليه، لأن ما يُعطى باليُمنى يُنزع باليسرى، وطالما أن “الدور ألـّي يجبو النهار ياكلو الليل”!
لكن، هل فعلا هؤلاء المتزاحمين والفضوليين و”المبذرين”، هم النموذج الوحيد والأوحد لكلّ فئات الجزائريين؟ وهل بالفعل كلّ جزائري قادر على شراء سيارة جديدة؟ وهل كل جزائري له الشجاعة والشهية لزيارة صالون من عيار الصالون الدولي للسيارات؟
لا ينبغي أن يُنسي هؤلاء “المحظوظين”، أولئك المزلوطين والمحبطين الذين يعيشون “الزلط والتفرعين”، ومنهم من يتوسّل ويتسوّل، وبينهم من يمدّ أيديه لذوي البرّ والإحسان والقلوب الرحيمة أمام الجوامع والأسواق وفي الشوارع والإدارات؟
إن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والمالية، لا يُمكن إنكارها لا من جاحد ولا غني ولا فقير، وبطبيعة الحال هذه هي الدنيا، وهذه هي سنة الله في خلقه، لكن لا ينبغي أن تتحوّل هذه القاعدة الربانية إلى حقّ يُراد به باطلا، وإلى مشجب لتفقير الناس بالحڤرة والتهميش و”ترفيه” آخرين بالفساد والنهب والرشوة والسرقة والصفقات المشبوهة!
علينا أن نشير هنا إلى أن هناك نماذج ينبغي التصدّي لها بالإقناع والتوعية والتحسيس، فالذي يشتري سيارة فارهة بـ”الكريدي” ودون أن يردّ دينه، هذا أمر غريب، والذي يجوّع عائلته وأبناءه من أجل مركبة، فهذا أبله ويستحق الجلد، والذي يوقف سيارة “كوسموس” أمام بيته بحيّ قصديري، هذا يستحق النفي أو على الأقلّ الحجر!
إن التحوّلات والمتغيّرات التي تحبس أنفاس المجتمع الجزائري، أثرت سلبا على عدّة مبادئ وعقائد راسخة في التاريخ، وضربت العادات والتقاليد في الصميم، ودفنت روح التضامن والمودّة والتكافل و”التويزة”، والأخطر من ذلك، أنها أرغمت الأغلبية المسحوقة من الجزائريين على التعامل بمنطق: الزوخ والفوخ والعشا قرنينة!