الجزائر
يعيشون على الخبز والحليب ويفترشون "الكارطون"

“الزوافرة” و”الحمّالين”.. الوجه الجديد لعبيد العصر في الجزائر

الشروق أونلاين
  • 12998
  • 50
الشروق

نمارس كل الأعمال الشاقة من تحميل أكياس إسمنت وحجارة إلى تكسيرها وتجميعها، نعمل أي شيء فقط لنعيش، لكن المكسب غير مضمون. فالصينيون والسوريون زاحمونا في لقمة عيشنا فلم يعد يرغب أحدٌ في تشغيلنا، تصوري منذ 15 يوماً وأنا جالس أمام هذا الجدار لم أجن سوى 1000 دج، هذه ليست حياة. طعامنا الخبز والحليب وفراشنا “الكارطون”. لا أملك حتى هاتفا نقالا.

يقال إن زمن “استرقاق العمال” واستغلالهم في الجزائر قد ولى، غير أن الواقع المرير الذي يرزح فيه المئات من “الزوافرة” و”الحمّالين” في العاصمة يدفعنا إلى إعادة التفكير في هذه المسلمات والشعارات التي يرفعها حكامُنا في كل مناسبة. فما يعيشه بعض المواطنين والذين عجزت الدولة عن توفير مناصب عمل محترمة تليق بهم، يعيدنا إلى زمن الرقّ والعبيد نظير ما يكابدونه من سوء معاملة وأجور زهيدة، ليزاحمهم الصينيون والسوريون في مهنتهم أيضا. محمد، ميلود، ناصر… وغيرهم كثيرون خلَّفوا عائلاتهم وقصدوا العاصمة ليعيشوا حياة التشرد و”التزوفير” وساعات من العبودية. كانت “الشروق” شاهدة على معاناتهم وشاطرتهم إياها لنعود ونسرد تفاصيلها عليكم.

تطلب منا إنجاز الموضوع التنقل عدة مرات إلى نقاط تجمع العمال اليوميين، أو “الزوافرة” كما يعرفون بالعامية بالشراقة، وساحة بئر خادم التي يفصلها بضعة أمتار عن مقر البلدية، وهي أقدم ساحة في العاصمة لـ “الزوافرة” منذ الحقبة الاستعمارية إلى يومنا هذا. وصلناها في حدود السابعة صباحا، حيث كانت تعجّ بـ “الزوافرة” من مختلف الولايات الداخلية والذين لم يمنعهم البرد الشديد من الوقوف بحثا عن فرصة قد تأتي فتنسيهم برودة الطقس والجوع الذي ينخر بطونهم الخاوية، أو لا تأتي فيكون يومهم مثل الأمس. لم نتمكن من الاقتراب منهم فجميعهم منشغلون بإظهار قوّتهم واستعدادهم للعمل حتى يخطفهم أحد المقاولين أو صاحب ورشة بناء لمساعدته، فلا فرق عندهم، يقومون بكل شيء من أجل المال: “فاس، برويطة، بالة، فايونس أو كاياس”… المهم فقط هو القوت. 

بقينا نراقبهم عن بعد ونتأمّل ثيابهم الرثة والبالية بالكاد تستر أجسادهم ولا تحميهم من برودة الطقس، حتى أحذية البعض منهم كانت ممزقة تغوص في برك المياه المتجمعة بالقرب منهم بعد ليلة ممطرة. وما حز في أنفسنا هو قيام بعض المقاولين وأصحاب ورشات البناء بالانتقاء وكأنهم في سوق للعبيد فيتأملون أجسادهم ويعاينونهم ثم يطلبون منهم ركوب الشاحنة. ولأن الصباح هو وقت العمل طلب منا أحد معارفنا والذي كان الوسيط بيننا العودة في حدود العاشرة.

 

“التزوفير” جعلنا فريسة للأمراض

 “محمد” 35 سنة، من ولاية تيسمسيلت، قضى 15 سنة من عمره وهو واقف في ساحة بئر خادم، يقول: اضطررت إلى العمل كمساعد بنّاء “مانوفر” حتى أعيل عائلتي، عملت في حمل الحجارة وكسرها وفي عدة مهن أخرى. وعن ظروف العمل يقول محمد إنها “مزرية وقاسية جدا عائلتي بعيدة عني وليس بإمكاني الاطمئنان عليهم حتى إنني محروم من الزواج مثل أقراني وتشكيل عائلة. نقف كل يوم في هذه الساحة وننتظر أن يتلطف أحدهم بحالنا فيأخذنا للعمل مقابل 1000 دج أو 600 دج ومرات عديدة بدون مقابل، فبعض المقاولين يستغلوننا في العمل ثم يرفضون دفع أتعابنا متناسين حديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: “أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه”. مواصلا: “ننام في ورشات البناء ونعيش على الوجبات الخفيفة. فحياتنا أقرب إلى التشرد. وحتى عائلاتنا ليس بإمكاننا زيارتهم إلا مرة كل شهرين حتى يتجمع لدينا المال الكافي”. ولأن ظروف حياتهم قاسية جدا أصبح “محمد” يعاني اليوم من أمراض عديدة جراء البرد والتعب والقلق وقلة التغذية.

 

الحليب عشاؤنا و”الكارطون” فراشنا

وإذا كان أغلبية من قابلناهم حديثي المعاناة، فإن الميلود ولد رابح قد تعوّد على الأمر لكونه أقدم “زوفري” في ساحة بئر خادم، إلا أنه لازال يحتفظ ببنيته القوية وابتسامته البسيطة رغم ما عملته سنوات الفقر على محياه، راح يتحدث إلينا وهو يُصلح حال عمامته: “أبلغ من العمر 72 سنة، إلا أنه لا شيء تغير في حياتي وكأن الجزائر لم تستقل بعد، ما زلنا محرومين من خيراتها”. ويستطرد عمي “الميلود” قائلاً: “قدمت إلى هذه الساحة من أعماق ريف ولاية تيسمسيلت سنتين قبل الاستقلال، كنت حينها أبلغ من العمر 18 سنة بغية توفير قوت عائلتي، وواصلت العمل فيها حتى بعد زواجي وولادة أبنائي الستة. لقد تعودوا على الأمر وكبروا بعيدا عني”. وعن طبيعة عملهم يقول: “نمارس كل الأعمال الشاقة من تحميل أكياس إسمنت وحجارة إلى تكسيرها وتجميعها، نعمل أي شيء فقط لنعيش، لكن المكسب غير مضمون فالصينيون والسوريون زاحمونا في لقمة عيشنا فلم يعد يرغب أحدٌ في تشغيلنا، تصوري منذ 15 يوماً وأنا جالس أمام هذا الجدار لم أجن سوى 1000 دج، هذه ليست حياة. طعامنا الخبز والحليب وفراشنا “الكارطون”. لا أملك حتى هاتفا نقالا”، ليختم عمي “ميلود” كلامه: “في كل مرة أمارس واجبي في الانتخاب لكنني لم أحصل إلى حد الساعة على أدنى حق من حقوقي”.

 

معوق يحمل أضعاف وزنه 

ولعل الفقر هو السمة المشتركة بين “الزوافرة” لتصبح منحة الإعاقة دافعا لممارستها أيضا، حيث يحكي “محمد” من ولاية تيارت، وهو معوق حركيا بنسبة مائة بالمائة، متزوج وأب لطفلين، ويعمل كعامل يومي منذ 12 سنة: “أفضل أن أكابد الويلات وأتحمّل المشقة على أن أترك أبنائي يبيتون بدون طعام، أعمل في مختلف المجالات؛ أحمل أكياس الإسمنت والحجارة و”الكاياس” حتى أنسى أنني معوق، فأنا لا أستطيع إعالتهم بمنحة الإعاقة فـ 4 آلاف دينار غير كافية ومواعيد الاستفادة منها غير منتظمة مرة كل شهرين أو ثلاثة، ولا أملك منزلا يؤويني، فقط غرفة فوضوية، ورغم أنني أودعت ملف السكن منذ 2008، إلا أن رئيس الدائرة يرفض في كل مرة استقبالي، وحتى المحلات المخصصة لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة حرمونا منها فلم يتبق أمامي سوى العمل كـ “زوفري” وهذا هو حالنا. كل يوم نقف في هذه الساحة منذ الساعة السادسة صباحا إلى غاية منتصف الليل أحيانا نعمل وأياما عديدة نجلس بجانب الجدار فما أجمعه أصرفه على الأكل والدواء”.

 

“حمّالون” يفرغون الشاحنات مقابل دنانير 

ولا تختلف المعاناة التي يحياها “الحمّالون” عن “الزوافرة” كثيرا، وإن كان معظمهم من أبناء المناطق الفقيرة في العاصمة. وقد اختاروا العمل بالقرب من محلات الجملة، لكن هذا لا يحميهم من الإجهاد البدني. نظرات الاحتقار والازدراء من المواطنين وأصحاب الشاحنات التي ترافقهم في كل مرة. فبالقرب من محلات الجملة في المنظر الجميل وفي جسر قسنطينة، تصطف جماعات من “الحمالين” وكلّ واحد يمنِّي نفسه بالعودة إلى البيت وفي جعبته مصروف يومه. يقول عمي “علي”، 53 سنة، متزوجٌ وأب لـ5 أطفال يقيم في ضواحي جسر قسنطينة، وقد امتهن العتالة منذ أن كان يبلغ من العمر 27 عاما، وذلك بعد أن أقفلت الشركة الوطنية التي كان يعمل فيها، “ديانسي”، أبوابها وتم طرد موظفيها فلم يجد من حل أمامه سوى التوجه إلى سوق الخضر والفواكه بـ “الروفيقو”، وبعدها بدأ يتنقل على محلات الجملة. يصمت قليلا وهو يراقب وصول شاحنة للدقيق وينتظر ركونها، ثم يكمل: “الآن تقدمت في السن وأصبحت بطيئا لا أقوى على التحمّل وهو ما يجعل أصحاب الشاحنات يعزفون عني كما ترين فهم يفضلون الشباب الأقوياء”. وعن الأرباح، يقول عمي علي: “ليس لدينا تسعيرة محددة فأحيانا نفرغ حمولة شاحنة بالكامل مقابل 400 دج أو 800 دج، لكننا مجبرون على حمل الأثقال الكبيرة فقط والبرد والأسقام فأنا أعاني من داء الدوالي جراء الوقوف الطويل والثقل لكنني لم أجد عملا أفضل”. 

 

يمتهن العتالة لإعالة والده الضرير 

أما “صابر” والذي يحمل من اسمه الكثير اضطر إلى الصبر والتحمل لإطعام إخوته. فهو الشاب صاحب الملامح الجميلة التي لم يتبق منها سوى آثار تعاقب الشمس والبرد على محياه وثياب رياضية خفيفة بالكاد تستر جسده، وهو في سن الـ24 عاما، إلا أن الهموم التي أثقلت كاهله- فوالده ضرير وشقيقه مُقعد- شغلته عن التفكير في نفسه، يقول: “منذ صغري وأنا أشاهد والدتي تغسل الثياب وتطبخ للناس حتى توفر لنا كيس الحليب والخبز، وفي كل مرة أرغب في مساعدتها لكن صغر سني يحول دون ذلك دخلت المدرسة ولم أستطع مواصلة تعليمي مثل أقراني فاضطررت إلى العمل كـ “حمّال”، صحيح أن العمل شاق ومتعب إلا أنني في كل مرة تخر فيها قواي أو أشعر فيها بالتعب أستحضر صورة والدي وإخوتي فأجدني أقبل على العمل بكل قوة وحزم”، مستطردا أن العمل كحمال متعب جدا وشاق لكن لا يوجد خيار آخر فهو ليس متعلما ولا يملك شهادات، لذا فالمهم عنده هو الرزق الحلال فقط لا غير.  

مقالات ذات صلة