الجزائر
الفضاء الأزرق تحول إلى بازار

“السعر في الخاص”.. تجارة إلكترونية بعقلية جزائرية

ع. تڤمونت
  • 1409
  • 0

جاءت التجارة الإلكترونية، التي كان من المفترض أن تسهل الأمور على المواطن، بمفعول عكسي بالجزائر، جراء الفوضى التي يغرق فيها هذا المجال، إلى درجة تحول الفضاء الأزرق إلى بازار، تعرض من خلاله جل أنواع السلع، بداية من المسامير وصولا إلى السراويل، مرورا بالتجهيزات الإلكترونية والأثاث، وحتى الشقق والمنازل والسيارات والدراجات، بل شملت العروض مجالات من المفترض أنها تكون مقيدة بقوانين صارمة..

على غرار ما تعلق بالمكملات الغذائية ومواد التجميل، بل هناك من يداوي الكولون وتساقط الشعر وحتى عدم الإنجاب وضعف البصر، كما يعرض آخرون خدمات رقمية كالرقية الشرعية والدروس الخصوصية والدورات التكوينية وغيرها من الأمور التي حولت التجارة الإلكترونية إلى كابوس اختلط فيها الحابل بالنابل، بل وأفسحت المجال للمحتالين والنصابين وحتى السارقين للولوج إلى عالم البزنسة، وذلك بعيدا عن أعين الرقابة.

فباستثناء بعض المؤسسات التي اتضح أنها تقدم عروضا إلكترونية مقبولة إلى حد ما، فإن العروض التجارية الأخرى تسودها الضبابية وحتى الشكوك، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسلع المستعملة، أضف إلى ذلك كثرة السلع المغشوشة والرديئة، إذ رغم تأكيد أصحاب هذه العروض على ضمان التعويض أو الاستبدال في حال عدم رضا الزبون بالسلعة المرسلة إليه، إلا أن ذلك أضحى يشكل قلقا للمواطن جراء إجباره على الدخول في مشاكل ومتاهات هو في غنى عنها.

معلوم، أن الراغب في الولوج إلى عالم التجارة الإلكترونية بالدول المتطورة، يحوز موقعا إلكترونيا مصرحا به، إضافة إلى مقر ومخازن وشبكة توزيع وأخرى لاستقبال الطلبات وشكاوى الزبائن وأمور عديدة تجعل التجارة الإلكترونية أكثر رواجا من سنة إلى أخرى، وهو الرواج الذي بلغ أشده خلال جائحة كورونا، وعكس ذلك، فإن التجارة الإلكترونية في الجزائر يحكمها القلق والتوتر لدى الزبون واللامبالاة والجشع لدى أشباه التجار الذين لا يبالون بمدى الضرر النفسي والمادي الذي تخلفه ممارساتهم على الزبون.

وفي هذا الصدد، فقد أكد أحد المواطنين أنه صادف عرضا على الفايسبوك يتمثل في “فلاش ديسك” بقدرة 2000 جيڤا، وقد شجعه سعر العرض على طلبه، لكن اتضح في ما بعد أن ذاكرته فاسدة أو مغشوشة، وهو نفس الأمر بالنسبة لبطاقات الذاكرة. من جهته، أشار مواطن آخر إلى أنه طلب جهاز كومبيوتر محمولا، وعند وصوله قام بتشغيله أمام الموزع، هذا الأخير، الذي تحجج بضرورة مواصلة مهمة التوزيع، وبالتالي، ليس بإمكانه الانتظار مطولا أمام الزبون، واتضح في ما بعد أن الجهاز يحمل عيوبا استدعت إرجاعه.. والأمثلة عديدة ومتنوعة.

والمثير للاستغراب، أن أصحاب بعض العروض التجارية يتعمدون عدم وضع أسعار سلعهم على مناشيرهم، وكلما سأل أحدهم عن السعر تكون الإجابة: “تعال إلى الخاص”، رغم أن الأمر لا يتعلق بشراء طائرة بوينغ أو جزيرة في مكان ما، بل إن الأمر يتعلق بشراء حذاء أو سروال أو نظارات أو حتى قطعة أرض أو شقة، مع الإشارة إلى أن أسعار طائرات البوينغ وحتى الجزر يتم الإفصاح عنها بكل شفافية لدى أهلها، في حين يستوجب المرور إلى الخاص في الجزائر من أجل معرفة سعر سلعة بسيطة تعرض على الفايسبوك في مضيعة للوقت، فيما تثير مثل هذه الممارسات، الشبهات، خاصة عندما يتعلق الأمر بشراء شقة بوثائق غير كاملة، كالمشيدة منها على أراضي الشيوع أو دون حيازة صاحبها رخصة البناء، وغيرها من الأمور، التي يستوجب على المحضرين القضائيين التأكد من وجودها، قبل إبرام عقد البيع، وذلك حماية لحقوق المشتري، الذي دمر صحته من أجل امتلاك مسكن يؤوي أولاده.

واتضح أن أغلب أصحاب العروض التجارية على الفايسبوك لا يحوزون اعتمادا أو ترخيصا، كما لا يحوزون مقرا أو عنوانا، بل يقصدون أحد الأسواق الكبيرة للجملة، أين يقومون بشراء سلع ذات جودة رديئة ومن ثم يقومون بطرحها للبيع على الفضاء الأزرق كسلعة ذات جودة عالية، فيما يقوم آخرون بإدخال بعض السلع من الخارج وإعادة بيعها في الداخل.

ويستدعي الأمر إعادة ترتيب بيت التجارة الإلكترونية من الصفر، مع ضرورة فرض شروط صارمة على الموزعين، كما يستوجب الوضع إحصاء أصحاب العروض الإلكترونية وغربلتهم، مع تحديد قائمة النشاطات والسلع المسموحة، بالإضافة إلى استحداث أعوان الرقابة الإلكترونية وكذا رقم أخضر للتبليغ.

مقالات ذات صلة