السعودية تتغير
التغييرات التي طالت السعودية وتجسدت في تعديل وزاري تشارك بموجبه أول امرأة في الحكومة بصفتها نائب وزير التربية، وكذا إعادة تشكيل هيئة كبار العلماء بإدراج ممثلين عن المذهب الحنفي والمالكي والشافعي
-
قد تبعث كثيرين على الاستغراب، خاصة أولئك الذين اعتبروا أن المملكة العربية السعودية بمعزل عن التغير الذي يفرضه الواقع، بكل ما يعنيه هذا الواقع من حركية وتغير للقناعات والضغوطات الدولية التي أفرزها عالم ما بعد 11 سبتمبر
-
ما حدث اليوم في السعودية هو نتيجة حتمية لمسار طويل لم تُحسن فيه المؤسسة الدينية التكيُّف مع مستجدات العصر بكل تناقضاته، حيث بقية هيئة كبار العلماء أسيرة خطاب تقليدي لا يعترف بضوابط الزمان ولا المكان، وحاولت السعودية لفترة طويلة تصدير مذهبها، في الأصول والفروع، فيما يمكن تسميته “تصدير الدعوة”، في مقابل مساعي إيران لـ”تصدير الثورة”، قبل أن تتراجع المؤسسة السياسية عن بعض خياراتها الدينية بعد ما تبيّن أن أغلب من نُسبت إليهم تفجيرات السعودية هم سعوديون، ليقوى الضغط الأمريكي الذي فرض على العرب كلهم تغيير قناعاتهم التي صنفها ضمن خانة “الإرهاب” و“معاداة القيم الغربية“، وحاول وضع نموذج بديل يُعدّل مفاهيم الولاء والبراء التي تُعتبر من أصول الإيمان.
-
لقد تغيّر النظام السياسي في السعودية، كما تغير الواقع في العالم، إلا أن المؤسسات الدينية لم تتغير، وكان إحجام هيئة كبار العلماء عن إصدار فتوى تؤيد توسعة المسعى الجديدة هي القطرة التي أفاضت الكأس، مما جعل المملكة السعودية تستنجد بعلماء الأرض ودعاتها الذين لم يتوانوا عن مباركة جهود التوسعة والإفتاء بشرعيتها، في مقابل صمت الهيئة التي انقسمت بين مؤيد ومعارض، ولم تُصدر بيانا رسميا يبارك خيارات الدولة.
-
ونفس الأمر يُقال عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي انهالت عليها الانتقادات، خاصة من طرف تيار الليبراليين في السعودية، حيث تُتخذ أخطاء بعض رجال الحسبة ذريعة لقويض ما تبقى من مصداقيتها والقضاء عليها إلى غير رجعة.
-
هذا الحراك الداخلي والخارجي أفرز تعديلا اعتبره المراقبون “جذريا”، خاصة وأنه سعى إلى تعيين أول امرأة في الحكومة السعودية، في حين لاتزال الفتوى السائدة في المملكة تُحرّم عليها قيادة السيارة، وتعتبر من يُرخص في ذلك “مُشيعا للفساد”، كما سعى إلى تقويض مرجعية الحنابلة ووقف احتكارهم للفتوى بإمداد هيئة العلماء بعلماء من باقي المذاهب السنية المتّبعة، من أجل تنويع الفتوى وجعلها أكثر شمولية وأقل انغلاقا، لمواجهة التحديات الخطيرة على الجبهات الداخلية والخارجية، ومن ذلك إيجاد إطار واضح لوضع المرأة بين تعاليم الشريعة والتقاليد، وضغط المجتمع الدولي، وكذا التعامل مع الأقلية الشيعية في المنطقة الشرقية، وتهيئة الجيل الجديد ليكون أكثر قبولا لـ“الجديد“.
-
السعودية تتغير.. والعجلة دارت.. لكننا نأمل أن يكون دورانها في الاتجاه الصحيح..