الرأي
قراءة عاقلة في التسوية الهادئة لـ "تيفو عين مليلة":

السعودية لا تريد خسارة الجزائر والجزائر لا تبحث عن أعداء

محمد لعقاب
  • 6472
  • 21

الآن، وقد هدأت النفوس، وطابت الخواطر، بعد أن كشف التحقيق أن “تيفو عين مليلة” حادثة معزولة، وبعد أن قدم أويحيى اعتذاره الرسمي إلى الرياض، يمكن إعادة التطرق إلى الموضوع، من زوايا أخرى، للفهم وليس لصب الزيت على النار.

السعودية تعيش وضعا إقليميا صعبا

ورغم ما نقلته جريدة الوطن في طبعة أمس السبت، من أن سكان عين مليلة لم يندموا على اللافتة، وأنهم يرفضون اعتذار الوزير الأول، فإنه يجب علينا كجزائريين أن نفهم أن المملكة العربية السعودية تعيش وضعا سياسيا صعبا، يجعلها تتحسس لكل كبيرة وصغيرة، حتى لو كانت تبدو لنا تافهة.

فالمملكة تخوض حربا في اليمن، تعتقد أنها حرب مصيرية، باعتبارها تحارب محاولة خلق ذراع عسكري داخل اليمن من قبل إيران على شاكلة حزب الله في لبنان، وإذا كان حزب الله البعيد جغرافيا نسبيا عن السعودية قد أذاق المر للرياض بتعليقاته المستمرة ضد سياسة المملكة، فماذا تكون عليه الحال لو تمكنت إيران من تقوية الحوثيين في اليمن إلى درجة حزب الله أو أكثر؟ لذلك تقود الرياض التحالف العربي في اليمن منذ مارس 2015، وإلى حد الآن لم يحقق نتائج كبيرة ضمن الأهداف المرجوة منه.

من جهة ثانية، العلاقات السعودية مع إيران متوترة إلى درجة انقطعت فيها العلاقات الثنائية، بسبب تدخل إيران في الشأن الداخلي السعودي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواطنين سعوديين شيعة، ولا تتوانى إيران لحظة في التعليق على أي موقف أو تصريح سعودي حتى لو كان الموضوع لا يعنيها، في شكل صب الزيت على النار، ودفع المملكة إلى مزيد من ردود الفعل لكي تستثمرها طهران لصالحها أكثر فأكثر.

وما زالت حادثة الاعتداء على السفارة السعودية في طهران تشكل منعرجا خطيرا، ثم جاءت الصواريخ الباليستية التي يطلقها الحوثيون على الرياض لتزيد التوتر والمخاوف، حيث تتهم السعودية إيران صراحة بأنها زودت الحوثيين بتلك الصواريخ، وأيدت هذا الطرح تقارير دولية.

ومنذ 5 جوان 2017 دخلت العلاقات السعودية منعرجا جديدا بإعلانها مقاطعة قطر رفقة الإمارات والبحرين ومصر بحجة أن الدوحة تنتهج سياسة خارجية مضرة بدول مجلس التعاون الخليجي. ولا يبدو أن تلك المقاطعة تؤدي حتما إلى ما ترجوه المملكة بعدما لجأت الدوحة إلى نسج علاقات وتحالفات جديدة مع تركيا وإيران وروسيا وغيرها للحفاظ على سيادتها.

ومنذ وصول الرئيس الأمريكي ترامب إلى الرئاسة شهر نوفمبر 2016 والرياض تعيش تحت ضغط معلن أحيانا وكامن أحيانا أخرى من قبل واشنطن، تحت تهديد ترامب استخدام قانون “جاستا” ضد مسؤولين سعوديين بتهمة التورط في تفجيرات 11 سبتمبر 2001. ورغم الصفقات الضخمة مع ترامب التي ناهزت 450 مليار دولار، فإنه لا يوجد مؤشر أن ذلك سيشفع للرياض أمام رئيس متجبر ومتقلب المزاج.

وكل القضايا المشار إليها وغير المشار إليها أيضا مثل الموقف السعودي من نظام بشار الأسد، وتصنيف حزب الله جماعة إرهابية، وكذلك تصنيف حماس جماعة إرهابية، وغيرها هي محل خلاف بين الرياض ومختلف الدول وحتى الشعوب، لأنه في العصر الحالي لا يمكن إقصاء الشعوب في عملية اتخاذ القرارات بما وفرت لهم تكنولوجيا الاتصال من أدوات للنشر والتعليق والضغط.

في هذا السياق، الذي بدأت فيه الرياض تشعر بأنها شبه معزولة عن المجموعة العربية، فهي تختلف في الرأي مع قطر، وعمان، وسوريا والعراق ولبنان والجزائر وتونس. وحتى البلدان التي أغدقت عليها السعودية العطاء والدعم انقلبت عليها مثل مصر، أو لم تقف إلى جانبها بالشكل المتوقع مثل المغرب، جاءت اللافتة التي رفعها مشجعو فريق عين مليلة لكرة القدم، لتجعل السعودية تتحسس أكثر فأكثر، خوفا من أن تنتقل الجزائر إلى معسكر الخصوم أو الأعداء للرياض، فرغم أن هناك خلافا سياسيا بين الجزائر والسعودية، إلا أن الجزائر لم تطعنها في الظهر، كما لم تفعل مع أي دولة عربية، بل التزمت الحياد في بعض القضايا وعبرت عن تحفظها في بعض القضايا، بل تنازلت في بعض القضايا كموافقتها على تصنيف حزب الله جماعة إرهابية، وأرسل بوتفليقة مستشاريه لشرح موقف الجزائر للدولة الشقيقة.

خلفيات التحسس السعودي من لافتة كاريكاتورية

إن اللافتة التي رفعها مشجعو عين مليلة تمثل صورة تجمع العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الأمريكي، دونالد ترامب في صورة رجل واحد (نصف الوجه للرئيس الأمريكي والنصف الآخر للملك سلمان) وإلى جوارهما صورة للمسجد الأقصى، وكتبت تحتها عبارة باللغة الإنجليزية: وجهان لنفس العملة، بالإضافة إلى عبارة “البيت لنا والقدس لنا”. في إشارة إلى الأغنية الشهيرة للمطربة فيروز، وهي في الحقيقة لافتة كاريكاتورية، كان ممكنا ألا تترك أي أثر لو نشرت في أي جريدة عربية أو جزائرية.

غير أن تحسس السعودية راجع إلى وجود فراغ معرفي لابد من سده، يتعلق بالأسئلة التالية: من يقف وراء اللافتة، فهي مكلفة ماديا؟ ولماذا لم تتدخل الشرطة في الملعب؟ هل يمكن أن تكون لإيران، أو حركة حمس، أو دولة قطر؟ أو لشيعة في الجزائر يد فيها؟ وغيرها من التساؤلات.

كما أن الذي أزعج السعودية، هو تخوفها من العداء الشعبي، لأن الخلافات بين رئيسين يمكن ترميمها على فنجان شاي بتمور دقلة نور، وكأس قهوة عربية بضيافة سعودية. لكن تأصل العداء بين الشعوب مشكلة حقيقية.

وقد تبين ذلك من خلال ردود الفعل بين مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي بين الشعبين، بما يؤشر إلى احتمالات التغذية نحو غرس العداء، وتصلح نظرية الغرس الثقافي في عملية التأثير، على هذه القضية بالذات.

وبعد أن جاءت التحقيقات الجزائرية لتؤكد أن الفعل معزول، بمعنى لا علاقة له لا بقطر ولا بإيران ولا يقف وراءه أي حزب جزائري، لم يبق إلا شيء واحد هو اعتذار أحمد أويحيى إلى السعوديين عما بادر به شباب جزائري للتعبير عن تضامنهم مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، ولابد من أن نثمن هذا الموقف، الذي نأمل أن يكون قد طيب خاطر الشعب السعودي عامة وقيادته خاصة.

عناصر لفهم الموقف

ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى النقاط التالية، التي ربما تساعدنا على فهم السلوك المعزول للجماهير الجزائرية في ملعب عين مليلة:

1 – إن الجماهير الجزائرية تنفس عن نفسها بتداول شعارات وهتافات سياسية في الملاعب، لم يسلم منها حتى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، بل حتى نساء الرؤساء لم يسلمن منها، مثلما حصل سنوات الثمانينيات مع حرم الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد.

2 – إن الجماهير الجزائرية مزاجية جدا، بدليل أنه خلال مباراة ودية بين الجزائر وفلسطين جرت في ملعب 5 جويلية شهر فيفري 2016، كانت كل الجماهير الجزائرية تشجع فلسطين إلى درجة خرج فيها اللاعبون الجزائريون يبكون من الملعب.

3 – هناك دائما أطراف تريد تغذية الصراع، وإخراج موقف جمهور رياضي لا علاقة له بالسياسة إلى خلاف سياسي بين الدول، وقد حدث مع مصر عام 2009، كما أشرت إلى ذلك، وحدث أيضا مع تونس عام 2004 عندما قال المشجعون الجزائريون إن الشرطة التونسية اعتدت عليهم، دون أن يقولوا لماذا، وذهبت بعض الصحف إلى تضخيم ذلك في رغبة للمس بالعلاقات بين البلدين. لكن الدولة الجزائرية لم تنزل مستواها إلى مستوى ملاعب كرة القدم لا في عام 2004 ولا في عام 2009.

4 – إن موقف المملكة العربية السعودية من حماس، وتصنيفها جماعة إرهابية، أثر على شعبية المملكة في الشارع الجزائري، فحركة حماس بالنسبة إلى الشعب الجزائري حركة مقاومة، وفلسطين دولة محتلة، وينبغي دعم كل حركات التحرر مهما كان انتماؤها الإيديولوجي، ويمكن التأكيد على أن القضية الفلسطينية ودعم حركة حماس تلقى دعم كل الأحزاب السياسية في الجزائر والمجتمع المدني.

5 – إن تباين المواقف بين الجزائر والسعودية بخصوص ملفات الوضع في المنطقة مثل اليمن وسوريا وليبيا، يكون قد انعكس على الموقف الشعبي أيضا، لأن الجزائر تتضرر من استمرار الانهيار في سوريا وليبيا واليمن ومالي لأن الجماعات الإرهابية تجد ذلك فرصة للانتشار والتموقع ثم الانطلاق نحو دول أخرى، وتقع الجزائر في لوح تسديد الجماعات الإرهابية.

لا .. لاستنساخ الأخطاء

إن الجزائريين يرغبون، مثل غيرهم من الشعوب العربية، لو كان لجميع الدول العربية موقف واحد وموحد من جميع القضايا، وفي غياب ذلك يمكن تأكيد أن جميع الدبلوماسيات العربية فشلت، فالقدس مثلا، والمقاومة الفلسطينية، هي أدنى شيء كان يجب أن يوحد الأنظمة العربية، كما أن استقرار المنطقة كان ينبغي أن يكون خطا أحمر بالنسبة إلى كل الدبلوماسيات العربية، فماذا بقي للعرب بعد انهيار العراق وسوريا وليبيا واليمن؟ وماذا بقي للعرب بعد التوغل الأجنبي السياسي والعسكري والمذهبي في بعض الدول العربية؟

وعليه، لا ينبغي المغامرة بعلاقات بعض الدول العربية التي مازالت تقف على رجليها في محيط صعب، فماذا تربح الجزائر إذا خسرت السعودية، والعكس صحيح؟ وهناك الكثير من النظريات السياسية، تقول إن الدبلوماسية الناجحة، هي تلك التي تستطيع تقوية العلاقات مع دول الجوار أولا لأنها تعتبر ظهرا للدولة، ثم مع العمق الاستراتيجي، وتشكل الدول العربية كلها ثم الأوروبية المطلة على المتوسط، وبعدها إفريقيا جنوب الصحراء عمقا استراتيجيا للجزائر. وينطبق هذا على السعودية، حيث تشكل بالضرورة علاقاتها مع الدول العربية عمقا استراتيجيا.

والعقلاء من القوم، في الجزائر كما في السعودية، لا أعتقد أنهم يشجعون إعادة استنساخ تجربة الجزائر ومصر، لأنه فعلا قد أعاد التفاعل الذي أنتجته لافتة عين مليلة للأذهان أزمة الجزائر ومصر عام 2009 بسبب مباراة لكرة القدم، وحتى إن عادت العلاقات في ما يبدو إلى شكلها الطبيعي بين الجزائر ومصر، فإنه، وهذه هي الحقيقة دون مبالغة، إلى يومنا هذا لم تعد العلاقات على المستوى الشعبي مثلما كانت قبل الأزمة.

وفي المحصلة، نقول إن شبه الأزمة التي أحدثتها لافتة عين مليلة، والتفاعل معها سياسيا من قبل الرياض والجزائر، يبين بشكل قطعي، أن السعودية لا تريد خسارة الجزائر، والجزائر لا تبحث عن أعداء، وهو توجه يجب تثمينه.

مقالات ذات صلة