السلام الذي يخيف الكيان
أبرزُ المواقف التي تخلّلتها حملة الإعلام الأمريكي والعالمي بشأن توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني، ولو عن بُعد، من أجل الشروع في مفاوضات الستين يوما، وما نتج عنها آليًّا من رفع الحصار في مضيق هرمز من الجانبين، هو موقفُ الكيان. الكيان الذي استُبعد، ربما ولأول مرة منذ العدوان على غزة قبل نحو ثلاث سنوات، من أي تنسيق أو إشراك حتى في المعلومات، لاسيما في الأسابيع الأخيرة قبل إبرام الاتفاق وتوقيعه قبل يومين. موقفٌ تُرجم عمليا بمحاولات لنسف الاتفاق حتى قبل إقراره وتوقيعه من الطرفين.
الكيان، الذي كان دوما وراء تحريض الإدارة الأمريكية على “الحزم” تجاه إيران، وهي السياسة التي خاضها نتنياهو شخصيًّا منذ أكثر من عقدين مع أكثر من رئيس، وجد هذه المرة الباب شبه موصد في حياكة الاتفاق أو على الأقل في إملاء بعض بنوده، والسبب هو انفضاح أمره وسياسته الرامية إلى توظيف مصالح الغير لتحقيق المصالح الشخصية لا غير.
نتنياهو المسكون بجنون التوسُّع والبقاء والخوف من السقوط في الهاوية بعد كل الفضائح وقضايا الفساد والإجرام الدولي، وإخفاقات حكومته اليمينية التي جرّت الكيان إلى مستنقع التناقضات والصراعات الداخلية والعزلة الخارجية وسقوط القناع الإعلامي وانهيار السمعة، لا يرغب في اتفاق مذلٍّ له، لا يحقق له مثقال ذرة من حلمه الصهيوني وأهدافه المعلنة وغير المعلنة. هذا الجنون، كشفه الرئيس الأمريكي بنفسه عندما يصرح قائلا: “إنه مجنونٌ تماما”، وكشف قلق الإدارة الأمريكية من التعامل مع مهووس بحرب أبدية وجودية ضد إيران وحلفائها في المنطقة، حرب لا تخدم المصالح الأمريكية، وتخدم فقط أجندة نتنياهو وزمرته المتطرِّفة.
هذا الموقف، غير الجديد عمليا، من أي اتفاق مع إيران من طرف الكيان، لا يغير في المنظور القريب من علاقته مع الإدارة الأمريكية، على اعتبار أن العلاقة بين الاثنين هي علاقة بنيوية ووظيفية، ليس من السهل أن تزعزعها مواقف مثل هذه، لكنها عمليا، تشكل تصدعا في الثقة بين القيادتين، إلى درجة أن نتنياهو بات اليوم محاصَرا داخليا وخارجيا، وعاجزا عن تقديم أي تفسير وتبرير لفشله الاستراتيجي سواء في ردع إيران أو حتى في سياسته التوسعية العدوانية في لبنان.
المشروع الأمريكي في المنطقة يختلف استراتيجيا عن مشروع نتنياهو تحديدا، وتلاقي المصالح عبر تلاقي المواقع والمواقف، لا يعني التطابق الكلي في وجهات النظر والعمل المشترك، إذ أنه حتما كان سيصل الطرفان، إن لم يصلا بعد، إلى نقطة التضادّ والاختلاف. اليوم، يبرر نتنياهو ذلك علانية بـ”خلافات بينه وبين ترامب أحيانا”، لكن هذا “الحين”، لم يقل عنه اليوم أنه مجرد اختلاف بسيط في النقاش أو حتى رفع الصوت عبر الهاتف في الطرف الآخر من السماعة في البيت الأبيض، بل اختلاف حاد، نتج عن وصول الإدارة الأمريكية إلى قناعة قد تكون واضحة، بأن المواقف والمواقع المشتركة في هذه الحرب الإقليمية، قد أوصلت إلى كارثة عالمية، وقد تكون أنكى وأعتى في حال ما إذا استمر نتنياهو يعبث بالمنطقة ويستعمل إرادة الإدارة الأمريكية في تحقيق نزواته الجنونية.
الأمر لم يُحسم بعد، والاتفاق الشامل من عدمه، رهينٌ بمفاوضات الستين يوما، التي بالتأكيد ستكون شاقة ومعقَّدة، وسيستغلها الكيان لتأليب الإدارة الأمريكية وحلفائه في الكونغرس وفي “الإيباك” وفي الإعلام، بهدف إضعاف الاتفاق و”تحسين” بنوده لصالحه، عبر الضغط في لبنان، والإبقاء على التوتر والاستفزازات قائمين، لكن هذا لن يطول أمدُه بعد أن انكشفت جزئيًّا ألاعيبُه الإجرامية.