دخلوا البرلمان في مصر ويتململون في الجزائر
السلفيون.. القوة النائمة التي ترعب الأحزاب الإسلامية
السلفيون يعودون بقوة مع الربيع العربي
الانتصارات السياسية التي حققها الإسلاميون في العديد من الدول العربية في الانتخابات الأخيرة أخرجت الكثير من الوجوه الإسلامية التي فضلت الاختفاء أو التي أجبِرت على الاختفاء مرة أخرى أمام الملأ، وصار السؤال الطاغي هو ما رأي سلفيي الجزائر في المشهد العربي وخاصة في مصر عندما دخل السلفيون المعترك السياسي ونافسوا بحزب النور السلفي ليس الأحزاب العلمانية فقط وإنما الإخوان المسلمين وحققوا الكثير من المفاجآت التي لم تخطر على بال أحد؟ وما رأيهم أيضا في إمكانية انضمامهم للكثير من الأحزاب المسماة بالإسلامية التي ليس لها مرجعية سلفية؟
- هل كان بن باديس سلفيا ؟
- تتميز السلفية في الجزائر بعراقة لا تمتلكها السلفية الموجودة في دول المغرب العربي، وهي تختلف جملة وتفصيلا عما هو موجود في مصر، ويمكن ربطها بكبار سلفيي المملكة العربية السعودية ليس في العصر الحديث وإنما منذ قرن من الزمان، إذ تكاد سلفية الشيخ عبد الحميد بن باديس تكون صورة طبق الأصل لسلفية محمد بن عبد الوهاب، فقد قامت حركة الرجلين لهدف مباشر واحد وهو محاربة الطرقية بالخصوص والكثير من مظاهر الشرك التي مزقت الجزيرة العربية والجزائر في نفس الوقت، ورغم أن غالبية سلفيي العصر الحديث يرفضون سلفية الشيخ بن باديس ولا يستشهدون إلا نادرا بمواقفه وسيرته الذاتية وحتى فتاويه وتفسيراته للقرآن الكريم، إلا أن شيخ السلفية في الجزائر في الوقت الحالي الشيخ أبو عبد المعز علي فركوس أبان ميوله للعلامة بن باديس، بدليل أن له دراسة بعنوان “شرح مبادئ الأصول للشيخ عبد الحميد بن باديس”، وكان بن باديس رحمه الله إذا راسل شيوخ العالم الإسلامي يصرّ على أن يمضي في أسفل المراسلة الشيخ بن باديس السلفي، و”الشروق اليومي” تمتلك رسالة بخط يد العلامة شيخ الأزهر في الثلاثينيات أضاف على اسمه كلمة السلفي، كما أن الشيخ بن باديس هو أول عالم جزائري قدم للجزائريين السيرة وأيضا علم شيخ الإسلام بن تيمية المرجع الاهم بعد القرآن والسنة للمنهج السلفي، وكان يستشهد بفتاويه دائما رغم أن شيوخ جمعية العلماء المسلمين من أمثال مبارك الميلي والبشير الإبراهيمي والعربي التبسي والطيب العقبي لم يكونوا سلفيين بالمفهوم الحالي للسلفية الذي يتركز على القراءة والتطبيق الصارم للنصوص ومنهجهم دعوي علمي وعلماؤهم ليسوا قياديين وإنما علماء وفقهاء بالعلم الشرعي، ولكن السلفية منذ رحيل الشيخ عبد الحميد بن باديس اختفت نهائيا سواء في الزمن الاستعماري أو في السنوات العشرين الأولى للاستقلال.
- من عبد اللطيف سلطاني إلى الشيخ فركوس
- تختلف السلفية في الجزائر شكلا ومضمونا عما هو موجود في المغرب الأقصى وتونس وحتى في مصر، فالشيخ علي بلحاج مثلا نهل من المرحوم ناصر الدين الألباني، وكانت خطبه جميعها تستند لما كان يقوله عالم الحديث الألباني رغم ان الكثير من السلفيين اخرجوا علي بلحاج من المنهج السلفي بعد أن اختار السلفية السياسية، أما الشيخ علي فركوس فنهل من سلفيي المملكة العربية السعودية عندما واصل دراسته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وإذا كان الشيخ علي بلحاج قد أخذ طريقه إلى السلفية السياسية المتشددة التي ظهرت في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي عكس شيخه الألباني الذي أفنى عمره للحديث الشريف وابتعد عن السياسة ولم يخض فيها إلا عندما يُسأل عن شؤونها، فإن الشيخ فركوس الذي درس على يد أكبر علماء السلفية في العالم ومنهم بالخصوص الشيخ عطية بن محمد سالم الذي كان قاضيا بالمحكمة العليا بالمدينة المنورة بقي متمسكا بما يسمى بالسلفية العلمية القائمة على المنهج الدعوي العلمي الذي يرفض اعتبار الشيخ فركوس منظرا أو قياديا وإنما يعتبره عالما وفقيها يعتمد على الكتاب والسنة ونهج الصحابة والأسلاف، وهو ما يجعل إمكانية انضمامه للمشهد السياسي في المستقبل القريب أمرا مستبعدا بعد أن رفض ذلك عندما عاد إلى الجزائر من رحلته الدراسية في الحجاز عام 1987 واكتفى بالنصيحة فقط لإخوانه وواصل الدراسة والتدريس وكان أول من حصل على الدكتوراه في العلوم الشرعية في تاريخ الجزائر على الإطلاق.
- وكان الراحل الشيخ عبد اللطيف سلطاني من أوائل السلفيين بعد الاستقلال والذي يمكن اعتباره من رعيل السلفية الدعوية التي ظهرت في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين والتي كانت تؤمن بالتغيير من الأسفل، وقد رفض روادها المشاركة في المؤسسات كما فعل سلفيو السياسة اللاحقون الذين دخلوا مباشرة بعد التعددية السياسية في “اللعبة” السياسية، ورغم أن سلفيي الدعوة والسياسة التقوا في القراءة الصارمة للنصوص، إلا أنهم اختلفا بعد ذلك نهائيا خاصة بعد أن دخل بعض سلفيي السياسة في السلفية الجهادية وقرنوا اسم السلفية كما حدث مع الجماعة السلفية للدعوة والقتال بالعنف، وهو ما أدى بالسلفيين العلميين في مختلف المنتديات يتبرؤون من كل أعمال العنف التي حدثت في البلاد وفي غيرها من بلاد الإسلام، ومع أن أسامة بن لادن يعتبر نفسه سلفيا ونهل من السلفيين إلا أن السلفيين لا يعتبرونه سلفيا. وفي الجزائر بقي الشيخ علي فركوس نموذجا لسلفية علمية جذورها من السلف الصالح وأغصانها وثمارها دروس وكتب، الهدف منها إعادة الجزائريين إلى منبع الشريعة الإسلامية الأصيل، خاصة أن العدد الأكبر من السلفيين الجزائريين يتواجدون أيضا كطلاب أو كمتخرجين من الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر لقسنطينة وهم لا يجدون حرجا بالقول انهم سلفيون ويفتخرون بذلك، وتشبث السلفية العلمية الجزائرية ببعض الفتاوى الصادرة من شيوخ السلفية بالمملكة العربية السعودية ومنهم الشيخ حماد بن محمد الأنصاري وبالخصوص المرحوم عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي كان يحضر الشيخ فركوس محاضراته في المدينة المنورة، وهي الفتاوى التي تدعو لنبذ لعنف وجعل الغاية دائما التعلم والتعليم وتحريم أو إكراه بعض الأمور العصرية ومنها الظهور على شاشات التلفزيون وفي الصور يجعل من دخول السياسة ومعتركاتها أمرا مستبعدا، خاصة أن كبار السلفية الذين عاشوا في الحجاز مثل صالح العثيمين وحتى الشيخ الألباني لم يخوضوا أبدا في السياسة وأوجاعها، برغم الانتقادات التي وجهت وتوجه لهم من سلفيي مصر الذين يرون طاعة المخلوق والسكوت عن زلاته عملا “شيطانيا” كما يقول منظروهم خاصة في عاصمة السلفية في مصر مدينة الإسكندرية.
- الأحزاب الإسلامية مرعوبة من التيار السلفي
- في الوقت الذي يرى البعض أن الأحزاب الإسلامية التي شاركت النظام في السلطة وخاصة حركة مجتمع السلم ستحاول في الانتخابات القادمة تجديد صورتها وربما تحسينها بإقحام وجوه سلفية في قائمتها، فإن آخرين يؤكدون أن أكثر الأحزاب خوفا وهلعا من السلفيين هم الأحزاب الإسلامية النشطة في الساحة، لأن المجتمع الجزائري يرى أن إسلاميي حركات الإصلاح والنهضة وحمس وحتى حزب عبد الله جاب الله وحزب عبد المجيد مناصرة لو تم اعتمادهما لا يختلفون عن بقية الأحزاب الوطنية حيث تضم النساء وتقدم مترشحين لا يختلفون عن مرشحي الأرندي والآفلان هنداما ومضمونا، بدليل أن السيد عبد العزيز بلخادم الأمين العام لجبهة التحرير الوطني قال إنه يعتبر جبهة التحرير الوطني حزبا إسلاميا، والتجربة السياسية أثبتت أن ممثليهم لا يختلفون في أدائهم في المجالس المحلية وفي البرلمان عن أداء البقية، ولو تقدم السلفيون بقائمة من الأحرار أو تبناهم حزب ما فإن الذين سيعطون أصواتهم للإسلاميين لن يمنحوها إلا للسلفيين، ورغم أن حزب النور السلفي المصري قدم فتاوى من علمائه المصريين عن ضرورة دخول السياسة وعدم ترك الساحة للبقية، فإن الكثير من إسلاميي الأحزاب الجزائرية يحاولون استخراج بعض الفتاوى القديمة التي تغلق الباب وتجعل من السياسة بدعة محدثة لا يليق للمسلم الاقتراب منها.
- في المغرب السلفية منذ زمن طويل لبست الثوب الصوفي، خاصة أن أول من زعم أنه سلفي في المغرب الأقصى هو السلطان سيدي محمد بن عبد الله الذي تزامن حكمه مع ظهور الحركة الوهابية مع محمد بن عبد الوهاب بالحجاز، وحتى عندما رجعت السلفية في الثمانينيات إلى المغرب الأقصى مع تقي الدين الهلالي كانت تسمى بالوهابية المغربية، لأجل ذلك لم نر البصمة السلفية في الحركات الإسلامية وحتى في الانتصارات الإسلامية التي تحققت في المغرب في الانتخابات الأخيرة، كما أن السلفية التونسية بقيت فتية وهي لم تظهر لأسباب عديدة إلا في أواخر التسعينيات، وحتى عندما ظهرت ولكي لا تصطدم مع نظام زين العابدين بن علي كانت تركز القول بأنها ضد النهضة التي كان النظام التونسي السابق يطاردها، فبقيت شبه غائبة وفشلت في أن تجد لنفسها مكانا كما فعلت السلفية في مصر التي نافست وأكثر من ذلك نجحت سواء في الثورة التي هزت عرش زين العابدين بن علي وعائلة الطرابلسي أو في العرس الانتخابي التونسي الأخير الذي تلوّن بكل الألوان من يسارية إلى يمينية إلى إسلامية إلا باللون السلفي، أما السلفية في الجزائر فقد كانت متشعبة وفي الغالب متمسكة بالمدرسة الحجازية المسالمة التي تحاول أن تعيد العهد النبوي وسيرة السلف الصالح إلى المجتمع الجزائري في الشكل من نقاب ولحى ومضمونا عبر جيل أساسه الأخلاق، وحتى الذين يعيبون على سلفيي الحجاز أن منهم الجهاديين مثل أسامة بن لادن الذي من المعروف أنه ظهر للعالم بسلفيته يقولون إن السلفيين المصريين مثل الشيخ محمد عطا والشيخ أيمن الظواهري المصريين وسلفيي أفغانستان وباكستان هم من أقنعوا أسامة بن لادن على تغيير منهجه السلفي الدعوي إلى السلفية السياسية ومنها إلى السلفية الجهادية.
- سلفيو مصر .. من المساجد الى البرلمان؟!
- معظم سلفيي مصر لا علاقة لهم بالمملكة العربية السعودية، وقد يكون تنوع الديانات الموجودة في مصر هو السبب، فسلفيو مصر يرون أن صمتهم وابتعادهم عن السياسة سيقوّي شوكة العلمانيين وخاصة الأقباط، لأجل ذلك ظهرت السلفية السياسية في مدن ينتشر فيها الأقباط وعمليات التبشير مثل الإسنكدرية مولد حزب النور السلفي الذي اكتسح الانتخابات الأخيرة، وحتى السلفيين الذين تحولوا إلى أعمال العنف وإرهاب الآخر مثل أيمن الظواهري ومحمد عطا درسوا خارج المملكة ولم تكن لهم أي علاقة مع سلفيي المملكة العربية السعودية، إذ درس الظواهري الطب في القاهرة وأكمل دراسته في باكستان، وكان محمد عطا وهو المسؤول عن ارتطام الطائرة الأولى في مركز التجارة الدولي مهندسا معماريا عاش بين ألمانيا والإمارات العربية المتحدة، وحزب النور السلفي بالرغم من تبرئه من كل هؤلاء واعتبارهم إرهابيين إلا أنه يختلف تماما عن سلفيي الحجاز، وقد قدم في الانتخابات الأخيرة امرأة مرشحة كنائبة في البرلمان ترتدي النقاب، وهي السيدة منى صلاح التي تعترف بأن المرأة ناقصة عقل ودين ولا يجوز لها تولي منصب الرئاسة ولكنها تتشبث بحقها في أن تكون نائبة بالبرلمان على أساس أن النيابة البرلمانية هي قيادة جزئية وليست كلية، سلفيو مصر وهم يدخلون معترك السياسة كتبوا في الشوارع شعارا دينيا “إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أجسامكم ولكن ينظر إلى أعمالكم” وكانت النقطة التي انطلقوا منها كونهم شاركوا في ميدان التحرير وتواجدوا برجالهم الملتحين ونسائهم المنقبات ورأوا أن عدم مواصلتهم المسار السياسي والمشاركة مع المصريين في بناء مصر الجديدة خطأ كبير.
- الشيخ عبد المنعم عبد الفتاح اختصر دخول السلفيين المصريين معترك الساسة بالقول إن عددهم عشرات أضعاف عدد الإخوان المسلمين لأجل ذلك عليهم أن يقودوا البلاد، والغرب يرى أن قيادتهم قد تسقط الكثير من التزامهم اتجاه التطبيق الحرفي لأحكام الشريعة الإسلامية، ويرى أنه بإمكانه إن دفعهم إلى الفشل وإفقاد ثقة الناس فيهم من نسف أتباع الجيل القادم للمنهج السلفي، وهو ما يجعل ما يحدث في مصر الامتحان الأكبر والعسير للسلفيين، لأنهم لأول مرة يحصلون على مناصب قيادية.