الرأي

السلولية المعاصرة على خطى السلولية الأولى!

سلطان بركاني
  • 855
  • 0

يُفترض في حقّ العبد المؤمن الذي يرجو الله واليوم الآخر، حينما تحتوش الأخطارُ دينه وأمّته؛ أن يبذل دنياه فداءً لدينه وأمّته، ويسخّر ماله وكلّ ما يملك، حتّى يصل به الأمر إلى أن يقدّم نفسه رخيصة فداءً لأعزّ ما يملك، وهو في كلّ ذلك راض بالصفقة الرابحة يرجو الثّواب عند الله، ويرجو أن تنقص دنياه أو يموت لأجل أن يبقى دينه عزيزا وتبقى أمّته ظاهرة.. لكنّ العبد الذي أخلد إلى الأرض وآثر العاجلة، حينما تحيط الأخطار بدينه وأمّته، لا يفكّر في شيء آخر غير سلامة دنياه، فيضحّي بدينه وأمّته لأجل خسائسِ ما يملك في هذه الدّنيا الفانية، لأنّه يرى أنّ الحياة والسّلامة مكسبان لا يعدلهما مكسب آخر!

آيات القرآن الكريم متوافرة في تحذير كلّ منتسب إلى أمّة الإسلام من أن يخون الله ورسوله ويخون أمانته لأجل نفسه وماله وولده، مهما أحاطت به الأخطار. يقول الله –تعالى-: ((وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)).. وهذه الآيات في سورة الأنفال، نزلت بعد غزوة بدر الكبرى، وجاءت ضمن آيات كثيرة تأمر المؤمنين بالاستجابة لله ورسوله، وتحذّرهم أشدّ التحذير من التولّي والانشغال بالدّنيا في وقت التدافع والصّراع بين الحقّ والباطل.. وكأنّها تهيّئ المسلمين لما سيحدث عاما بعد ذلك في غزوة أحد.

جُلّنا يظنّ أنّ أهمّ حدث في غزوة أحد هو مخالفة الرّماة أمر النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- ونزولُهم من الجبل حينما خُيّل إليهم أنّ المعركة وضعت أوزارها، فكان نزولهم سببا في انكسار المسلمين بعد ذلك. نعم، هذا حدث مهمّ نزلت في شأنه آيات القرآن تعاتب المؤمنين عتابا شديدا. ولكنّ أولئك الأصحاب لم يتعمّدوا الخطأ ولم يضعوا أيديهم في أيدي العدوّ، ولم يبيعوا دينهم بدنياهم، ولو كانوا يعلمون أنّ العدوّ سيلتفّ عليهم ما تزحزحوا عن أماكنهم شبرا، إنّما كان خطؤهم في استعجالهم الحكم بأنّ معركتهم مع الباطل قد انتهت. لذلك تاب الله عليهم: ((حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين)) (آل عمران: 152).

الحدَث الأكثر أهمية من هذا الذي ذكرنا، حصل في الطّريق إلى غزوة أحد، وكان مُجترحوه طائفة من المنافقين معهم أناس حريصون على دنياهم، على رأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النّفاق الذي رجع بثلث الجيش، وأبى أن يواصل المسير للقتال، بحجّة أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- لم يستشرهم في القتال، وأنّ الجيش سيتعرّض للقتل، وقال: “ما ندري علامَ نقتل أنفسنا ها هنا أيها النّاس”! كان تعداد جيش المسلمين ألفا يستعدّ ليواجه 3 آلاف من المشركين، وفي هذا الموقف العصيب يخون ابن سلول المسلمين ويطعنهم هذه الطّعنة الغادرة التي كان لها وقع كبير على النفوس، وعندما انكسر المسلمون بعد ذلك وعادوا إلى المدينة بجراحهم، تلقاهم المنافقون يقولون: لو كنّا نعلم أنّكم ستقاتلون في أحد لاتّبعناكم، ما كنّا نظنّ أنّ القتال سينشب! وتارة أخرى يناقضون قولهم فيظهرون الحسرة على المسلمين الذين سقطوا في أحد، ويقولون: لو أطاعنا هؤلاء وسمعوا كلامنا ما قتلوا! وقد نزلت الآيات بعد ذلك في سورة آل عمران تتحدّث عن هذا الموقف الخائن، قال تعالى: ((وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين)).

موقف ابن سلول ومن معه، كان انحيازا تاريخيا سُطر بالخيانة والحرص على الدّنيا، ومن يومِها بدأ المسلمون يتفطّنون لخطورة النّفاق وخطر الخيانة؛ ويدركون شناعةَ أن يكون العبد مع الأمّة ببدنه ولسانه، ثمّ إذا حلّ البلاء إذا به يقف مع الأعداء حرصا على سلامة دنياه!

المفارقة أنّ ابن سلول، كان قبل فضيحة أحد يظهر الحرص على طاعة النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- والحرص على نصرته ونصرة سنّته، فيقوم قُبيل كلّ خطبة يخطبها النبيّ -صلى اللـه عليه وسلم- يوم الجمعة ليقول: “أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله به، وأعزكم به، فانصروه، وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا”، ثم يجلس”؛ كان ابن سلول يُظهر الحرص على السنّة وعلى صاحبها، لكن حينما حان الوقت ليقدّم الدّليل والمصداق نكص على عقبيه! حين نشب الصراع بين الحقّ والباطل، خان الحقّ ووقف في صفّ الباطل!

المؤسف أنّ ما فعله ابن سلول، تكرّر في الأمّة كثيرا، وها نحن في زماننا نرى هذا الفعل الشّنيع يتمثّله أناس يُظهرون نصرة السنّة، ولكنّهم في معركة الأمّة مع الصّهاينة، يخونون الإسلام والمسلمين، ويقولون للمجاهدين كما قال ابن سلول ومن معه للمسلمين: “هذا ليس جهادا! لو لم تستفزّوا اليهود ما قتل كلّ هذا العدد من المسلمين في غزّة! لولا حماس لما نكب المسلمون هذه النّكبة، وما حوصروا وما ماتوا من الجوع”! وكأنّ الصهاينة قبل حماس كانوا مسالمين موادعين لأهل فلسطين، حريصين على حقن دمائهم! لكنّ الحقّ أنّ حماس لم تظهر إلى الوجود إلا في سنة 1987م، وقبل هذه السّنة ارتكب الصهاينة في حقّ الفلسطينيين عشرات المجازر، وجوّعوهم وهجّروهم وشرّدوهم، والعالم يذكر مثلا ما حصل في قطاع غزّة سنة 1969م أي 18 سنة قبل ظهور حماس، حين قام الصهاينة بتجويع اللاجئين في القطاع وتدمير المنازل مع إيقاع عشرات القتلى!

وهكذا تتكرّر أفعال وأقوال ابن سلول، على أيدي وألسنة مسلمين يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، يخونون الأمّة في وقت عصيب، فيقفون في صفّ ألدّ أعدائها وهم لا يشعرون! ومن المفارقات أنّك تجد عبادا كافرين في أوروبا آلمهم ما يفعله الصهاينة في قطاع غزّة، فخرجوا يتظاهرون ضدّ الصهاينة ويحرقون علم الكيان وصور نتنياهو، بينما بعض المسلمين الذين يزعمون الانتساب إلى السّلف يتركون اليهود ويتوجّهون بالطّعن إلى المجاهدين؛ فيتّهمونهم بأنّهم السّبب فيما يحصل في غزّة، وبأنّهم جبناء يختبئون في الأنفاق! يأكلون ويتمتّعون بينما أهل القطاع يموتون جوعا وقصفا! بل قد بلغت الخيانة والنذالة ببعضهم أنّهم اتّهموا رجال الأمّة في كتائب القسّام بأنّهم يتمتّعون بالأسيرات اليهوديات في الأنفاق! فأيّ سلف لهؤلاء غيرُ ابن سلول وشلّة المنافقين الذين كانوا أحرص ما يكونون على الطّعن في الصحابة المجاهدين؟! وقد سجّلت كتب السير أنّ السلولية، في غزوة تبوك، رموا الصحابة المجـاهدين، بأنهم أهل جُبن وكذب وأصحاب بطون!؛ فقال قائلهم: “ما نرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء”! فأنزل الله في حقهم قوله -تعالى-: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين)) (التوبة).

وها هم أحفاد ابن سلول في زماننا يردّدون ذات التهم في حقّ المجاهدين في فلسطين، فيتّهمونهم بالجبن والبطنة والكذب! والمصيبة أنّ هؤلاء الذين يتّهمون المجاهدين بالحرص على الدّنيا ويسعون بالطعن في أعراضهم، يقولون من دون مواربة ولا خجل إنّ وليّ الأمر إذا كان يزني ويرتكب الفاحشة الآثمة ويفعل الفواحش كلّها جهرة، لا يجوز لنا أن ننكر عليه علنا، بل ينبغي لنا أن ننصحه سرا إن استطعنا إلى ذلك سبيلا!

مقالات ذات صلة