السوفية التي سجنها الاستعمار بسبب شعرها
رافق الشعر والأدب كل مراحل الحرب التحريرية.. فالمعركة لم تكن معركة سلاح فقط، بل معركة قلم وشحذ الهمم.. الحرب أنطقت النساء والرجال شعرا فصيحا، كان أو عاميا. فهناك من لم يدخل مدرسة، لكنه أفحم بشعره مستعمرا بقوته وجبروته، وأسقط القناع عن عنجهيته الكاذبة.. من بين هؤلاء الفحلات اللواتي أغنت الشعر الشعبي بقصائد خالدة، الشاعرة الراحلة فاطمة منصوري، بنت وادي سوف الشهيرة بالعلوانية.
من خلال قصائدها، أرّخت فاطمة منصوري لعديد المعارك التي دارت رحاها بمسقط رأسها، وادي سوف. وحفظت أسماء شهدائها ومجاهديها، على غرار البطل الشهيد حمّه لخضر، بطل معركة هود شيكه، والمجاهد السعيد رمضاني.. وغيرهما.
ولدت المجاهدة فاطمة منصوري في قرية الجديدة ببلدية الدبيلة، بولاية الوادي، عام 1910، ترعرعت في فقر مدقع وحرمان، وبعدما شبت، تزوجت مبكرا، فلم يسعها الحظ في نيل قسط ولو قليل من العلم.
توفي زوجها عام 1945، وتركها وحيدة تتحمل مسؤولية تربية ثلاثة أبناء، هم عبد العزيز ومحمد وعلي… توفي جد أولادها بعدها، فأصبحت بلا معيل، ما اضطرها إلى العمل في النسج، مقابل صاع من الشعير. أحيانا، كانت تلجأ إلى تحميص نوى التمر وتطحنه، وتعده طعاما لأبنائها الجوعى. وفي أحيان أخرى، اضطرت إلى إرسال أبنائها للعمل، رغم صغر سنهم في سقي محصول التبغ الرائج في وادي سوف آنذاك.
المحنة ألهمت فاطمة قول الشعر. وهذا قبل الثورة، وقرضت الشعر قرضا في أثناء الثورة، وسكتت عن الكلام المباح بعدما لاح فجر الاستقلال إلى غاية وفاتها.
شحذت الشاعرة فاطمة منصوري طيلة سبع سنوات من الحرب هِمَم المجاهدين، رغم ظروفها، ومجدت بشعرها الثورة وأبطالها، وصارت قصائدها تتناقل بين جنود جيش التحرير، وكان الكثير منهم يتلهفون لأبياتها الشعرية المشيدة ببطولاتهم. شعر فاطمة منصوري، كانت تزف به العذارى، فذاع صيتها في كل مكان. وتناهى صداه إلى أسماع السلطات الفرنسية بواد سوف، بعد أن قام أحد اللقطاء الخونة بترجمته عمدا. فثارت ثائرة قائد المنطقة، فأمر بزجها في مركز التعذيب ببلدية الدبيلة. في مركز التعذيب، أمرها الضابط بالكف عن قول الشعر، مقابل حريتها.. فردت عليه بقصيدة تاريخية:
حالف لا بطلت غنايا عنكم لاني نادم فيه
جبته عن جيش التحرير فيهم شيّ نعاشي بيه
وتحول شعرها إلى تهمة رسمية تحت عنوان الإشادة بالخارجين عن القانون، وحكم عليها بسنتين سجنا، قضتهما بسجن لومبيز بباتنة، وما إن أطلق سراحها، عادت إلى قول شعر أكثر حدة وقوة.
إرث بنت الصحراء
تم جمع تسع قصائد للشاعرة فاطمة منصوري، ضمن ديوان الشعر الشعبي، الذي صدر عن المتحف الوطني للمجاهد بالعاصمة، عام 1994، من بينها “حالف ما نبطل لفتان”، و”جواب لبعايد”، وهي رسالة أرسلها مجاهد يدعى سي مبروك إلى الشهيد البطل حمه لخضر، يخبره فيها أنه لا يزال على قيد الحياة.
وكانت فاطمة تواكب كل أحداث الثورة من معارك واعتقالات، وقالت حين اعتقل ابن المنطقة المجاهد سعيد رمضاني شعرا مطلعه:
سعيد شدوهْ يا نار قَلبي ومكتَّف للبُرج أَدوه
ونالت فاطمة منصوري من الخونة والعملاء وخصصت لهم نصيب الأسد في الهجاء فقالت:
يال المستخدم عند الرومي ويفجَّع في المخلوقات
لوكانه مسلم ما يبدَل دينه هيهات
في 1955، قالت قصيدتها الجميلة: “الله ينصرو ويعلّيه ع العدوية”، بعد فشل عملية تمشيط واسعة في المنطقة ونجاة الكثير من المجاهدين من عمليات الاعتقال:
الله ينصرو ويعلّيه ع العدوية ويكسَّر حال فرانسا الروميّة
العدو مغشوشه مذبّلة وقلوبها مهسوسة
وخصت الشاعرة معركة هود شيكه التي جرت في أوت 1955 بتراب بلدية سيدي عون بقصيدة كاملة:
نورِّيك ضرب الحرب كان نسِيته
نشفِّيك عن ضربة نهار هُود شِيكهْ
نورّيك ضرب الحامي
باش تفهمي حمّود صيد الدّامي
ونفرجك ما تعملْ الرجاله
نْرقيك ع الواعر ولاَ قدّيته
أطول قصيدة قالتها الشاعرة كانت بعنوان”والحرب من بكرة ثار”، ولم يعثر إلا على 76 بيتا فقط، منها:
أُولاد لجزاير تعلُو والفتن هزو حرابه
لا يرهبو ولا يـِذلو لا تكِيدهمش لمجابه
للشاعرة قصائد كثيرة، منها ما تم جمعه ومنها ما ضاع، من بينها “البارح منام الليل” و”جانا عيد على عيد” و”يد المولى طويلة” و”بادي باسم الله” و”ينصر الشبان” و”شيعتكم بالعين” وقصيدة “حيّد على صغار المجاهدين”، ليكون عدد قصائد ديوانها مجتمعة ست عشرة قصيدة.
عقب الاستقلال، فتحت المجاهدة الشاعرة فاطمة منصوري بيتها بقرية الدريميني ليكون أول مدرسة شعبية بها.
توفيت المجاهدة في شهر ديسمبر عام 1984.