السياسـة أخــلاق!!…
سمعنا مؤخرا أحد السياسيين يردد “السياسة أخلاق”!!…، فهل ذلك اعتراف ضمني أن السياسة أصابها داء “التنكير” و”الزبونية« و”البزنسة”، يبدو كذلك، فالوقائع والأحداث تشير إلى أن السياسة وأناسها اصابهم التعفن، وأصبحت تحمل كل شيء إلا الأخلاق، وإنني قد أعدد بعض الممارسات التي توضح عدم اخلاقية بعض سياسيينا في ممارسة السياسة، فأصبح السياسي ينتظر أن يُعطى له -بالرضا أو الإكراه أو الاغتصاب- اكثر مما يُقدم، وتلك طامة أخرى اصبحت منتشرة ومستفحلة على مستويات عدة وعديدة!!!.
السياسة أخلاق.. ولكن كثير من ساساتنا يعد، يراوغ ويأمر على المباشر وبدون أدنى ضمير، حتى اصبحوا كأهل القرى الذين يلومون ويلقون بالعبئ على القرى الأخرى، والنماذج عديدة ومتنوعة وعلى مختلف المستويات القاعدية منها أو العليا، فأصبحت “الميكافيلية” هي الأساس والبوصلة.. بدلا من الأخلاق والقيم والبرامج.
السياسة أخلاق.. ولكن الكثير من ساساتنا يعمل بقاعدة “افعلوا ما اقول، ولا تفعلوا ما اعمل!”، فأصبح هناك انفصام بين القول والعمل، وافتقدنا القدوة، وأصبحت “السلوكيات” تتنافى مع العديد من الأدبيات والبرامج والقناعات، ويوميا نلاحظ “العديد منهم” ينتهج هذا السلوك حتى يركب الموجة، ويسبح مع “التيار العام” ولو على حساب قناعاته، فتوطين الأنفس والبرامج اصبح في مهب الريح، أو أصابه نزوح يمينا تارة وأخرى شمالا، كالديك الذي يتخبط في لحظاته الأخيرة قبل الوفاة، وما اكثر ساساتنا الذين اصيبوا بـ “الوفاة الكلينيكي”…
السياسة أخلاق.. وفي المقابل كثير من ساساتنا يُعين فلانا وعلانا من عائلته، أو معارفه، أو قبيلته، أو دشرته مسؤولا أو ناطقا.. أو مجرد رد جميل على حساب الكفاءة والنزاهة والاقتدار للعديد من الجزائريين، ثم نسمعه يمطرنا “دروسا” حول فضائل نبذ الجهوية، والتهميش، والإقصاء، وضرورة الاعتناء بالنخبة والكفاءة، فأصبحت سياستنا وساساتنا اعداء بامتياز وبالفطرة بحكم البيئة “للنجاعة” على كل مستوياتها وفي مختلف مراتبها.
السياسة أخلاق.. قد تكون في بعض الدول التي تعمل على إيجاد بيئة لإسقاطها من الشفافية ووضوح الرؤية أثناء التعامل السياسي وليس السياسوي للأحداث!!، فالتزام بالمسؤولية الإخلاقية قبل القانونية هو مفتاح اخلاقة السياسة، فنحن رغم الفضائح والنكسات، والانهزامات والسرقات بقي متشبت بمكانه ومنصبه، ويحاول إيجاد شماعات وتوابع لتحميل المسؤولية للآخر، وكأنه غير مسؤول وغير معني بالأمر أو أنه “خارج التغطية”، فهل هذا ينسجم مع أخلاقة السياسة!!.
يبدو أننا لسنا قريبين لأخلاقة السياسة والحياة العامة بالجزائر، بل نحن في مرحلة “البوليتيك” أي أنه احيانا قد نعمل، نقول، نتصرف ليس بدافع أو باعث الخدمة العامة وخدمة الجزائريين، بقدر ما هي عملية “ماركيتينغ” أو “تسويق” مجردة من كل روح أخلاقي أو وازع يحركها في حالة الانحراف أو الخروج عن الخط!!، فحتى الدراسة النفسية والسلوكية للعديد من ساساتنا تشير إلى ذلك، فأصبحت ظاهرة النزوح “الفردي أو الجماعي” للعديد من القيادات أو الناطقين من حزب إلى آخر لا تحكمها القناعات، بقدر ما تحكمها المصالح والفوائد والمناصب، فإن كانت الأخلاق سائدة سيكون عكس ذلك.
وأخيرا.. حتى تكون السياسة أخلاقا، قد لا أجد الحل السحري بقدر ما هو حل مجرد وموجود لدى العديد من الديمقراطيات، وهو أن يكون مبدأ المحاسبة والمسؤولية في الفوز والإخفاق السياسي مؤشرا، وأن يتم “تنفيس” العديد من النصوص التنظيمية التي تهيكل الحياة السياسية بما يعمق الديمقراطية الحقة، وليست الديمقراطية “الكرنفالية”، أو “المغشوشة”، أو “المخدوعة”، وأن تتبع بتداول فعلي وحقيقي داخل الهياكل الحزبية بعيدا عن كل “شخصانية” او تدوير للمناصب على شاكلة “الرشام حميدة واللاعب حميدة”.
بهذه وبغيرها من الأدوات الأخرى يمكن أن نتكلم عن أخلاقة السياسة والحياة العامة، أما غير ذلك فيبقى مجرد كلام أو ظاهر كالفقاعات تطفو ثم تختفي فجأة.