الجزائر
 مؤكدين أنهما لا ينسجمان مع التوجه الوطني القائم على الاعتراف بالجرائم

“السيناتورات” يتحفظون على التعويض والاعتذار في مقترح تجريم الاستعمار

أسماء بهلولي
  • 12097
  • 0
ح.م

تحفظت لجنة الدفاع الوطني بمجلس الأمة، في تقريرها التمهيدي حول مقترح قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر، على الأحكام المتعلقة بالتعويض والاعتذار، معتبرة أنها لا تنسجم مع التوجه الوطني القائم على مطالبة فرنسا بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية، لا المطالبة بالتعويضات أو الاعتذار، وهو ما يطرح بقوة مسألة إحالة هذه النقاط الخلافية على اللجنة المتساوية الأعضاء بين غرفتي البرلمان للفصل فيها.
وفي هذا الإطار، ثمّن التقرير التمهيدي لمقترح القانون، الذي اطلعت عليه “الشروق”، مجمل الأحكام الواردة في النص، غير أنه سجل تحفظات صريحة على بعض مواده، ولاسيما تلك المرتبطة بمسألتي التعويض والاعتذار، لعدم انسجامهما مع التوجه الوطني الذي أرساه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون – حسبهم – والقائم على المطالبة بالاعتراف بالجرائم الاستعمارية، كما رأت اللجنة أن بعض أحكام النص تستدعي إعادة ضبط وترتيب، بما يقتضي إدراج تحسينات من شأنها تعزيز جودة التشريع وضمان تماسكه.

“اللجنة المتساوية الأعضاء” لإعادة ضبط وترتيب وتحسين النص التشريعي

ويأتي مقترح قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر، حسب التقرير، في سياق المسعى الوطني الثابت الذي أرساه رئيس الجمهورية، والرامي إلى صون الذاكرة الوطنية وحمايتها من محاولات الطمس والتزييف، وترسيخ حقيقة الجرائم الاستعمارية كجزء لا يتجزأ من الوعي الجماعي للأمة.
ويتعزز هذا التوجه التشريعي بالموقف الرسمي الواضح والثابت للدولة الجزائرية، الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية صراحة حين أكد أن الجزائر تطالب فرنسا بالاعتراف بجرائمها ولا تطالبها بالتعويضات، مشددا على أن قيمة شهداء المقاومة والثورة التحريرية المجيدة أغلى من أي مقابل مادي.
وقد جدّد هذا الموقف، حسب ما جاء في التقرير، خلال خطابه الموجّه للأمة أمام البرلمان، بغرفتيه بتاريخ 30 ديسمبر 2025، حين أكد أن مطلب الجزائر ليس الاعتذار ولا التعويض، وإنما الاعتراف الصريح والرسمي بالجرائم الاستعمارية وجرائم الإبادة المرتكبة في حق الشعب الجزائري، باعتبارها جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم ولا يمكن تجاوزها أو طيها بالنسيان.
وفي هذا السياق، شدد التقرير على أن الاعتراف لا يعد مطلبا رمزيا أو خطابيا، بل يمثل فعلا من أفعال المسؤولية التاريخية، يقوم على الإقرار بالجرائم وتسميتها بمسمياتها الحقيقية، وإدانة منظومة استعمارية قامت على القتل والإبادة والتهجير والنهب الممنهج.
ومن هذا المنطلق، كرّس نص قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، حسب التقرير التمهيدي، هذا الموقف السيادي ضمن إطار تشريعي ملزم، ينقل مطلب الاعتراف من مستوى الموقف السياسي إلى مستوى الالتزام القانوني، ويؤكد تمسك الجزائر بالحقيقة كاملة غير منقوصة.
وفي سياق متصل، طرح أعضاء مجلس الأمة جملة من الملاحظات الجوهرية حول مقترح القانون، من بينها التساؤل حول ما إذا كانت عملية إعداد النص قد استوفت الوقت الكافي من حيث الدراسة المعمقة والتشاور القانوني والمؤسساتي، بما يضمن استجابته لمختلف أبعاده التاريخية والقانونية والسيادية، ومدى أخذ الانعكاسات المحتملة لاعتماده بعين الاعتبار ضمن مقاربة استباقية تحصن القرار السيادي من دون المساس بمقاصده الوطنية.
كما تساءل “السيناتورات” عما إذا كان التوافق مع قواعد القانون الدولي الجنائي يقتضي إدراج جريمة الإبادة صراحة ضمن الجرائم الاستعمارية المجرّمة، تفاديا لأي توصيف منقوص أو مخفف لجسامة الأفعال المرتكبة في حق الشعب الجزائري، إلى جانب مدى وضوح النص في تكريس مطلب الجزائر في الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية، باعتباره أساس المسؤولية التاريخية والقانونية، من دون الخلط بينه وبين مفاهيم الاعتذار ذات الطابع السياسي غير الملزم قانونا.
وفي الإطار ذاته، أثيرت تساؤلات حول غياب تعريف قانوني دقيق لمفهوم “الاستعمار” في نص يفترض أن يؤسس لتجريم واضح وغير قابل للتأويل، خاصة في ظل ما تبرزه التجارب المقارنة من أهمية الضبط الاصطلاحي في القوانين ذات الأبعاد التاريخية والسيادية.
كما طرح التساؤل حول ما إذا كان مبدأ عدم تقادم الجرائم الاستعمارية يستوجب نصا صريحا وموسعا يشمل مختلف أشكال الضرر، بما فيها الأضرار البيئية والصحية والمعنوية، انسجاما مع قواعد القانون الدولي، إلى جانب مدى تحصين الصياغة الحالية للنص من مخاطر التأويل القانوني أو التوظيف غير المقصود لبعض أحكامه، بما قد يُضعف مستقبلا أثره الإلزامي.
وتساءل أعضاء المجلس أيضا عن ضرورة إدراج التزام قانوني صريح يصون الذاكرة الوطنية عبر إدماج الجرائم الاستعمارية في المنظومات التعليمية والتكوينية والإعلامية، باعتبار الذاكرة مكونا من مكونات الأمن الوطني، فضلا عن مدى توفير النص لأساس قانوني كاف لتمكين الدولة من تحريك آليات المساءلة الدولية.
وفي السياق نفسه، أثيرت ملاحظات حول عدم تنصيص القانون على استحداث هيئة وطنية دائمة للذاكرة، تتولى توثيق الجرائم الاستعمارية، ومتابعة تنفيذ القانون، واقتراح التعديلات التشريعية اللازمة لضمان استمرارية المقاربة المؤسسية، إلى جانب إبراز الطابع الوقائي للقانون باعتباره أداة لحماية الوحدة الوطنية ومنع توظيف التاريخ للمساس بالاستقرار أو السيادة.

مقالات ذات صلة