السّعي نحو إدارة مستدامة ورقميّة للموارد المائيّة
إبراهيم موحوش: ضرورة تشجيع مشاريع تطهير المياه الملوثة
اتفاقية مع الوكالة الوطنية للموارد المائية لترشيد عمليات السقي
يُعتبر الأمن المائي والغذائي، من أبرز التحديات التي تواجه العالم في ظل التغيرات المناخية، وتزايد عدد السكان، وتراجع الموارد الطبيعية، ففي الجزائر أصبحت الفلاحة المستدامة خيارا استراتيجيا لتحقيق التوازن بين تلبية الاحتياجات الغذائية والحفاظ على الموارد المائية، حيث يلعب الابتكار دورا محوريا في تطوير القطاع الزراعي ورفع كفاءته.
ومن خلال التظاهرة العلمية الموسومة “الأمن المائي والأمن الغذائي: الابتكار في خدمة الاستدامة الفلاحية”، والمنظمة من طرف المدرسة الوطنية المدرسة الوطنية العليا للفلاحة، أكد المشاركون أن الأمن الغذائي يعتمد بشكل كبير على توفر المياه، إذ تعتبر الزراعة أكبر مستهلك للمياه العذبة، موضحين أن تزايد موجات الجفاف وندرة المياه في بعض مناطق الوطن، جعل من الضروري اعتماد حلول مبتكرة لترشيد استهلاك المياه وتحسين الإنتاج الزراعي.
وتم التركيز خلال هذا الملتقى، على أبرز الابتكارات التي تعتمدها الجزائر في تحقيق الأمن الغذائي والمائي، كاعتماد أنظمة الرّي الذكي مثل الري بالتنقيط المزود بحساسات تقيس رطوبة التربة، للتقليل من هدر المياه، واستخدام الطائرات المسيرة “درون”، لمراقبة المحاصيل والكشف المبكر عن الأمراض ونقص المياه، بالإضافة إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الزراعية وتحديد أفضل مواعيد الري والتسميد والحصاد تطوير أصناف زراعية مقاومة للجفاف والحرارة، بما يضمن استقرار الإنتاج في الظروف المناخية الصعبة.
تحديد مؤشرات وطنية تلبي حاجيات المحاصيل للمياه
وفي السياق، قال مدير المدرسة العليا للفلاحة، طارق حرطاني، في تصريح لـ”الشروق”، إن الملتقى جمع خبراء وباحثين مع ممثلين لقطاعات فلاحية، وفلاحين، بهدف مناقشة جميع المشاكل المتعلقة بنقص المياه، وكيفية توفيرها في المناطق الفلاحية وبحسب حاجيات المحاصيل الفلاحية وأنواع النباتات.
وأكد حرطاني، أن مناقشة موضوع الأمن المائي والأمن الغذائي خاصة في ظل نقص المياه والتغيرات المناخية “مسألة مهمة، لا بد من التطرق إليها قبيل انعقاد المجلس العلمي للأمن الغذائي، وذلك سعيا إلى تقريب الفاعلين في مجال الأمن المائي من الفلاحين”.
مُشيرا إلى أن اللقاء هو عبارة عن يوم دراسي، له تأثير اقتصادي واجتماعي، تمّ شرح خلاله كيفية استعمال المياه بمختلف التقنيات المتطورة في ميدان الفلاحة، هذا القطاع الذي يعرف ديناميكية في السنوات الأخيرة.
وأفاد مدير المدرسة العليا للفلاحة، بأن بعض الفلاحين من خلال طرح انشغالاتهم ومشاكلهم في الميدان، كنقص التجهيزات وتعطلها، وعدم التنسيق المنظم بين مختلف الفاعلين للحصول في الوقت المناسب على مياه السقي، سلطوا الضوء على بعض الجوانب التي من شأنها تسهيل إيجاد الحلول وتجديد التحديات اللازمة.
ويرى أن إمضاء اتفاقية بين المدرسة العليا للفلاحة والوكالة الوطنية للموارد المائية “حلّ إيجابي يحدد ويرسي مؤشرات وطنية تقييم حاجيات مختلف النباتات والمحاصيل الفلاحية للمياه، في ظل توسع المساحات الخاصة بالنشاط الفلاحي”.
المطلوب سيادة واستقلالية في البذور
من جانبه، أكد إبراهيم جرابية رئيس الغرفة الفلاحية لولاية الجزائر، أن 80 بالمائة من الموارد المائية توجه اليوم للفلاحة، وأن الهدف المنشود اليوم هو البحث عن كيفية إيصال الكميات المطلوبة من المياه إلى الحقول الفلاحية، والمساحات المثمرة، وأراضي زراعة الحبوب.
وقال إن الغرفة الفلاحية تثمن مشاريع تحلية المياه، لكن هذه الأخيرة لا تصل إلى الفلاح، ما أدى إلى القيام بدراسات لتحديد كيفية توفير المياه المحلاة في الأراضي الفلاحية، موضحا أن المشروع قيد الدراسية ويمكن تحقيقه عن قريب.
وبحسب ذات المتحدث، فإن الجزائر تقع في منطقة شمال إفريقيا وقريبة من الشرق الأوسط، المصنفة في إطار المناطق الأكثر عرضة للجفاف وندرة الأمطار، قائلا “لا بد أن نستفيد من درس 2023، حينما شهدت بلادنا شُحّا في الأمطار وارتفاع بعدها في درجات الحرارة ثم فيضانات”.
وأكد أن منح المكانة المحورية للفلاحين، باعتبارهم الفاعلين الحقيقيين في الميدان وأول المستعملين للموارد المائية، سيوفر الكثير من الصعوبات ويذلل بعض العقبات التي تقف أمام تحقيق الآمن الغذائي والمائي، إذ يبقى بحسبه، حل استخدام المياه المعالجة في الري، مع الالتزام بالمعايير الصحية والبيئية، احد الحلول المطلوبة والتي تساهم في زيادة الإنتاجية الزراعية، وتقليل التكاليف، وحماية الموارد الطبيعية، وتحقيق تنمية زراعية مستدامة.
25 محطة تحلية مياه تسيرها إطارات جزائرية
وأوضح الدكتور إبراهيم موحوش، خبير في الأمن الغذائي، عضو في اللجنة الوطنية لتطوير شعبة الحبوب وعضو المجلس الوطني للبحث العلمي والتكنولوجيا، لـ”الشروق”، أن مياه الأمطار تبقى غير كافية لحل مشكل السقي وتحقيق الأمن المائي، خاصة أن الجزائر تقع في منطقة تعاني نقص المياه، يتحصل الفرد الجزائري، بحسبه، على حصة 270 متر مكعب في السنة من المياه المتجددة، في حين إن المعدل العالمي يتمثل في 6000 متر مكعب، أي إن الجزائري يمتلك فقط 5 بالمائة من هذا المعدل العالمي.
وقال إننا نملك اليوم 25 محطة تحلية مياه، مسيرة من طرف إطارات جزائرية تقوم بالدراسة والتسيير وإعادة الصيانة لهذه المحطات، فعندما نتحدث عن الجانب العلمي والتقني للمجهودات، لابد، بحسبه، من التكلم عن الرقمنة، وما هو دورها في تسهل الاستعمال الموضوعي للمياه، وتفادي الإفراط في التبذير، مشيرا إلى أن السيادة الوطنية لا تكون إلا بوجود مياه، فالجزائر تصنف الأولى إفريقيا في الأمن الغذائي والرابعة والخمسين في العالم والثالثة في العلم العربي، إلا أن ضمان الأمن المائي يبقى تجدي آخر ينتظر بلادنا.
التكنولوجيا لتوصيل المياه والتحكم في كمياتها
ودعا في السياق، إلى مشاركة القطاع الخاص في مجال تطوير الموارد المائية، مشيرا إلى أن مشاريع تطهير المياه الملوثة بالطرق التكنولوجية واحدة من الخطوات الجيدة التي تقوم بها بعض المؤسسة، إذ أن الذكاء الاصطناعي، بحسب الدكتور موحوش، سيذلل الكثير من الصعاب سواء في طرق الري وقياس كميات المياه المطلوبة لكل نبتة، أو في التحكم عن بعد ومراقبة المحاصيل، وفي دراسات تتعلق بالمياه الجوفية، وتحلية المياه وتطهيرها وكيفية إيصالها إلى المساحات الزراعية في وقتها المناسب.