الرأي

السُّنة من العرب في‮ ‬عين إعصار الدجال

حبيب راشدين
  • 4017
  • 29

‭* ‬حق لنا أن نسأل كيف حدث هذا التغيير في‮ ‬الإستراتجية الأمريكية من دعم علني‮ ‬لا محدود لمفردات الربيع العربي،‮ ‬ولوصول قوى إسلامية إلى السلطة،‮ ‬إلى حرب مفتوحة مشبعة بالروح الصليبية أكثر مما كانت عليه في‮ ‬زمن بوش الابن؟

‭* ‬ما زلنا داخل الحرب الكونية التي‮ ‬أطلقها أرباب‮ “‬النظام العالمي‮ ‬الجديد‮” ‬منذ تدبير أحداث‮ ‬11‮ ‬سبتمبر تحت راية كاذبة،‮ ‬والتي‮ ‬أريد لها أن تستهدف آخر معقل معوق لقيام‮ “‬دولة الدجال الأعور‮” ‬قد حددته أدبياته في‮ ‬العرب السنة‮.‬

من‮  ‬حرب بوش الصليبية على الإسلام نفذت تحت راية كاذبة‮: ‬اسمها‮ “‬الحرب على الإرهاب‮” ‬وأسلحة الدمار الشامل،‮ ‬إلى حرب أوباما الكاذبة على صنيعته الحقيقية‮ “‬داعش‮” ‬تحت العنوان الكاذب نفسه،‮ ‬في‮ ‬مسار حرب تلمودية مسيحية متواصلة،‮ ‬تستهدف المسلمين العرب السنة تحديدا،‮ ‬قبل تخريب المسجد الأقصى،‮ ‬واستكمال العبث العمراني‮ ‬بالبيت الحرام‮.‬

الحرب المعلنة على الإسلام والمسلمين في‮ ‬المشرق تحت عنوان كاذب اسمه الحرب على‮ “‬داعش‮” ‬لم تأت بجديد قد‮ ‬يحمل المشككين بشأن هوية‮ “‬داعش‮” ‬على تغيير الموقف من هذا الكيان،‮ ‬الذي‮ ‬تولد بين ظهرانينا في‮ ‬العراق وسورية تحت الرعاية السامية لذو السويقتين أوباما،‮ ‬بل‮ ‬يفترض أن‮ ‬يزيدهم‮ ‬يقينا بأنه حتى لو وجد في‮ ‬صفوف‮ “‬داعش‮” ‬شباب‮ ‬يؤمن حقا بأنه‮ ‬يؤدي‮ ‬فريضة الجهاد،‮ ‬فإن قيادة هذا التنظيم إنما عملت وتعمل حتى الآن تحت إمرة الولايات المتحدة،‮ ‬وأنها في‮ ‬الحد الأدنى قد وفرت لها فرصة للعودة إلى المنطقة بعد الهزيمة في‮ ‬العراق وأفغانستان‮.‬

دعونا نتابع عن قرب وقائع الحملة العسكرية الجارية،‮ ‬والتي‮ ‬التحقت بها حتى الآن قرابة ستين دولة،‮ ‬منها عشر دول عربية دعيت لضمان التغطية والتمويه،‮ ‬ثم توفير التمويل للحملة ليس إلا‮. ‬فحتى الآن وبعد مرور أكثر من شهر منذ بداية القصف اليومي،‮ ‬لا‮ ‬يبدو أن قادة‮ “‬الدولة الإسلامية‮” ‬منزعجون منها،‮ ‬بل كانت نعمة على التنظيم،‮ ‬ساعدته على توحيد الصف مع‮ ‬غريمه الأخطر في‮ ‬سورية‮: ‬جبهة النصرة،‮ ‬كما ساعدته في‮ ‬استدعاء الطابع الصليبي‮ ‬مرة أخرى،‮ ‬يستعين به على تنشيط حالة من التعاطف في‮ ‬الأوساط الإسلامية في‮ ‬العالم الإسلامي،‮ ‬بعد أن كان السلوك الهمجي‮ ‬لـ”داعش‮” ‬قد نفّر كثيرا من المسلمين‮.‬

عملياً،‮ ‬لم تغير حملة القصف شيئا على الأرض،‮ ‬ولن تغير شيئا حتى لو استمرت سنوات،‮ ‬خاصة وأن القوى العظمى المنخرطة فيها قد أعلنت استبعاد تدخل قواتها البرية على الأرض،‮ ‬وتركت النافذة مفتوحة لتدخُّل بري‮ ‬عربي‮ ‬إسلامي‮ ‬مسموح به‮  ‬من دول الخليج وتركيا،‮ ‬لأن المستهدف هم المسلمون السنة،‮ ‬وتحديدا العرب السنة،‮ ‬كما كان الحال في‮ ‬جميع الحروب الإمبراطورية الصليبية التي‮ ‬شنت على المنطقة قبل وبعد‮ ‬2001‮.‬

لقد حق لنا أن نسأل‮: ‬كيف حدث هذا التغيير المفاجئ في‮ ‬الإستراتيجية الأمريكية من دعم علني‮ ‬لا محدود لمفردات الربيع العربي،‮ ‬ولوصول قوى إسلامية إلى السلطة،‮ ‬إلى حرب مفتوحة مشبّعة بالروح الصليبية أكثر مما كانت عليه في‮ ‬زمن بوش الابن،‮ ‬الذي‮ ‬هدّم دولة وطنية مثل العراق قبل تسليمها لمجاميع‮ “‬إسلامية‮” ‬شيعية وسنية،‮ ‬وتواصل الخطة في‮ ‬زمن أوباما بالمساعدة على إسقاط الدولة في‮ ‬ليبيا،‮ ‬ومحاولة إسقاطها في‮ ‬سورية؟

الجواب قد نحصل عليه بالعودة إلى تدبّر ما جرى في‮ ‬مصر من خروج القيادة العسكرية المصرية عن النظام المنظم،‮ ‬وتدبير الانقلاب على الإخوان بدعم خليجي‮ ‬سعودي‮ ‬إماراتي‮ ‬واضح،‮ ‬ليسقط معه مسار الربيع العربي‮ ‬بالكامل،‮ ‬وتسقط كثير من الرهانات التي‮ ‬كان قد رسمها أوباما في‮ ‬خطابه الشهير بالقاهرة عشية اندلاع فعاليات الربيع العربي،‮ ‬وكان‮ ‬يعول على الإسلام السياسي‮ ‬الإخواني‮ ‬لقيادة شعوب المنطقة نحو‮ “‬الاندماج‮” ‬والتنسيق في‮ ‬تنفيذ السياسة الأمريكية في‮ ‬المنطقة،‮ ‬تنتهي‮ ‬بتبريدٍ‮ ‬كامل للملف الفلسطيني،‮ ‬وخلق حالة من السلم حول الكيان الصهيوني‮.‬

سقوط هذا المسار في‮ ‬مصر،‮ ‬وتعثره في‮ ‬سورية،‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يعني‮ ‬سقوط مسار الفوضى الخلاقة،‮ ‬بل حمل الطرف الأمريكي‮ ‬على التسريع بتحريك الخطة البديلة،‮ ‬التي‮ ‬نراها تُنفذ الآن في‮ ‬العراق وسورية عبر توظيف تنظيم‮ “‬داعش‮”‬،‮ ‬الذي‮ ‬هُيئَت له كل الفرص ليتحول بين عشية وضحاها إلى قوة عظمى تخوف بها الدول الخليجية،‮ ‬ويُروَّع بها الرأي‮ ‬العام الغربي،‮ ‬فكان سقوط الموصل ثاني‮ ‬أكبر مدن العراق حدثا لا‮ ‬يُصدق،‮ ‬حتى مع اعتبار ضعف الجيش العراقي‮ ‬إلا إذا قبلنا بفرضية تواطؤ الحكومة الشيعية في‮ ‬بغداد،‮ ‬وخضوعها لأمر جاءها من السيدين‮: ‬أوباما وخامنائي‮.‬

دعونا نذكر أن نفس الحكومة الشيعية في‮ ‬بغداد كانت قد فقدت منذ زمن السيطرة على مدينة الفلوجة ومنطقة الأنبار،‮ ‬ولم تُجبر على طلب التدخل الأمريكي‮ ‬الجوي،‮ ‬وكانت الفلوجة أقرب إلى العاصمة بغداد من الموصل،‮ ‬وكانت بغداد تتعرض‮ ‬يوميا إلى التفجيرات والعمليات الانتحارية،‮ ‬فيما نراها اليوم قد توقفت بقدرة قادر،‮ ‬وكأن أمرا ما قد وجه لـ”داعش‮” ‬بصرف النظر عن بغداد والتوجّه شمالا،‮ ‬كما صرف نظرها عن أربيل وأكراد العراق،‮ ‬لتتفرغ‮ ‬لأكراد سورية‮.‬

بقي‮ ‬أن نتدبر الدور الذي‮ ‬أوكل لإيران وتركيا في‮ ‬هذا المسار الجديد من إدارة الفوضى الخلاقة،‮ ‬والعبث بالعرب السنة بالطول والعرض؛ فقد رفع الحرج عن القيادة الإيرانية باستبعادها من‮ “‬الحرب الكاذبة‮” ‬على داعش،‮ ‬ليس كرها في‮ ‬دولة لا زالت تصنف على مستوى الخطاب كـ‮”‬دولة مارقة‮” ‬لا مانع من التفاوض المريح معها منذ سنوات حول الملف النووي،‮ ‬ولكنها استبعدت لأن الغاية لم تكن إلحاق الهزيمة بـ”الدولة الإسلامية‮” ‬بقدر ما أن هذه الحرب الكاذبة تريد صناعة‮ “‬قوة سنية افتراضية‮” ‬متحكّم فيها من العدم،‮ ‬تُسوَّق كبعبع مخيف مرعب،‮ ‬يحتاج إلى تحالف دولي‮ ‬يشترك فيه ضِعف عدد الدول التي‮ ‬أطاحت بعراق صدام حسين،‮ ‬كيان تسمح الحرب عليه بتخويف الرأي‮ ‬العام الغربي‮ ‬الذي‮ ‬كانت الأزمة الاقتصادية قد بدأت تدفع به نحو الاحتجاج،‮ ‬وخاصة نحو استهداف النخبة الأوليغارشية المالية مثل ما حصل في‮ ‬حركة‮ “‬احتلوا وول ستريت‮”.‬

نحن كما نرى ما زلنا داخل الحرب الكونية التي‮ ‬أطلقها أرباب‮ “‬النظام العالمي‮ ‬الجديد‮” ‬منذ تدبير أحداث‮ ‬11‮ ‬سبتمبر تحت راية كاذبة،‮ ‬والتي‮ ‬أريد لها أن تستهدف آخر معقل معوق لقيام‮ “‬دولة الدجال الأعور‮” ‬قد حددته أدبيات المسيحيين الجدد ومجاميع‮ “‬بيدلبيرغ‮ ‬ـ والتريلاترال ـ ومؤسسات‮ “‬الثينك تانك‮” ‬البحثية التي‮ ‬تعمل لصالح‮ “‬الدجّال‮” ‬حددته في‮ ‬الكيان الإسلامي،‮ ‬مع تخصيص‮ “‬الإسلام السني‮ ‬العربي‮” ‬بالأولوية في‮ ‬المعالجة،‮ ‬وعلى هذا المستوى لم تكن أيّ‮ ‬دولة إسلامية مستهدفة لذاتها،‮ ‬بقدر ما كانت الشعوب العربية السُّنية هي‮ ‬المستهدف في‮ ‬جميع حروب‮ “‬العقب الحديدي‮” ‬وليست هذه الشعوب العربية السُّنية مستهدفة في‮ ‬ثرواتها،‮ ‬ولا في‮ ‬أراضيها،‮ ‬بقدر ما هي‮ ‬مستهدَفة في‮ ‬معتقدها،‮ ‬فلماذا‮ ‬يُستهدف العرب السُّنة دون سواهم وهم على هذا القدر من الضعف والهوان بالمقاييس العصرية للقوة والضعف؟

سؤالٌ‮ ‬يستدرجنا إلى طرح أسئلة فرعية أخرى‮: ‬لماذا لم‮ ‬يُستهدف المسلمون السنة في‮ ‬إندونيسيا‮: ‬أكبر دولة إسلامية سنية،‮ ‬أو باكستان‮: ‬الدولة السنية النووية الوحيدة،‮ ‬أو تركيا‮: ‬الدولة الإسلامية القوية؟ وقبل ذلك ما سرُّ‮ ‬نجاة الدولة الشيعية الإيرانية،‮ ‬مع تهديدها على مستوى الخطاب منذ أكثر من ثلاثين سنة،‮ ‬بل رأيناها تُمنح كل الوقت لاستكمال بناء قوتها العسكرية،‮ ‬فيما رُفع عنها التهديد العراقي‮ ‬الذي‮ ‬حرمها في‮ ‬عهد الشاه كما في‮ ‬عهد الخميني‮ ‬من تهديد الفضاء العربي،‮ ‬ونراها تُمنح اليمن بتواطؤ من الوساطة الأممية،‮ ‬وغفلة أو تواطؤ من سلاطين الخليج؟

أسئلة كثيرة‮ ‬ينبغي‮ ‬لنا أن نحرِّرها بدم بارد لنعلم أين نحن في‮ ‬هذه القصة،‮ ‬وحتى لا نُخدع مجددا بخطاب إسلامي‮ ‬يُصنّع لنا اليوم في‮ ‬المخابر الغربية،‮ ‬ويسوّق له علماء ورجال دين موظفون عند‮ “‬الدجال‮” ‬هم من أفتى للشباب العربي‮ ‬السني‮ ‬في‮ ‬ليبيا وسورية بجواز التحالف مع‮ “‬النيتو المشرك‮” ‬ومع اليهود والنصارى‮ “‬بعضهم أولياء بعض‮” ‬في‮ ‬خروج صريح عن أمر الآية‮ ‬51‮ ‬من المائدة‮: “‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ‮ ‬آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ‮ ‬وَالنَّصَارَى‭_‬‮ ‬أَوْلِيَاءَ‮ ‬‭_‬‮ ‬بَعْضُهُمْ‮ ‬أَوْلِيَاءُ‮ ‬بَعْضٍ‮ ‬‭_‬‮ ‬وَمَن‮ ‬يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ‮ ‬فَإِنَّهُ‮ ‬مِنْهُمْ‮ ‬‭_‬‮ ‬إِنَّ‮ ‬اللَّهَ‮ ‬لَا‮ ‬يَهْدِي‮ ‬الْقَوْمَ‮ ‬الظَّالِمِينَ‮” ‬وهم نفس العلماء الذين أفتوا بأصالة الجهاد في‮ ‬سورية ضد الدولة‮ “‬النصيرية‮” ‬قبل تحريم الجهاد تحت راية داعش والنصرة‮ “‬السنيتين‮”.‬

وفي‮ ‬الجملة ماذا‮ ‬يريد‮ “‬الدجال الأعور‮” ‬من المسلمين بالجملة،‮ ‬ومن المسلمين العرب السنة تحديداً؟ الأجوبة عن هذا السؤال وعن الأسئلة السابقة لن نعثر عنها في‮ ‬ما‮ ‬يُتداول من أحداث ومواقف وتحليلات في‮ ‬الإعلام العالمي‮ ‬الخاضع بالكامل لسيطرة الدجال،‮ ‬ولا في‮ ‬ما تجترّه بعض النخب العربية والإسلامية،‮ ‬التي‮ ‬تنكّرت لتراثها الثقافي،‮ ‬ولدروس التاريخ،‮ ‬وما حصل فيه من مواجهة مستدامة مع أعوان الدجال من الغرب التلمودي‮ ‬المسيحي،‮ ‬وأعطت ظهرها لما ورد في‮ ‬كتاب الله وسنة رسوله من تحذيرات،‮ ‬ومنها هذا التنبيه العجيب في‮ ‬الآية‮ ‬51‮ ‬من المائدة،‮ ‬الذي‮ ‬استشرف لنا حالة من التحالف بين اليهود والنصارى لم تكن موجودة لا في‮ ‬زمن نزول القرآن الكريم،‮ ‬ولا في‮ ‬زمن الحروب الصليبية الأولى،‮ ‬ولا حتى في‮ ‬صدر العصر الاستعماري،‮ ‬لكنها ظهرت مع بداية سفور وجه الدجّال بداية القرن العشرين،‮ ‬والتأسيس لتوليد دولة بني‮ ‬إسرائيل في‮ ‬وعد بلفور،‮ ‬الذي‮ ‬ينسى الجميع أنه كان رسالة وُجّهت للصيرفي‮ ‬اليهودي‮ ‬روكفلر وليس للقائد الصهيوني‮ ‬وايزمان،‮ ‬وأنه‮ ‬يتعين علينا اليوم الالتفات إلى ما‮ ‬يُدبر للكعبة المشرفة من مسخ عمراني،‮ ‬وتأسيس للعرش الماسوني‮ ‬الذي‮ ‬سوف‮ ‬يجلس عليه الدجّال على عتبة الكعبة،‮ ‬قبل القلق على المسجد الأقصى المهدّد بالهدم قبل حلول سنة‮ ‬2017؛ تاريخ احتفال بالعيد السبعين لميلاد دولة بني‮ ‬إسرائيل وموعد حلول‮ “‬المشيخ‮” ‬التلمودي‮ ‬الاسم الآخر للدجال الأعور‮. ‬

مقالات ذات صلة