الرأي

الشاذلي‭..‬‮ ‬العلبة‭ ‬السوداء‭! ‬

جمال لعلامي
  • 5209
  • 8

عندما اندلعت أحداث الخامس أكتوبر 88، كان المحتجون والغاضبون عبر الشوارع، يرفعون مطالب اجتماعية بحتة، لها علاقة مباشرة بالقدرة المعيشية و”الخبزة” وارتفاع الأسعار، لكن هبّت الرياح عكس التيار، وتمّ الإعلان عن وأد مرحلة الحزب الواحد وإقرار تعددية حزبية وديمقراطية،‭ ‬اتضح‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد،‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬توكل‭ ‬الخبز‭!‬

وفجأة، التفّ عدد غفير بالرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، فأُطلق عليه تسمية “أبو الديمقراطية”، لأنه كان عرّابها وموقـّع شهادة ميلادها، في مرحلة كانت محرجة سياسيا ومزعجة اقتصاديا، بسبب تغوّل الحزب الحاكم وتنامي الديون الخارجية وبداية ظهور الطوابير بأسواق الفلاح‭ ‬وسط‭ ‬ندرة‭ ‬مثيرة‭ ‬لأهم‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية‭.‬

المسمار الذي دقـّه العقيد بن جديد في تابوت الحزب الواحد، أكسبه مساندين ومتعاطفين ومتضامنين، كرهوا من فترة الحزب الواحد الأحد الذي لا شريك له(..)، لكن ميلاد ما لا يقلّ عن 60 حزبا، دون سابق إنذار، وخروج بعضها من النشاط السرّي إلى العلني، لم يكن بعد ذلك بردا وسلاما‭ ‬على‭ ‬الجزائر‭!‬

حتى وإن سجّل البعض، مآخذ وسلبيات، على خليفة الرئيس الراحل هواري بومدين، فإن مباغتة الجزائريين بتعددية سياسية وإعلامية، ورفع المناديل والأشرطة التي كانت تكمّم الأفواه، ومباشرة “إصلاحات” اضطرارية أعقبت ما يُسميه اليوم متابعون بـ”الربيع الجزائري” في الخامس أكتوبر‭ ‬88،‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬وسّع‭ ‬دائرة‭ ‬المنخرطين‭ ‬في‭ ‬صفّ‭ ‬الشاذلي‭ ‬بن‭ ‬جديد‭!‬

من الطبيعي أن يتفوّق أصدقاء الشاذلي على “أعداء” بن جديد، ومن البديهي أن ينتصر أنصار “الرئيس الطيّب” على خصوم رئيس اتهمه البعض بكسر انجازات بومدين، اقتصاديا وديبلوماسيا، لكن طيبة العقيد أسكتت الأصوات الرافضة لسماع صوت رئيس يقول عنه جيله انه ليس ككلّ الرؤساء‭!‬

بساطة بن جديد، الرئيس الوديع والأنيق، جعلته في نظر محبّيه والعاملين معه، عملة نادرة، وعلبة سوداء، وتشاء الأقدار، أن يرحل “عرّاب السوسيال” مثلما يُلقبه البعض، قبل توقيع مذكراته لجيلين مختلفين ينتظران بشغف الأسرار وخبايا التاريخ وخفايا السلطة التي سيسلط الشاذلي‭ ‬الأضواء‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬مذكراته‭ ‬التي‭ ‬أرجأ‭ ‬الإفراج‭ ‬عنها‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬الفاتح‭ ‬نوفمبر‭.‬

مات الشاذلي، تاركا وراءه جملة من التساؤلات والألغاز، وهذه واحدة من مصائب الجزائر، أهمّ “العلب السوداء” ترحل في صمت، دون أن تفتح نفسها، أو تسمح لغيرها بأن يفتحها ليضع النقاط على الحروف ويُنهي مسلسل التأويلات والتخمينات والأحكام المسبقة!

المؤلم والمؤسف، أن الرعيل الأول لجزائر الثورة والاستقلال، بدأ يرحل الواحد تلوى الآخر، لتسقط الحبّات من سبحة تظل تصنع الحدث، لكن “واجب التحفظ” مازال يقتل تأريخ الأحداث وأرشفتها، حتى لا تضيع الحقائق ويختلط الحابل بالنابل والأبيض بالأسود!

من الطبيعي أن يُصدر الجيل الجديد أحكاما ومحاكمات، طالما أن الجيل القديم أطفأ الأنوار على الشخصيات الوطنية وعاقبها بالتعتيم والصمت، وفي الكثير من الأحيان بالتضليل والتغليط، وتزييف الوقائع، وهذه هي الطامة الكبرى يا جماعة الخير!

رحم الله الشاذلي وأسكنه فسيح جنانه، وهو من قال ذات يوم: “لقد خيّرت بين المنصب والضمير، فاخترت الضمير”.. فمن الإنصاف إذن أن يجد صاحب الضمير الحيّ، محبّين وموّالين وأوفياء، حتى وإن كان إرضاء الناس غاية لا تدرك!

مقالات ذات صلة