“الشروق” ترافق الدرك في اقتحام “الكباريهات” بڤالمة وتنقل حقائق مثيرة
لالا رعدية.. جيجي.. فيفي.. سوسو وأخريات.. فتيات اخترن عالم الرقص والتبراح، والرشق بأموال “البڤارة” وأصحاب “الشكارة” في كباريهات “القصبة” بولاية ڤالمة، كل واحدة تحوز على بطاقة مهنية، وتضمن وسيلة نقلها وأجرة كراء بيتها، تعلمن لغة الأرقام التي فرضت نفسها ولا وجود للمشاعر، فالأولوية لمن يدفع أكثر، لا يهمها سنه ولا جنسيته، المهم ما في جيبه لتسدد الضريبة التي فرضها صاحب الملهى، ولمن حظيت بأحد أصحاب الجاه فهي مجبرة على إمضاء الليل بطوله في رقص وخمور ودعارة وخلاعة ومنكرات، لكن لكل واحدة حكاية.
.
12000 أجرة شهرية.. وما خفي أعظم
الساعة كانت تشير إلى تمام التاسعة والنصف ليلا، عندما اصطفت سيارات رباعية الدفع تابعة للدرك الوطني أمام مقر إقامتنا بحمام “شهرين” بڤالمة، امتطينا إحدى المركبات التي كان فيها قائد المجموعة الإقليمية لدرك ڤالمة المقدم ڤانة بن عودة، انطلقنا باتجاه الملاهي والكباريهات المنتشرة في المنطقة، وكانت وجهتنا الأولى ملهى ليلي يبعد عن وسط المدينة بحوالي 2 كلم، ترددنا في البداية الدخول إلى المكان، إلا أن فضولنا من جهة، ورجال الدرك الذين كانوا رفقتنا وبالتالي حمايتنا جعلنا نكتشف عالما تدمع له العين وتقشعر له الأبدان…
فتيات لا تتعدى أعمارهن 25 سنة، في غاية الجمال، كن يرتدين لباسا شفافا وجينز لاصق على أجسادهن.. تقربن إلى إحداهن تدعى مريم، عصفت بها الرياح، وقذفت بها ملاهى ڤالمة وعمرها لم يتجاوز الـ20 ربيعا، هجرت الفقر والحرمان ودفء الأبوة، فرت من سيطرة وتسلط زوج الأم، كانت تطمح أن تجد المستقبل الرغد، لكن سرعان ما تحولت أحلامها إلى كابوس مرعب دمر حياتها ومعنوياتها في أول يوم حطت الرحال في مدينة ڤالمة، إذ تعرفت على شاب وسيم، يملك سيارة أجرة أمضت طيلة النهار برفقته وأطلعته على أسرارها ورغبتها، لتغرب شمس ذلك اليوم المشؤوم تقول “مريم”، حيث تحول ذلك الملاك البشوش إلى ذئب مفترس، قام باغتصابها بالقوة وأفقدها أعز ما تملك بنات حواء.. وأصبحت تعمل كنادلة مقابل 12000 دج في الشهر إلى جانب ما يعرف بـ”بقشيش التكريمة” أو ما يصطلح بـ”بور بوار” في ذلك الملهى، وما خفي كان أعظم.
.
“لالا رعدية” تصطاد الراقصات… والأرباح 30 مليونا في ليلية واحدة
وجهتنا الموالية، كانت على بعد 10 كلم عن الملهى الأول، إلا أن هذه المرة الأوضاع تدحرجت إلى أسفل السافلين، فالملهى يشبه إلى حد كبير إسطبلا للحيوانات، فهو بطبيعة الحال مخصص لأصحاب الشكارة، وهو الشيء الذي وقفنا عليه بمجرد أن وطئت أقدامنا المكان.. إنه ملهى تقليدي أو ما يسمى “القصبة”، تعالت فيه أصوات “التبراح” الممزوج بالدف، الراقصات كن بلباس تقليدي شفاف مفتوح من الجانبين، يشبه أثواب الراقصات المصريات، الجميع كان ينتظر بشوق بدء العرض للاستماع، وعندما دقت الساعة بدأت المنافسة بين أصحاب “الشكارة” و”البڤارة” على دفع الأموال لراقصات تفنن في رقص جميع الطبوع.
تقربنا من إحداهن تدعى “لالا رعدية”، المعروفة باسم “الباترونة”، كونها هي التي تصطاد المومسات والفتيات وتقوم برسم الجنة لهن فوق الأرض وحديقة من الورود فوق ناطحة السحاب، “لالا رعدية” 42 سنة، أم لشاب يبلغ من العمر 20 سنة، تورط في قضية مخدرات جرته إلى السجن وحكم عليه بـ 10 سنوات، وأم لشابة انتهجت طريق أمها، لكن اختارت ملاهي “الهاي كلاس”، تحدثنا إلى “لالا رعدية” وأعطت مبرراتها والدوافع التي جعلتها تلتحق بالرقص في الكباريهات، وقالت لنا “أنا مكلفة بالتوظيف وجلب الفتيات والتنسيق بينهن وبين المعلم، والأموال التي نجنيها من الرقص نتقاسمها، فضلا عن “البقشيش” الذي يدفع إلى كل واحدة عند تقديم الخمر لأصحاب الطاولات”.
وعن المبالغ المالية التي يتم جنيها خلال ليلية واحدة، قالت “لالا رعدية” أنها تصل في بعض الأحيان إلى 30 مليون سنتيم عندما يكون الناس “بوكو تيكي” على حد تعبيرها.
وقبل أن نغادر المكان تحدثنا إلى المعلم المدعو “ز” الذي أعطى لنا حوصلة شاملة عن ظروف العمل في الملهى التقليدي المعروف بـ”القصبة” وملهى “الراي”، حيث أكد لنا أنه يحوز على جميع الوثائق والترخيص الذي يسمح له بمزاولة نشاطه، كما أن جميع الفتيات اللائي يعملن معه لديهن بطاقات مهنية، كما تتقاضى كل واحدة منهن مبلغ 12000 دج في الشهر فضلا عن الأموال التي تجمعها من هنا وهناك، أي المبالغ التي تحصدها من “التكريمة”، بعد تقديمها لقارورات الخمر والويسكي لقاصدي الملهى، وكذا المبالغ المالية التي يتم جمعها من “الرشقة”. وأضاف محدثنا أنه يحصل على نسبة 30 بالمائة من الأموال التي يجمعها كل ليلة و70 بالمائة تتقاسمها الراقصات فيما بينهن.
.
حج إلى بيت الله مرتين.. وقاعدته بعد العشاء “افعل ما تشاء”
وقفنا بملهى في مدينة ڤالمة، صاحبه أدى فريضة الحج مرتين، ولا يفتح ملاهيه المنقسمة إلى ملهى “الراي” وكباري تقليدي معروف بـ”القصبة”، إلا بعد أن يصلي المعروف بالحاج صلاة العشاء، أما رمضان فلا نقاش عن فتح الأبواب للسكارى والراقصات، فهو بالنسبة له شهر التوبة والغفران.
الساعة كانت تشير إلى الساعة الثانية عشرة ليلا، عندما وصلنا إلى المنار. كان في استقبالنا المعروف بـ”الحاج”، أدينا التحية ورد علينا بتحية الإسلام.. والأصوات الصاخبة الممزوجة بالكلام الساقط تنبعث من الملهى… سألنا الحاج كيف حجيت إلى بيت الله الحرام مرتين ولا تفتح ملاهيك إلا بعد صلاة العشاء، ليتهجم عيلنا بوجهه العابس المحمر ويقول “أنا أطبق قاعدة شوية للدنيا وشوية للآخرة”! دخلنا مع الدرك ورفقة “الحاج”، إلى كباريه “القصبة”.
.
كل الطرق تؤدي إلى روما عند الراقصات
..حكاية “جيجي” لا تكاد تختلف عن حكاية غيرها ممن أمكن لنا الحديث إليهن إلا في بعض التفاصيل، ولو أن الكذب واختلاف المبررات يكاد يكون السمة المميزة لمعظم هذه الحكايات.. فما من امرأة أو فتاة تحدثنا إليها إلا وسارعت بارتداء ثوب الضحية باستثناء البعض منهن أمثال مريم التي لم تتردد في القول بأنها اختارت حياة الليل عن قناعة تامة.. وهي تحياها منذ أن كان عمرها تسع عشرة سنة.. عندما صارت تتردد على الملاهي الليلية في غياب والدها المهاجر بفرنسا والذي لا يعود إلا مرة كل سنتين.