الرأي

الشر السائل… ابتسامات الشر في زمن الانكسارات العربية!

هذا المقال هو امتداد لسلسلة “مقالات السيولة” التي نحاول من خلالها قراءة أفكار زيغمونت باومان في علاقتها بالتحولات الراهنة، وكيف أن مفهوم “السيولة” ليس مجرد استعارة فكرية، وإنما عدسة تكشف هشاشة عالمنا، وتعرّي أشكال السيطرة والهيمنة الجديدة التي تتخفى خلف واجهات لامعة ووعود براقة. كتاب “الشر السائل”، الذي ألّفه باومان بالاشتراك مع ليونيداس دونسكيس، ليس كتابا عن الشر كما تخيلناه في الكتب المقدسة أو الحكايات القديمة، ولكنه محاولة لفهم كيف يطلّ الشر في زمن الحداثة المتأخرة، وكيف يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية بعدما فقد صلابته القديمة.

فإذا كان القرن العشرون قد عرف شرا “صلبًا” في هيئة أنظمة شمولية، ومعسكرات إبادة، واستعمار دموي، فإن زمننا يعرف شرا من نوع آخر، شرا أكثر مرونة، يتسرب مثل الماء، يتخفى في لغة السوق، في واجهات التكنولوجيا، في ابتسامات السياسيين، في تفاصيل استهلاكنا اليومي، بحيث نصبح نحن أنفسنا مشاركين في إنتاجه من حيث لا ندري.

ولعلنا في العالم العربي ندرك هذا المعنى حين نتأمل أشكال الشر التي أحاطت بنا في العقود الأخيرة: حروب بلا نهاية تُدار أحيانا عن بُعد، بضغطة زر تُمحى قرية كاملة من دون أن يعرف من نفّذ الهجوم ملامحها أو أسماء أبنائها ولا يسمع صرخات أطفالها وهو الحاصل في غزة الأبية؛ أنظمة سياسية تتفنن في تزيين خطابها بلغة الديمقراطية بينما تحاصر المجتمع بصمت، تراقب أنفاسه عبر كاميرات أو قوانين الطوارئ؛ إعلام يختلط فيه الدم بالفرجة، حيث تتحول صور اللاجئين الغارقين في المتوسط أو النازحين في المخيمات إلى لقطات عابرة تثير الحزن ليوم واحد ثم تُدفن تحت أخبار الرياضة والفن والموسيقى، والفرح والمرح !!

إن الشر السائل عند باومان ليس وحشا أسطوريا يخرج من الظلام، ولكنه الاعتياد الجماعي على المأساة، هذا التواطؤ الهادئ مع القبح، وهذه القدرة المدهشة على التعايش مع ما لا ينبغي التعايش معه، هنا تستحضر الذاكرة تحليلات حنة أرندت عن “تفاهة الشر”، إذ يصبح الشر فعلا عاديا، مجرد تنفيذ روتيني لأوامر، أو موافقة سريعة على “شروط الاستخدام” التي لا نقرأها، أو شراء لسلعة رخيصة ندرك ضمنيا أنها صُنعت باستغلال أيادٍ فقيرة.

في مجتمعاتنا العربية، يظهر هذا الشر السائل حين نرى كيف تُبتلع القضايا الكبرى في لغة إعلامية جافة، وكيف يتم تسويق الفقر على أنه “قدر” بتواطئ مع سلطة المقدس، لا على أنه نتاج سياسات اقتصادية، وكيف تتحول الكراهية إلى خطاب عادي يُبث عبر الشاشات وصفحات التواصل..إن ما وصفه باومان بأنه “شر مبتسم” نراه يوميا في الواجهات البراقة لمشاريع تُقام على أنقاض أحياء فقيرة، أو في مؤتمرات التنمية المستدامة التي تُقام فيما يُلوّث الهواء والماء بلا توقف.

البيئة مثال آخر على ذلك، فالتغير المناخي لا يبدو كحرب صريحة، ولا يمكن أن نحدد عدوا واحدا نوجّه إليه أصابع الاتهام، لكننا نرى آثاره في موجات الحرّ القاسية التي تضرب مدننا العربية، في العطش الذي يهدد قرى بأكملها، في التصحر الذي يزحف على الأراضي الزراعية..هنا الشر ليس مدفعا ولا قنبلة، ولكنه سياسات استهلاك عمياء ولامبالاة متراكمة، تدمر المستقبل بصمت.

غير أن أخطر ما في هذا الشر هو أنه لا يأتي من “الآخر” فحسب، وإنما يسكن فينا نحن أيضا، في صمتنا، في تقبلنا التدريجي للألم، في انحنائنا أمام واقع يقال لنا إنه “طبيعي”، وكما يذكّرنا باومان، فإن مواجهة هذا الشر لا تكون بضربة قاضية، وإنما بالوعي، بالصبر، بالتفاصيل الصغيرة التي تُحدث فرقا: أن نرفض خطاب الكراهية ولو بكلمة، أن نختار منتجا لا يستغل الضعفاء، أن نتضامن مع المظلومين ولو بإيماءة إنسانية..أن نرفض الشر، كل الشر، بكل أشكاله وصوره.

إن “الشر السائل” ليس قدرا محتوما، لكنه حاضر في حياتنا اليومية، يتغذى من لامبالاة الناس، ومن قدرة السلطة والسوق على إخفاء القبح تحت واجهات براقة، وما لم ننتبه إلى ذلك، سيظل يتسرب إلينا كما يتسرب الماء إلى كل الشقوق، أما إذا اخترنا أن نرى ونعي ونقاوم، ولو في أبسط تفاصيل حياتنا، فإننا نستطيع أن نكسر دوائر هذا الشر، ونمنحه وجها حتى يمكن مواجهته.

مقالات ذات صلة