الرأي

الشعراء العرب يردّون على حاكم الشارقة

عثمان سعدي
  • 8697
  • 24

حملت الأنباء تصريحا خطيرا للشيخ سلطان محمد القاسمي حاكم الشارقة، يزعم أن ديغول هو الذي منح الاستقلال للجزائر، وقد رد عديد الكتاب والصحافيين الجزائريين والعرب على هذا الزعم. وبيّنوا له أن الجزائر حققت استقلالها بفضل مليون ونصف مليون شهيد، وأن ثورتها هي التي فرضت على ديغول أن يرضخ ويجري المحادثات مع قادة الثورة ويعترف بشروطها في وقف القتال والاعتراف باستقلال الجزائر.

ويبدو أن الشيخ سلطان محمد القاسمي الذي تولى الحكم لدى استقلال الشارقة سنة 1972 لم يكن مطلعا على أحداث ثورة الجزائر، وأنا على يقين أن المؤرخين في الشارقة نفسها لا يوافقون على ادِّعائه.

وقد عدتُ لكتابي (الثورة الجزائرية في الشعر العربي) الذي يقع في ثلاث مجلدات من ألفَيْ صفحة، عن العراق وسوريا والسودان في طبعته الثالثة من طرف وزارة الثقافة، حيث ضم 181 شاعر وشاعرة نظموا 468 قصيدة عن ثورة الجزائر، تمكنتُ من جمعها في أثناء عملي كسفير بالعراق وسوريا في السبعينيات من القرن الماضي. وأكّدتُ بأن العرب هم من دعموا ثورتنا بالمال والسلاح، وأن الشعراء العرب هم الذين غنّوا أحداثها المجيدة. فأبين كيف هاجم الشعراء ديغول ووضحوا أنه هُزم من ثورة الجزائر.

1ــ يقول صبري الحمداني العراقي مذكرا ديغول بهزيمة فرنسا من الألمان، وموضحا أن أحداث الثورة الجزائرية يعجز أي شاعر عن الإلمام بأحداثها، وأنها أيقظت تاريخ العرب من نومه:

       ديغول يا أعمى البصيرة والحِجا    وأحطَّ من لفظ الزمان وقاءَا

       أرضُ الجزائر للجزائر لم يجــــد      فيها الفرنسيّ الخبيثُ رداءا

       سل عنه باريس يوم تَحشَّدَ الأ      لمانُ يُطبق حولها الأرجاءَا

       ويصبّ من علياءِ (إيفلَ) فوقها      حِمَمًا تُذيقُ قطينَها الأوباءَا

       إيهِ فتى وهرانَ يا ترنيمةً             صيغتْ بأسماء الخلودِ حُداءَا

       يا موقظَ التاريخ من غَفواته           توفيه من أبنائكَ الأبناءَا

       وتخُطُّ بالقاني النجيعِ ملاحمًا         أعجَزْتَ دون بلوغها البُلَغاءَا

       وأشدتَ للأجيال بعدك مرْصدًا         يتَرصَّدُ الحرية الحمراءَا

2ــ والشاعر عبد الزهراء عاتي العراقي يخاطب الشعب الجزائري فيقول:

       تقدَّم فالكفاح هو السبيــــــــــــــــــــــل ُ    وسرْ فالدَّربُ غايته الوصولُ

       وكُنْ مَثَلَ النضال فأنت شعبٌ    غداةَ الرَّوْعِ ليس له مَثيــــــــــــــلُ

       وحرِّرْ من طغاة الأرضِ أرضًا    تَحكَّمَ في الرِّقابِ بها دخيلُ

       ولا تسْمعْ (لديغولَ) مقـــــــــــــــــــــالا     فحدُّ السيف أصدقُ ما تقولُ

3ـــ والشاعر عبد الصاحب الموسوي العراقي يقول إن ديغول وجد نفسه محاطا برعود الجزائر التي حسمت مصيره الذي هو الهزيمة، وأن ثورة الجزائر قربت استقلال الكثير من الشعوب:

       زمجري يا رعودُ في أفُقِ (ديغولَ) وهزي بوارجَه والقلاعا

       هو هذا المصيرُ يا لِصَّ باريسَ فهيِّءْ للمصير متاعا

       كم صرعنا سواكَ في ساحة الموت فهيّا إذا أردتَ صِراعَا

       الملايين يا رئيسَ العصاباتِ ستُلقي الرّدى إليكمْ مشاعَا

       نحن يا صانعَ الظلامِ صباحٌ زحفتْ نحوها الشعوبُ سِراعَا

“العرب كلهم مشرقا ومغربا مؤمنون أن الجزائر انتزعت استقلالها انتزاعا، وأنها بعد هزيمة العرب في فلسطين سنة 1948 برهنت أن العرب قادرون على تحقيق النصر على أكبر قوّة عسكرية إذا تحققت القيادة السليمة والإرادة الصادقة. بهذا نرد على حاكم الشارقة. وليكن ما قدَّمنا من أقوال ثلاثة عشر شاعرا من المشرق العربي عبرة له.”

4ـــ وعبد الكريم الدجيلي العراقي في قصيدة عنوانها ديغول يقول فيها إن الثورة هزمتْه:

       ديغولُ فاتَ الأمرُ واندحـــــــــــــــرتْ   رِجْعيةٌ وانجابَ كل خَفيِّ

       وتبدلتْ نُظُمٌ بحيث هـــــــــــــــــــــــــوتْ    دنيا الشعوبِ بكل مُعتسف

       (ديغولُ)، عملاقُ الشعوب صحا   وأُديلَ حكمٌ كان للصُّدَفِ

5ـــ وعبد الله الجبوري العراقي يقول إن جيش ديغول مهزوم من أسود الجزائر، وأن قلوب العرب جميعا تنزف في الجزائر، وأن أمة العرب منتصرة بثورة الجزائر:

       يا جيشَ (ديغولَ) فهل    نسيتَ ما في الكُتُبِ؟

       فاللَّيْثُ في عرينــــــــــــــــه     يَشْحَذُ حَدَّ المِخْلــــــــــَبِ

       يا زُمْرَةَ (السّينِ) لقــــد     أدْميْتِ قَلْبَ العَـــــــــــرَبِ

       يا أمّتي لا تهِنـــــــــــــــي      نور الهُدى لم يغرُبِ

6ـــ ومحمد الصغير الشيخ العراقي يقول انتصارات الثوار على ديغول يعجز الشعر عن التعبير عنها:

       قد سنَّ ديغولُ الأذى لا    يُرتجى له صدًى مكابرْ

       وهناك ما لا يستطيــــــــع     بسبْكه في النَّظْمِ شاعرْ

7ـــ ومحمد علي اليعقوبي العراقي يحيي الأبطال الذين هزموا ديغول وجيشه الجرار والحلف الأطلسي، وسجلوا ثورة ستكون خالدة عبر العصور، والدم الذي سال هو دم العروبة:

       حيِّ تلك المواقفَ الغُرَّ خَطَّتْ    في جبينِ العُلا سِجِلاًّ أغرّا

       قد أطاشتْ حُلْم باريسَ رُعبـــــــًا     وأطارتْ فؤادَ (ديغولَ) ذُعْرًا

       تدَّعي (السِّلم) وهي تدعو إليه    وتزجُّ النفوسَ للحرب قَسْرا

       يوم ساقت جحافِلَ ليس تحصىَ     لكَ مِلْءَ الجهات برّا وبحرا

       وآزَرتْها القُوى بكل ســـــــــــــــــــــــلاحٍ      في الثَّرى تارةً وفي الجو أخرى

       أوقدتها على الجزائرِ حربـــــــــــــــــا      طاح فيها دم العروبة هدْرا

       ثورةٌ لقنت فرنسا دروســـــــــــــــــــــــــــًا       عِبَرًا للدهور تبقى وذِكرى

       سوف يُطوى عمْرُ الزمان ويبقى     ذِكرها بالثناء يعْبَق نثرا

وفي قصيدة أخرى يقول نفس الشاعر

       تَعجُّ الجزائرُ مما جنت           فرنسا و(ديغولُ) جزّارُها

8ـــ ومرتضى محمد الوهاب العراقي يصف ديغول بالتافه الهرم

       من الصفاقة إرغام البلاد على    تأييد (ديغولَ) التافه الهَرِمِ

9ـــ والشاعر هادي كمال الدين السيد العراقي يذكّر بمليون شهيد الذين هزموا ديغول، ويقول أنه قرأ جمال ثورة الجزائر في وجه زهرة ظريف وجميلة بوحيرد، مبيّنا أن العرب يتابعون أحداث الجزائر وأبطالها نساء ورجالا

       حيِّ الجزائرَ حيِّهــــــــا     حيِّ الرجولةَ والبطوله

       ضحت بمليونٍ لأجــ    ــل العز تضحيةً جليله

       (ديغولُ) لم يقدرْ عليــ   ـــها في مدافعه الثقيله

       أعطت فرنسا خير در   س في البَسَالة والرجوله

       إيمانها أمضى سلا     حًا ، لا صوارمها الصقيله

       في ثورةٍ عربيــــــــــــــةٍ       كالموت، صورتها مَهوله

       إن الجزائرَ حيّةٌ          ليست من الأمم الجهوله

       إذْ للجزائر في الجما      لِ صحيفةٌ جاءت طويله

       ولقد قرأت فصولهــــا       في وجه زهرةَ وجميلـــــــــــه    

10ـــ والشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري يصف فرنسا بالعاهرة التي تمارس الرذيلة وصورة المسيح فوق سريرها

       ولصٍّ يجوس خِلال الديا    ر في بِزَّةِ الأفقـــــــــــــــــــه الأورعِ

       ومستذئبٍ يستميل الرعاةَ    لتلجأ منه إلى مفــــــــــــــــــــــــــــــــزع

       لك الويلُ فاجرةً علّقــــــــتْ     صليبَ المسيح على المِخْدَع

       تهدِّمث بَسْتيلَ في موضعٍ   وتبني بساتيلَ في موضع

   وفي قصيدة أخرى قالها بمناسبة اختطاف طائرة الزعماء الجزائريين الخمسة، فيقول إن الجزائر صارت أسطورة تلبس الأهوال لونا جميلا، وأن الأمة العربية أبدعت في ثورة الجزائر

       جزر المغرب يا أسطورةً     تُلبس الأهوال لونا ممتعا

       الأذى تدفع عنه بالرّدى      طاب أسلوبا لها مبتدعا

       أمة سوف تري خالقها        أنها قد خلقت كي تبدعا

11ـــ والشاعر السوري أحمد علي حسن يصف ديغول بالأحمق ويذكره أن حوادث 8 مايو أيار 1945 جرت تحت أوامره، فمايو أيار انتقم له مارس آذار شهر انتصار الثورة

       إن بكنْ (أيّارُ) قد روّعهـــــــــــــــا     فهي في (آذارُ) عِطرٌ وَوُرودُ

       كادها الأحمق، فانصبّت على    رأسه، وهي بروق ورعـــــــــــــــود

  12ــ والشاعر السوري رشاد علي أديب يقول إن الجزائر انتزعت استقلالها ووقفت الإنسانية كلها مبهورة لتضحياتها

       وانتزغتِ استقلالكِ نزْعا     وبهرتِ الأنام بالعزم بهرا

13ـــ سليمان العيسى السوري يخاطبت تمثال الأمير عبد القادر فيقول إنه يستمد عروبته من حافر جواد الأمير ومن أبطال ثورة الجزائر، وأن ثورة الجزائر أعادت العز للعرب

       يا فارس الساحة السمراء، يا فرسا

       يجوب روحي، يهز القبر في حرد

       أريد حافرَك الغضبان يمنحني

       هويتي، كدت أنساها إلى الأبد       

الخلاصة:

العرب كلهم مشرقا ومغربا مؤمنون أن الجزائر انتزعت استقلالها انتزاعا، وأنها بعد هزيمة العرب في فلسطين سنة 1948 برهنت أن العرب قادرون على تحقيق النصر على أكبر قوّة عسكرية إذا تحققت القيادة السليمة والإرادة الصادقة. بهذا نرد على حاكم الشارقة. وليكن ما قدَّمنا من أقوال ثلاثة عشر شاعرا من المشرق العربي عبرة لحاكم الشارقة، لكي يتراجع عن أقواله المهينة للشعب الجزائري والمزيفة للتاريخ.

مقالات ذات صلة