الشعوب المُذنِبة والحُكَّام الأبرياء!
بسرعةٍ فائقة يتمّ اتهام الفئات الشعبية وخاصة الفقيرة والمسكينة منها، بأنها سبب كافة الشرور والمصائب، هي سبب التخلف الاقتصادي لأنها تريد أن تستهلك ولا تُنتج، وهي سبب الفوضى السياسية لأنها لا تريد أن تنتظم في الصف وتؤيد الزعيم أو القائد أو السلطان، وهي سبب تلوث البيئة لأنها لا تحترم أوقات وأماكن رمي القمامة، وهي سبب أزمة السكن والاكتظاظ في المدارس والمستشفيات لأنها هي التي تتزوج مبكرا وتُنجب كثيرا، وأخيرا هي السبب في سقوط الأعداد الكبيرة من الضحايا عند رمي الجمرات لأنها انتظرت طول العمر لتذهب إلى البقاع المقدسة وعندما وصلتها لم تعرف كيف تَسِير، وتدافعت على غير هدي إلى أن قتلت نفسها بنفسها.
الفئات الشعبية هذه، وخاصة الفقيرة منها والبائسة، هي التي تفعل بنفسها ما تفعل، بل حتى الحُكام المستبدين هي من تَصنعهم، وبراءة تامة لأجهزة المخابرات، هي مَن تتزلف وتَخنع وتتلطف للحاكم البريء بطبعه إلى أن يغدو جبارا لا يعترف بأحد، هؤلاء الفقراء البسطاء هم السبب..
أما الحُكَّام، فهم أتقياء أبرياء من كل ذنب، هم وحاشيتهم المقرّبة غير متسببين في كل هذا بجميع المقاييس، مُحيطهم لطيف وأجواؤهم نقية وحدائقهم غَنَّاء، لا يمكنهم أن يكونوا أبدا سببا في تلوّث البيئة أو انتشار القمامات، هم وحاشيتهم ما فتئوا يحثُّون هذه الشعوب لكي تشتغل وتَنفض عن نفسها الغُبار، ولكن لا حياة لمَن تُنادي، هم وحاشيتهم لم يتوقفوا على إصدار الدساتير والتشريعات لكي ينتظم الناس ويحترموا القانون، ولكن هؤلاء أَلِفُوا الفوضى ولا قِبَل لهم بالنظام.. هؤلاء الحُكَّام هم بحق أبرياء، ولم يكونوا ليبقوا يوما إضافيا في الحكم لولا هذا الرجاء من الفئات الشعبية الواسعة ليَبقوا، ولولا هذا الوَفاء المنقطع النظير للزعيم والسلطان والأمير.. وحاشى لله أن يؤذوا أحدا في البقاع المقدّسة لأن طريقهم خاص وأجنحتهم خاصة وتوقيت مناسكهم مضبوطٌ بالدقيقة والثانية، فكيف يتسببون في مقتل المئات من الحجاج وهم من لا يُحتكُّ بهم أبدا؟…
نعم هي ذي الحقيقة اليوم، الشعوب مُدانة والحُكَّام أبرياء، حقيقة أكاد أكون من أنصارها، لو لم تقف أمامي نماذج حيَّة من الصين إلى ألمانيا إلى ماليزيا وإندونيسيا، حيث كان للحُكَّام والنظام السياسي المُتَّبَع بحق الدور الكبير في إعادة بناء الدول وتربية الشعوب، أَلَمْ يكن نصف شعب ألمانيا ذات يوم من أسوأ الشعوب قبل أن يعرف “شرودر” و”ميركل” والنظام السياسي الصحيح؟ ألا يكفي هذا لنعرف طريق الأمل؟