الجزائر

“الشكارة” طردت الكفاءة وحصيلة الحكومة استنفذت خزان أحزاب السلطة

الشروق أونلاين
  • 2101
  • 5
ح.م
حملة انتخابية فاترة

بدأ العد التنازلي للحملة الانتخابية لتشريعيات العاشر ماي المقبل، بدخولها الأسبوع الثالث والأخير، وبدا أن الآمال التي عُلّقت على تجاوب الجزائريين مع البضاعة السياسية للأحزاب، لم تكن سوى مجرد أوهام سرعان ما تأكد زيفها، ما يعزز من احتمال انشغال المواطن بأمور أخرى غير الانتخابات. واللافت أن ظاهرة العزوف الشعبي عن الحملة الانتخابية، لم تقتصر على الأحزاب التي اعتمدت بعد صدور قانون الأحزاب الجديد، بل امتدت حتى إلى الأحزاب العريقة في الساحة الوطنية والموصوفة بـ”الكبيرة”، والتي يفترض أن تكون لها امتدادات في الأوساط الشعبية، وهو ما يكشف ضعف وضحالة البضاعة السياسية المُسوّقة، وابتعادها عن انشغالات المواطن الذي أوهنته متاعب الحياة اليومية.

تكشف عملية مسح بسيطة لـ”خرجات” قادة الأحزاب السياسية، في الأسبوعين الأولين من الحملة الانتخابية إلى مختلف ولايات الوطن، جدية المخاوف التي سبق للسلطة وأن عبّرت عنها، مخاوف تأتي امتدادا لتشريعيات 2007، التي كانت نسبة المشاركة فيها الأضعف منذ الاستقلال. وإذا كان ضعف القدرة التجنيدية للأحزاب الصغيرة وما أكثرها، منتظرا بالنظر لحداثتها وضعف هياكلها ومحدودية انتشارها، فإن انسحاب الظاهرة على الأحزاب الموصوفة بـ”الكبيرة”، يطرح أكثر من سؤال حول مثل هذه التوصيفات. وتجدر الإشارة هنا إلى ذكر حالات سجلتها الحملة إلى غاية الأمس، للوقوف على جدية ما يثار، حيث فشل حزب بارز في جمع مناضليه لإقامة تجمع بإحدى الولايات الجنوبية، واضطر زعيمه إلى الانتظار لمدة ساعتين في إحدى زوايا المنطقة، إلى أن جُمع ما “تيسّر” من المواطنين على قلتهم، ليقوم بعدها الأمين العام بـ”رفع الحرج” عنه وعن حزبه، قبل أن يغادر الولاية في صمت. أحد أبرز الأحزاب الفتية إضطر إلى إلغاء تجمع كان يعتزم تنظيمه بإحدى الولايات السهبية، بعد أن وجد القاعة المقررة لاحتضان نشاطه خاوية على عروشها.. زعيم هذا الحزب ظل وعلى مدار ساعات يجوب المدينة في سرية تامة على متن سيارته، على أمل أن يتحسن الوضع، ليضطر في الأخير إلى إطلاق إشاعة تعرض سيارته لعطب حال دون حضوره، خوفا من انتشار خبر فشل التجمّع. من جهته، أحد الأحزاب المحسوبة على الإدارة لجأ إلى سبل أخرى لتغطية عجزه في استقطاب الجزائريين في تجمعاته، ألا وهي استعمال وسائل الدولة (حافلات التضامن) حسبما جاء على لسان رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات، محمد صديقي، وكذا الأموال لاستمالة الأطفال من أجل تغطية ضعف الحضور في المهرجانات الانتخابية التي أقامها في الأسبوعين الأولين من الحملة. ولمواجهة هذا العزوف عمدت الكثير من الأحزاب، ولا سيما الفتية منها، إلى النشاطات الجوارية والاتصال الشخصي بالناخب، وهو نشاط لا يحتاج إلى جمع ألوف المواطنين، وبالمقابل يضع صاحبه في منآى عن التشهير الإعلامي الذي عادة ما يرعب السياسيين. فبماذا يمكن تفسير هذه الظاهرة التي صارت تهدد بجد مصداقية الانتخابات التشريعية المقبلة؟، من غير المعقول تحميل الأحزاب السياسية مسؤولية العزوف الشعبي عن الحملة الانتخابية، لكن من غير المقبول تبرئة ذمتها أيضا، فالكثير منها قبض الملايير مقابل ترشيح أصحاب “الشكارة”، ومعلوم أن “الشكارة” والكفاءة عدوان لدودان لا يمكن أن يلتقيان.

الأمر الثاني الذي يقل خطورة عن الأول، هو أن الكثير من الأحزاب لم تعمل وفق المعايير الديمقراطية المعروفة في اختيار مرشحيها للانتخابات التشريعية، وفضلت المحاباة والولاء ووشائج القرابة، ومعلوم أيضا أن مثل هذه الممارسات لا يمكنها إلا أن تكرس الرداءة وتبعد الجودة .

الأمر الثالث يكمن في أن الأحزاب الموصوفة بـ”الكبيرة” هي تلك التي تمسك بزمام السلطة، وثبت من خلال السنين التي قضّتها في الحكم، أنها لم تكن في مستوى المسؤولية.. لم تف بما وعدت به ناخبيها (إن كانوا حقا قد صوتوا لصالحها!) لم تستجب لانشغالات الجزائر ولم تحقق بعضا من آمالها، واليوم تعاود طلب ود الناخب من جديد.إن أحزابا سياسية بالمواصفات التي سبقت الإشارة إليها لا يمكنها أن تقنع المواطن بأدائها، ومن ثم فمن المستحيل استمالته.. لكن ومع ذلك، لا زال الأسبوع الأخير من الحملة يتعين على الجميع انتظاره، فلعله يكون أحسن مما كان.

مقالات ذات صلة