الشهيد لحسن بن سعد الله.. صحفي اغتاله الإرهاب وزاده النسيان
أجمع المشاركون في الندوة التكريمية التي نظمها مجمّع “الشروق” للإعلام والنشر، حول الشهيد لحسن بن سعد الله، أنّ الفقيد كان رمزا للصحافة الحرّة والمسؤولة، عاش منافحا بقلمه وصوته عن ثوابت الأمة وقضاياها المصيرية، مؤكدين على سموّ أخلاقه الإنسانية وسعة إطلاعه وثقافته، وهي عوامل صقلت شخصيته الطموحة والفعالة، ما جعله يتجاوز أقرانه بسنوات في الفكر والسلوك.
هذا، وأثنى الحضور من أصدقاء وزملاء وأقرباء على مبادرة “الشروق” التي أعادت الاعتبار لشهيدٍ فدى الجزائر بدمه، حينما رفض الهمجية والإرهاب، لتطاله يدُ الغدر والإجرام ذات يوم من خريف 1994، لكنّ الكثير من الدوائر الرسمية والمجتمعية قد تناست فضله وتضحيته لأجل الوطن !.
وفي أجواء جدّ مميزة، امتزجت فيها مشاعر الحزن بالفرح، رفعت “الشروق” عشية اليوم العالمي لحرية الصحافة، درع الوفاء لروح الشهيد لحسن بن سعد الله، والذي تسلّمه نيابة عن أفراد العائلة نجلُها همام .
لحسن بن سعد الله .. شهيد ابن شهيد
الشهيد لحسن بن سعد الله، من مواليد سنة 1960 بمعاوية بن عزيز ولاية سطيف، التحق بالجزائر العاصمة لاستكمال دراسته بكلية الآدب ويتخرج منها، لينتقل بعدها إلى مصر لاستكمال دراساته العليا حول” الصورة الشعرية عند الأديب أحمد سحنون”، قبل العودة إلى الجزائر والاشتغال بالعمل الصحفي والجمعوي، فكتب في جريدة النبأ عمود “الشعاع”، بالإضافة إلى عمله كرئيس تحرير بمجلة الإرشاد، وبعد وفاة الشيخ محمد بوسليماني، أصبح النائب الثاني لجمعية الإرشاد والإصلاح .
علاقة لحسن بن سعد الله بالشيخ بوسليماني، لم تكن عادية، حيث ميزها الود والطيبة، بل كان لحسن يرى في الشيخ بوسليماني نظرة الأب الذي استشهد في الثورة التحريرية ولم يراه .
تروي زوجته نصيرة بن قديدح، وابنة خالته في نفس الوقت عن لحسن بن سعد الله أنه كان شغوفا بالكتابة والمطالعة، فلا يمر يوم من حياته إلا ويحمل قلمه للتعبير عن أفكاره على صفحات الجرائد والمجلات الجزائرية والعربية، شغفه لا يتوقف عند الكتابة، بل العمل بشكل كبير، فكان يقضي معظم وقته بين جمعية الإرشاد الخيرية وحركة حماس، واستطاع رغم صغر سنه أن يربط علاقات داخل وخارج الوطن، مع كبار العلماء من العالم العربي، كالشيخ القرضاوي وزينب الغزالي من مصر، ومحمد محمود الصواف من العراق .
لم يكن بن سعد الله صحفي مكاتب، بل رجل ميدان تجّشم المخاطر في الحروب والأزمات الدولية لنقل المعاناة الإنسانية، وانتصب دفاعا عن وطنه بالقلم والكلمة حين ادلهّمت الأوضاع في الجزائر، حتى سقط شهيدا يوم الأربعاء 12 أكتوبر 1994 .
“.. لحسن كان يعرف أنه مستهدف، خاصة بعد موت الشيخ بوسليماني، فكان في مرات عديدة يتحسس عندما يسمع صوت الطرق على الباب، وكان يطلب منا التأكد من هوية الطارق، وتحكي زوجته أخر يومين في حياة الراحل، فتقول
“حضرنا يوم الثلاثاء حفل زفاف في العائلة، واتفقنا أن يقوم لحسن بإعادتنا في المساء إلى البيت، لكنه تأخر عن القدوم، فاعتذر على ذلك… وفي صبيحة 12 أكتوبر من سنة 1994، قام لحسن وكعادته باحتساء فنجان من الشاي، ليتوجه بعدها إلى سيارته التي تعوّد على غسلها قبل التوجه إلى مقر عمله، وكان بجانبه ابنه هاني وسهى، .. وبعد انتهائه، قام بإدخال ابنيه إلى البيت بعد أن ودعهما.. لحظات بعدها سمعنا صوت الرصاص، صرخت بأعلى صوتي وكنت أدرك أنه لحسن.
توجهت بسرعة خارج البيت رفقة أخي، وهناك وجدنا سعد الله ينزف بالدم بعد أن اخترقت ست رصاصات جسده ورأسه، تقدم منه أخي ليسأله عن الحادثة، لكنه كان في لحظاته الأخيرة، فأوصاه على الأولاد وابتسم ابتسامة الوداع.
تتابع السيدة نصيرة: “.. كانت لحظات لا تصدق، ومن شدة الصدمة لم نستطع حتى الاتصال بالشرطة وتكلفت جارة لنا بالمهمة، في وقت تكلفنا بالتوجه بلحسن إلى المستشفى، لكن الوقت كان قد فات بعد أن لفظ سعد الله، أنفاسه الأخيرة“.
وقبل ذلك قام أخي بالجري وراء الشخصين اللذين قتلا زوجي، لأنه رفض النزول من سيارته، لكنهما أفلتا منه ليكون بذلك لحسن بن سعد الله، رقما من قائمة الصحافيين الطويلة التي تم اغتيالها بسبب قلمها ومواقفها.
وترى بن قديدح أنه من بين الأسباب التي أودت بحياة زوجها قربه من الشيخ بوسليماني، كما كان يُنظر لحركة المجتمع الإسلامي “حماس” آنذاك بقيادة محفوظ نحناح على أنهم أعداء وموالين للنظام، لكن ذلك غير مبرر في نظر زوجته التي أكدت أن مخالفة الرأي لا تعني إطلاقا إقصاء الأخر.
شهادات ترثي لحسن بن سعد الله
بن سعد الله حظي بالعديد من الشهادات فقد قال الشيخ يوسف القرضاوي في رسالة بعثها بعد سماعه خبر اغتياله “لا ذنب له إلا أنه قال ربي الله ورسالتي الإسلام”، كما قال الشيخ محفوظ نحناح في تأبينيه “أخي لحسن، لقد أعطيت فأتقنت ولقد كتبت فأجدت“.
تقول السيدة نصيرة أن لحسن بن سعد الله، رحل في سن 34، تاركا وراءه أمانة خمسة أولاد، كبروا لكنهم لايذكرون أبيهم إلا في صور الألبومات التي تركها خلفه.
أم هيثم، أرملة الشهيد:
“لم أطلع أولادي على الاغتيال حتى لا يشعروا بالألم”
أكدت أم هيثم أرملة الشهيد، أنها لم تُقدم إلى اليوم أي معلومة عن حياة زوجها لأبنائها، مبررة ذلك بالقول “حتى لا يشعروا بالألم والأسى عليه”، وتحدثت عن واقعة التضييق عليه بتونس، ثم بمصر أين دخلها من تونس بعد محاولات عدة، مؤكدة أن الشرطة المصرية كانت تراقبه منذ وطئت قدماه وإياها البلد، بسبب العشرية السوداء في الجزائر، حيث كان يتوجه يوميا عند منتصف الليل إلى مقر الشرطة للإمضاء على المحضر الأمني، “كنا نستقبل بمقرّ إقامتنا في مصر مجموعة من الطلبة، ومرة زارنا طالب سبق لي تدريسه، جاء للقاهرة للعب مع فريق كرة اليد، بينما كانت الشرطة تراقبنا، فداهمت المنزل عند منتصف الليل واعتقلت جميع الموجودين، بعدها أطلقت سراح الكلّ ماعدا لحسن، فكنت أذهب مع صديق لزيارته والتحدث معه من خلف القضبان، فكان يؤكد من شدة حبه للسرية وعدم إزعاج الآخرين، أن لا أخبر الأهل والأصدقاء بموضوع سجنه، وأمرني بشراء هدايا وتوزيعها على الأقارب وكأنه هو اشتراها حتى لا يشعروا بالأمر، “وبالفعل لم يعلم أحد بسجنه حتى تمّ ترحيله مباشرة من السجن نحو الجزائر“.
وأكدت الزوجة، أنه بعد مقتل بوسليماني، والذي كان يعتبر صديقا للحسن في السفر، فكر زوجها في الذهاب إلى ألمانيا، لكنه اغتيل ببلده.
هاني، نجل الشهيد:
“لم نعرف عن والدنا غير الأخلاق الحسنة”
تأثر كثيرا الشاب هاني، وهو النجل الثاني للشهيد، عندما ألبسه ممثلون عن مجمع “الشروق” برنوس الوفاء لوالده، وأكد في مداخلة قصيرة، أنه متوتر من شدة الفرح، قائلا
“نحن أبناؤه لا نعرف عنه شيئا، مثلما ذكرت والدتنا، ماعدا أخلاقه الحسنة والرفيعة”، متمنيا بكلمات مؤثرة، أن يتغمده الله برحمته ولطفه، ويرحم جميع شهداء الصحافة والوطن.
همام، نجله الأصغر:
“يعطيكم الصحة.. جملة وحيدة وسط نوبة بكاء”
من شدة تأثر النجل الأصغرُ للشهيد وهو همام، لم يتمكن من نطق أي كلمة، ما عدا جملة واحدة “يعطيكم الصحة”، ثم دخل في نوبة بكاء طويلة، فأبكى معه الحاضرين جميعا، والذين تأثروا كثيرا، وتمنوا له ولإخوته الصبر والنجاح.
حسيبة أمقران:
“بن سعد الله دافع عن المرأة أكثر من المرأة”

أكدت ابنة حي البدر التي جاورت بن سعد الله في سكناه، أنه كان مناضلا ومساعدا لها في مراحل الدعوة والعمل الخيري، حيث “كان يُقدّر الرجال والنساء المتفانين في خدمة الوطن، ورغم اهتماماته الكثيرة، لم ينس العنصر النسوي، فاهتم بنشاطها”، وكشفت أنها عندما كانت طالبة، وتتردد على مكتب جمعية الإرشاد والإصلاح مع مجموعة من الطالبات للقاء الشيخ محمد بوسليماني، “كنا نلتقيه هناك، فيمدّنا بالعون في العمل الطلابي”، واعتبرته المتحدثة، رجل عمل لا قول، وحسبها “كان يقول لي قدّمي المشاريع لا الكلام“.
وختمت البرلمانية السابقة شهادتها، بالقول إن بن سعد الله كان يدافع بشراسة لتمكين المرأة في العمل الجمعوي والدعوي وينافحُ عن حقوقهن في المجالس التنظيمية، حتّى قال له في أحد الأيام، زميل له مازحا “أنت تدافع عن المرأة أكثر من المرأة ذاتها“.
قريب العائلة عبد العالي بوشلاغم:
“كان مرحًا في المجالس ويهوى كرة القدم”

اعتبر قريب العائلة الأستاذ عبد العالي بوشلاغم أنّ الشهيد قد حمل هموم الأمة في قلبه، وهو في سنّ مبكرة، حيث شكّل الدافع عن كرامة الإنسان همّه الأول، وأضاف “كان يحدثني عن لقاءاته مع رجال الدعوة وشخصيات وطنية وأجنبية”، مؤكدا أنه “كان يحظى باحترام وتقدير كبيرين من الأسرة والمجتمع، فقد تجاوز سنّه بكثير في سلوكه ومعاملاته، مثلما كان شخصية محبوبة ومرحة، فهو جليس يصغي، وينشر المرح في مجالسه، كان يهوى كرة القدم، ودخلنا بسببها في نقاشات ساخنة “، بهذه الكلمات المعبرة وصف بوشلاغم شخصية الشهيد الذي كان بالنسبة إليه بمثابة الابن والصديق والأخ والإنسان“.
الشقيق كمال بن سعد الله:
“لحسن برّ بوالدته ولم يرفع عيناه في عينيّ ولا مرّة”

أكّد كمال بن سعد الله أن انطلاقة شقيقه التعليمية كانت من الكتاب على يد المرحوم عمر بن سعد الله، ثم دخل الابتدائي، قبل أن ينتقل إلى إكمالية بمنطقة عين الكبيرة بسطيف، وبعدها حصل على بكالوريا رياضيات من ثانوية الثعالبية، وأكد أنّ “الجميع أحبّه، بدأ نشاطه من الثانويات، كان دائما بشوشا، فمثلا عندما يمر على مجلس ويلقي السلام ولا يرد عليه أحد يقول خَاوتْنا ربّي يهديهم”، وكشف بأن شقيقه لحسن الذي يصغره بـ3 سنوات، “لم يرفع يوما عيناه في عينيّ، وكان يحترم والدته كثيرا، وهو ابن شهداء وليس شهيدا واحدا“.
المدير المسؤول سابقا لمجلة الإرشاد، عبد الحميد مداود:
“لحسن سعى للإفراج عن الشيخ بوسليماني قبل استشهاده”

قال المدير المسؤول سابقا لمجلة الإرشاد، عبد الحميد مداود بنبرة الحسرة والألم “الشهيد لحسن بن سعد الله سيبقى حيّا في قلوب من عاشروه، شهيدا وابن شهيد، ومن عائلة مجاهدة من ضواحي بن عزيز عاصمة الدولة الفاطمية“.
“جاهد وناضل كرجل دعوة أولا، قبل أن يمتهن الصحافة، رجل علا صوته في المساجد، أحبّ الإسلام واللغة العربية والوحدة الوطنية، ولمّا أسسنا جمعية الإصلاح والإرشاد، كلّفني رئيسها محفوظ نحناح (رحمه الله) بتأسيس مجلة الإرشاد، كنت مترددا ولكن لحسن شجعني ووعدني بالمساعدة، فكان ظلّي وكنت ظله“،
وأضاف مداود في ندوة “الشروق”، كان نضال لحسن من أجل أن تبقى الدولة قائمة، فكان موقفه من الفتنة شجاعا، تصدّى بصدر عارية، في وقت صمتت الكثير من الأقلام، حيث سلك منهج الوسطية والاعتدال”، كاشفا أنه كان “يشرف على المراجعة اللغوية والتصفيف، ويكتب الأعمدة“.
وقال مداود “إنّ لحسن كان واسع الثقافة، فقد درس في مصر وتشبع بالثقافة العربية الإسلامية، واتصل بالشيخ سحنون لتحضير رسالة حول حياته وأدبه، وسجّل دكتوراه عن الحوار، لأنه رجل حوار حقيقي“.
“كان متفائلا رغم الصعاب، وبقي صامدا إلى أن أغتيل في 12 /10/1994 أمام منزله، ليلحق بالشهيد بوسليماني، وهو من وقف على قبره في الجبل، وقبلها قام بعدة اتصالات حتى يطلق سراح الشيخ، لكنه نال الشهادة”، مثلما أكد المتحدث.
المخرج الفنّي لمجلة الإرشاد سابقا، عمار بومايدة:
“تحدثت إليه ساعات قبل اغتياله فانقطع الاتصال فجأة”

غالبت الدموع المخرج الفنّي لمجلة الإرشاد سابقا عمار بومايدة، فلم يتمالك نفسه وأجهش بالبكاء طويلا على رفيق نضال إعلامي اغتالته أيادي الغدر، ورغم ذلك، أصرّ على تقديم شهادته في الرجل الذي تحدث إليه آخر مرة، ساعات قليلة قبل اغتياله، فقال عنه “كان من الشباب النير، وقلما جريئا وقويا، كان متشبعا بالثقافة الوسطية وكان مثقفا”، لتنقطع الشهادة عند هذه الجملة بفعل التأثر الشديد للمتدخل.
رئيس جمعية “جزائر الخير” عيسى بلخضر:
“أبكى مولود قاسم وفرض موضوعيته على أحمد منصور”

قال عيسى بلخضر: “لقد جمعتني مهمّة بالشهيد لحسن بن سعد الله في جمعية الإرشاد والإصلاح ومجلتها، فكان مهموما بالدفاع عن الهوية، صديق جميع الإعلاميين مهما كان تيارهم، ومنهم الطاهر جاووت وإسماعيل يفصح، رغم الاصطفاف الإيديولوجي وقتها“.
وأضاف “أشهد أنه في سنة 1992 أيام المحاكمات الشهيرة لقادة الفيس، كان لا يركز على المعلومات المثيرة، وإنما يتعامل بحكمة مع أشواط المحاكمات، وكانت علاقاته وطيدة مع المعنيين، سواء من طرف السلطة أو الحزب المحظور، رحل لحسن ومعه جزء مهم من تلك الأسرار” .
وكشف عيسى بلخضر أنّ سحب مجلّة الإرشاد على عهده قد بلغ 150 ألف نسخة، مثلما كان لحسن مراسلا لعدد من الجرائد العربية، لكنه حرص على تقديم صورة متوازنة عن الوضع في البلاد، حتّى إنّ بعض مقالاته لم تنشر، لأنه خال من الإثارة.
وبهذا الصدد، قال المتحدث: “أذكر أنّ أحمد منصور كان يراجع معه عبر الهاتف، متسائلا عن مدى مطابقة الواقع الجزائري مع مقالات لحسن، لأنه يرفض التهويل ويتقيد بالموضوعية“.
وكشف بلخضر أنّ الشهيد أبكى الدكتور مولود قاسم نايت بلقاسم رحمه الله، في آخر حوار له مع المجلة، حسرة على ما آلت إليه الجزائر وقتها.
الصحفي السابق بمجلة الإرشاد، الصادق سلايمية:
لحسن كان لا يوقّع مقالاته الصحفية لكثرتها

ركز الصادق سلايمية في شهادته على تضحيات لحسن بن سعد الله من أجل مجلة “الإرشاد”، وقال في هذا السياق “عرفت لحسن رجلا متفانيا، وتوطدت علاقتي به بعد أن طلب مني الشيخ محفوظ نحناح أن أكتب في المجلة، فكان لحسن يكتب كثيرا لدرجة أن الكثير من المقالات والأعمدة لا يوقعها أصلا، لقد كان موهبة حقيقية، ولكنه لم يجد الفضاء الذي يعيش فيه“.
وكشف المتحدث أنّ الشهيد كان يبيت رفقة بعض رفقائه في مقر الإرشاد مطلع التسعينات.
الدكتور لخضر حداد:
“هكذا أقنع لحسن الناقد المصري إبراهيم عبد الرحمن بأطروحته الجامعية”

عاد الدكتور لخضر حداد بذاكرته إلى أيام الدراسة بمصر، وتحدث بتأثر شديد عن لحسن الصديق والزميل والمثقف، فقال عنه “الشهيد لحسن من معدن نفيس، كان يعمل في سفارة إيران سنة 1979 ثم التحق بمعهد الأدب العربي، وكانت الابتسامة لا تغادر محياه، أحب الناس وأحبوه، كان قليل الغضب، حيث لم يكن يغضب إلا لأمر جلل يتعلق بالأمة لا بشخصه، عندما انتقل إلى جامعة عين شمس سجل مشروعه مع الناقد الكبير إبراهيم عبد الرحمن، وكان هذا الأخير في غاية الصرامة، ومن الصعب جدا أن يقبل مشروع بحث علمي، لولا جديّة وتفاني لحسن“.
وقرأ الدكتور حداد، إحدى رسائله التي كان يتبادلها مع الراحل لحسن، والتي أراد من خلالها أن يؤكد على أنّ الشهيد، لم يكن يشغله إلاّ هم الدعوة، وأضاف “راسلني وأنا في مصر، وكان وقتها ينتظر مولودا، لم يطلب شيئا لنفسه، وإنما بلغني بالوضع في الجزائر وقتها، معبّرا لي عن تفاؤله بازدياد نشاط الدعاة عموما ونشاط الشيخ محفوظ خصوصا“.
مدير جريدة الرائد، سليمان شنين:
“على السلطة إعادة الاعتبار لشهداء الكلمة ممن أقصتهم الحسابات الضيقة”

قال مدير مركز وجريدة الرائد، سليمان شنين، من منبر ندوة الشروق “لحسن كان مؤمنا ووسطيا، ورفض العنف ولم يقتله النظام، بل قتلته يعرفهم الجميع”، كما انتقد ما وصفه بالانتقائية والإقصاء الممنهج لشهداء الوسطية الذين ذهبوا ضحية الاصطفاف الإيديولوجي.
وتحدث شنين عن لحسن الصحفي، فقال عنه: “لقد حضر حرب الخليج الأولى ونقل تفاصيل مهمة، زار المنطقة بدعوة من السعودية، وكان حريصا على تقديم تغطية متوازنة، خاصة وأن قلة قليلة جدا وقتها كانت واعية بالمؤامرة وحساسية الوضع بين العراق والكويت”، وأضاف مسلطا الضوء على أهم المحطات المهنية لرفيق دربه “غطى مأساة البوسنة والهرسك ببعدها الإنساني، وعندما رجع كان يتحدث برؤية عميقة، بدأنا نسمعها في وقت لاحق“.
وعن أسباب اغتياله، أوضح “كان من أبناء حي البدر بالقبة، يعرف أسماء من يقتلون من المحرضين والملتحقين بالجيا، والمحاكمات الشهيرة لم تزده إلا قناعة بأنّ هؤلاء المتطرفين كانوا خارج إطار الاجتهاد الإسلامي”، متمنيا من السلطات أن تصحح هذه المسارات وتعيد الاعتبار للحسن بن سعد الله ورفقائه.
فاتح قرد:
“الشهيد وزع المجلة بسيارته وأرسلها إلى 86 دولة”

ثمّن البرلماني السابق فاتح قرد مبادرة مجمع “الشروق”، وقال بالمناسبة “عرفت لحسن شخصيا في حي البدر، وكنا نرتاد المسجد الوحيد في الحي، كان الطالب الناجح والمجتهد، ثم عرفته في مجال الصحافة من خلال مجلة الإرشاد بكل مراحلها، كان دينامو المجلة بغض النظر عن منصبه، وكان يشرف على كل صغيرة وكبيرة من الاستكتاب إلى الإخراج، كان ينقل نسخ المجلة في سيارته لتوزيعها، ويرسلها إلى 86 دولة عبر البريدي، في وقت كان يشتغل أيضا مراسلا لمجلة “المجتمع” الكويتية و”لواء الإسلام” المصرية،
وأضاف عن ملابسات الاغتيال، كنت شاهدا على المكالمة التي سألوا فيها عن لحسن “تاع لوتيسمو” بعد اختطاف بوسليماني، حينها شعر الجميع بالخطر الذي يتهدده، لكنه لم يغادر حي البدر، بل قرر بعد المحاكمات الشهيرة التي غطاها أن يتوجه إلى البحث العلمي ويكمل دراسته العليا، غير أنّ القدر كان أسرع.
عبد الرحمان سعيدي:
الشهيد بن سعد الله إعلامي ناضل لأجل الوسطية

بعد توجيهه تحية لجريدة “الشروق” التي دأبت – حسب تعبيره- على إحياء مناقب رجال “قصّرت مؤسسات الدولة والإعلام في تذكير الناس بهم”، أكّد الرئيس السابق لمجلس شورى حمس عبد الرحمان سعيدي، أنه تعرف على الشهيد لحسن بن سعد الله في 1982 في كلية الآداب، بجامعة الجزائر، “تخرّجنا في 1986، كنت مع شقيقه كمال في نفس الكلية، وتعرفت على بن سعد الله أكثر في مرحلة التحالف الوطني الإسلامي”، وحسبه فإنّ “الشهيد كان يؤمن بالمكونات الثلاث للجزائر، من دين ولغة وهوية، وكان يجتمع مع النخب لتجنيب الجزائر المخاطر”، مضيفا “لقد كان إعلاميا مناضلا، أراد أن يكون منبرا معتدلا خاصة خلال الأزمات، ويعمل على إيجاد الحلول”، وشدّد قائلا “لحسن بن سعد الله كان يعرف عمق الأزمة وأطرافها، وكان في قائمة المستهدفين بحكم رسالته ووطنيته”، قبل أن يبدي تأسفه قائلا “لم نُعط الشهيد حقه، رغم أنه تواصل مع النخبة ومع الفاعلين، وكان محبّا للجزائر التي اجتهد ما في وسعه لإيجاد حل لأزمتها آنذاك”.
الكاتب الإعلامي فاروق طيفور:
بن سعد الله اخترق جدار الرواقات الأيديولوجية

من جهته، أكد الكاتب الإعلامي فاروق طيفور أن ثمار الإعلامي لحسن بن سعد الله أسست لرسالة كبيرة ومشروع ضخم، “يخترق جدار الرواقات الأيديولوجية”، معتبرا ما أسماها بـ “الاحتفائية الوفائية” هي أقل شيء يقدم للشهيد.
وذّكر طيفور بمقولة الراحل محفوظ نحناح، عندما سمع باستشهاد بن سعد الله، حيث قال
“ما أسعدك يا سعد بلقاء الله، وما أشقى من رماك غدرا، لم تكن لك دار فأعطاك الله دارا في الجنة”، وقال الشيخ محفوظ نحناح أيضا في عموده على جريدة النبأ لشهر أكتوبر 1994
“عاهدتَ فوفّيتَ، واستُشرت فأشرت”، ودعا المتحدث الأجيال اللاحقة للكتابة عن هؤلاء الرموز “الذين جسّروا الطريق للقادمين، لأنه لن نُذكر اليوم كجيل، دون تخليد هؤلاء الذين مهدوا لنا الطريق“.
واعتبر طيفور، أنه من النادر جدا، أن يكتب أحد دون ذكر اسمه، ومنهم لحسن بن سعد الله.
الأستاذ محمد نواسة:
“بن سعد الله قد يكون ضحية لاستشهاد بوسليماني”

أما المهتم بالتاريخ وشؤون الحركة الإسلامية، الأستاذ محمد نواسة، فقد قال إنه تعرّف على “الشهيد الرمز” في أواسط الثمانينات في بيت العالم أحمد سحنون رحمه الله، “تعرفتُ عليه مع محفوظ نحناح وبوسليماني، أين كان الشهيد يتواصل معهم في شؤون الدعوة الإسلامية”، خاصة وأن بن سعد الله أعدّ أطروحته الجامعية حول “الشيخ أحمد سحنون… حياته وأدبه”، وطرح المتحدث فرضية أن يكون الإعلامي الشهيد قد راح ضحية لاغتيال الشيخ بوسليماني، وسبب تخمينه هو “أنّ بن سعد الله غامر بحياته لاسترجاع الشهيد بوسليماني من مكان اختطافه، إنها قمة الفدائية” مثلما يقول.
وكشف نواسة في شهادته، أن الشهيد كان يلقب بـ”رجل الإعلام” على لسان الراحل نحناح، فيما كان يناديه الطاهر جاووت “السّي لحسن”، أما أنا يضيف نواسة ” فأسمّيه رجل الإعلام والإسلام”، معتبرا أن الفقيد كان يحمل فكرة فداها بدمه، واستخدم الإعلام كوسيلة لنشرها، حيث أكّد أن”مساهمات بن سعد الله في تغطية القضايا الإسلامية كانت عديدة، وركّز اهتمامه على القضية الفلسطينية التي غيّر تفكيرنا حولها“.
والمتحدث – حسب قوله- صاحبَ بن سعد الله في السفر، وتكوّن على يده في المخيمات، متمنيّا في الختام، أن يكتبوا عن الشهيد ويوثقوا حياته، أي أصدقاءه ورفقاءه، لأنّ الجهات الرسمية لم تفرط في حقه، بل “نحن لم نبادر إلى إطلاق اسمه على مؤسسة عمومية”، أما التلفزيون الجزائري فتكلم عنه في عدة مرات، وإحدى الطالبات من جامعة الجزائر أعدت أطروحة حول لحسن بن سعد الله، مثلما أكّد نواسة.
ممثل جمعية الإصلاح والإرشاد، محمد قاضي:
“مشروع إعلامي سيحمل اسم الشهيد قريبًا”

كشف محمد قاضي، المكلف بالإعلام على مستوى جمعية الإرشاد والإصلاح، خلال حضوره الندوة التكريمية للشهيد لحسن بن سعد الله، عن وجود مشروع سيعلن عنه قريبا، يحمل اسم بن سعد الله، دون الخوض في تفاصيل المشروع، لكنه أكد أنه يتعلق بـ”رسالة إعلامية سيتم إحياؤها من جديد“.
الأستاذ محمد بوسعادي:
الشهيد سعى لإيجاد حلّ سياسي للأزمة

وبدوره، أكد الأستاذ محمد بوسعادي أنه سمع الكثير عن الشهيد بن سعد الله، قائلا ” ما شدّني إليه، صفاته القيادية، فقد بقيت في ذهني آخر محاضرة سمعتها له أياما فقط قبل استشهاده، فاكتشفت درجة اطلاعه على الوضع السياسي والأمني للبلد في بدايات التسعينات”، والدليل على تميّز هذا الإعلامي، يقول المتحدث أنه “كان مناضلا سياسيا تناقضُ أفكاره الأفكار المطروحة آنذاك، من نظرة تطرفيّة وأخرى استئصالية”، ويضيف
“بقدر ما آلمنا استشهاده لم نفاجأ لذلك، فالجميع يعلم ما هو حي البدر الذي كان يعيش فيه الشهيد، مؤكدا “أن ما علق بذهنه وهو صغير، أن بن سعد الله كان يدير الملفات الساخنة وينجز الأعمال الخطيرة ببرودة أعصاب، وفي هذه الفترة بدأ الحديث عن الحوار والمصالحة، فكان يسعى لإيجاد حل سياسي للأزمة في التسعينات، وطرح فكرة الشيخ محفوظ نحناح حول الحل السياسي للقضية”، حيث “كان في اتصال عميق جدا مع قيادات الحزب المحل لإيجاد مخرج سياسي للأزمة”، وتمنّى بوسعادي، انجاز كتاب حول الشهيد يتضمن شهادات حية من أصدقائه ومقربيه على الأقلّ.
بوجمعة لوراري:
السلطة لن تعترف بشهداء الوسطية

بدأ المتحدث بوجمعة لوراري شهادته في مناقب الشهيد لحسن بن سعد الله، بالتأكيد على أنه كان يقطن بحي البدر في حسين داي بالعاصمة، وكان أخطر منطقة في أيام الفتنة، وهو ما جعله يقول “الحركة الإسلامية دفعت كثيرا من الشهداء”، مشدّدا على أن “هؤلاء كانوا أحسن منا، لأن المرء يُبتلى بقدر إيمانه، وجيلهم أفضل منا”، معتبرا أن السلطة لن تكرّم هؤلاء، وردّ جميلهم يكون “بتوريث أخلاقهم لأبنائنا، وأن لا تخضع الفكرة لمنطق الحسابات”، وأضاف “أن الوسطية الإسلامية أو الاعتدال، أو الإخوان المسلمين، كانت ولا تزال تصنف كعدو أول من جهات معينة، ومنها أمريكا والتي تضع خطرهم أكثر من خطر القاعدة الإرهابية، وهو السبب الذي جعلهم يُحاربون في كل مكان، ومنها بالجزائر”، ولحسن بن سعد الله هو شهيد الوسطية على حدّ قوله.
قريبه عبد الرزاق قديدح:
بن سعد الله ضحية الإرهاب من أبناء دشرته

قال شقيق زوجة الشهيد، وابن خالته في ذات الوقت، “إنّ لحسن كان رجلا لا يخاف أحدا، حيث بعث أيام الحزب الواحد رسالة خطية للرئيس هواري بومدين، ليشكو قضية معينة في 1978، وبالفعل تجاوب الرئيس مع شكواه، وكادت المشكلة تحل، لولا وفاة بومدين”، ويضيف ” رغم أن جسد بن سعد الله كان نحيلا، لكنه كان صلبا، حيث أذكر في مظاهرات الجامعة المركزية في 1982، لما هربنا من عصيّ الشرطة، كان الوحيد الذي رفض الفرار”، وحسب المتحدث فإنّ “الشهيد كان لا يخاف الموت رغم تحذير عائلته وأصدقائه، وكان يردّ عليهم بأنّ الموت قضاء وقدر“.
وعن واقعة اغتياله، يروي قريبه الذي كان شاهد عيان “جاءته مكالمة هاتفية، فرأيته غاضبا ويضرب الهاتف، خرج بعدما ودع زوجته والأبناء، ونظر إليّ لمدة 5 دقائق، وبعدها كانت النهاية”، حيث استشهد على بُعد أمتار من البيت، وعن المتورطين في اغتياله، يؤكد المتحدث “الدولة لم تقتل الشهيد مثلما ادعى البعض، بل هو ضحية أبناء دشرته الذين نعرفهم جيدا، أنا تلقيت رصاصتين يوم استشهاده ورأيت قاتله وجها لوجه، هو شخص يدخل منزلنا ومن عائلة عمّور“.




