-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ينشدون التباهي الاجتماعي ولكن للواقع كلمته

تراجع “المهيبة” في الأعياد… بين التمسك بالتقاليد وتيسير زواج الشباب

نادية سليماني
  • 136
  • 0
تراجع “المهيبة” في الأعياد… بين التمسك بالتقاليد وتيسير زواج الشباب

تشهد بعض العادات الاجتماعية المرتبطة بالأعياد الدينية في الجزائر، تراجعا ملحوظا في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها عادة “المهيبة”، التي كانت العائلات لا تستغني عنها، بحيث تقصد عائلة الخطيب بيت زوجته المستقبلية خلال أيام العيد، محملين بالهدايا وحلويات العيد، وأحيانا قطعا من الذهب، في تقليد طالما ارتبط بالفرح وإظهار الكرم وتعزيز الروابط بين العائلتين، والتعارف أكثر.

وفي ظل التحولات الحاصلة في مجتمعنا، تبدو “المهيبة” اليوم أمام مفترق طرق، بين من يرى ضرورة التخفيف منها أو التخلي عنها، ومن يصر على استمرارها كجزء من الهوية الاجتماعية، لتبقى الكلمة الفصل في يد المجتمع، وقدرته على تحقيق التوازن بين الحفاظ على التقاليد ومواكبة متغيرات الحياة.

مختصة اجتماعية: عاداتٌ رغم رمزيتها قد تتحوّل إلى عبء عند تجاوز المعقول

فهذا الطقس الاجتماعي، الموجود عبر أغلب ولايات الوطن، الذي كان يشكل محطة مهمة في مسار العلاقات الأسرية، بدأ يفقد حضوره تدريجيا في مجتمعنا السنوات الأخيرة، بفعل الارتفاع العالمي في أسعار الذهب، وخاصة وتزامنها مع مصاريف العيد من ملابس وحلويات وبسبب الخروج من شهر رمضان، الذي تصرف فيه العائلة الجزائرية أكثر من المعتاد، ما جعل الكثير من العائلات تعيد النظر في قدرتها على الالتزام بهذه العادة. وحتى كثير من الأئمة باتوا يناشدون عبر منابر المساجد، العائلات بتخفيف المصاريف على العرسان الجدد، ليتمكنوا من بدء حياة زوجية مستقرة.

عرسان “يستدينون” لإرضاء زوجات المستقبل…!

ويؤكد مواطنون أن “المهيبة” باتت مكلفة مؤخرا ولم تعد في متناول الجميع، وهو ما يضع العائلات، خاصة متوسطة الدخل، تحت ضغط مالي كبير، يدفع العرسان الجدد أحيانا إلى الاستدانة، لتأمين مظهر اجتماعي هم في غنى عنه. ولكنهم يجدون أنفسهم مضطرين تفاديا للإحراج الاجتماعي.

وفي الموضوع، أخبرتنا السيدة “حياة” من البليدة، وهي أم لفتاة مقبلة على الزواج خلال الصائفة المقبلة، بأنها اعتذرت لعائلة العريس التي كانت مصرة على الحضور خلال عطلة العيد، لتقديم هدايا وحلوى لابنتها، وقالت: “مجيئهم إلى منزلي، معناه أن أحضر لهم وليمة غداء لاستقبالهم، خاصة وأنهم يحضرون في جماعة، وهو ما لا أقدر عليه حاليا.. فاقترحتُ على العريس أن يأخذ زوجته ويشتري لها أي هديّة بسيطة من الخارج وكفى، دون تلاقي العائلتين”.

وفي المقابل، لا تزال بعض العائلات متمسكة بهذه العادة، معتبرة إياها جزءا من “الهيبة” الاجتماعية ومظهرا من مظاهر الفخر أمام الأقارب والمعارف، حيث ترى أن التخلي عنها قد يفسر على أنه تقصير أو ضعف في الإمكانيات، ما يعكس استمرار تأثير نظرة المجتمع في توجيه سلوك الأفراد، حتى وإن كان ذلك على حساب التوازن المالي.

ضغوط نفسية ومادية على الشباب المقبلين على الزواج

وفي هذا السياق، ترى المختصة في علم الاجتماع، ثريا بن بريك، في تصريح لـ” الشروق” أن مثل هذه العادات، رغم رمزيتها الثقافية، قد تتحول إلى عبء حقيقي عندما تتجاوز حدود المعقول.

وقالت إن “المهيبة” في أصلها كانت تعبيرا بسيطا عن المودة والتقدير، لكنها مع مرور الوقت تأثرت بثقافة الاستهلاك والتباهي، ما أدى إلى تضخم تكاليفها بشكل مبالغ يفوق قدرة الكثير من الأسر.

وتضيف بن بريك، أن الإصرار على الحفاظ على هذه المظاهر بدافع المقارنة الاجتماعية يمكن أن يخلق توترا داخل العائلات، ويؤدي إلى ضغوط نفسية ومادية، خاصة لدى الشباب المقبلين على الزواج. وهو ما جعلها تدعو إلى إعادة النظر في مثل هذه العادات وتكييفها مع الواقع الاقتصادي، بما يحفظ قيمتها الرمزية دون أن تتحول إلى عبء.

غلاء الذهب يطفئ بريق هذه العادة الراسخة

وفي هذا السياق، لم يخف باعة الذهب تأثر نشاطهم بشكل كبير بتراجع الإقبال على اقتناء الحلي والمجوهرات، خاصة من طرف العرسان الجدد الذين كانوا يشكلون في السابق الفئة الأكثر طلبا خلال الأعياد والمناسبات.

ويؤكد عدد من الصاغة لـ ” الشروق”، أن عدد زبائنهم انخفض إلى أكثر من النصف مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الذهب في الأسواق العالمية، ما انعكس مباشرة على السوق المحلية.

وفي تصريح لأحد الصاغة، من بلدية القبة بالجزائر العاصمة، الذي أوضح أن “الشاب الذي كان يشتري لخطيبته خاتما أو سوارا في العيد، أصبح اليوم يكتفي بهدية رمزية أو يؤجل الفكرة تماما، لأن الغلاء العالمي لأسعار الذهب بات مؤثرا في القدرة الشرائية”، مضيفا أن “أغلب الزبائن حاليا ليسوا مشترين، بل يأتون لبيع ذهبهم، حيث يستغل الكثيرون ارتفاع الأسعار لبيع ما يملكونه من ذهب، منتهزين فرصة غلائه”.

ويرى المتحدث أن هذا التحول يعكس تغيرا واضحا في سلوك المستهلك الجزائري، الذي أصبح أكثر حذرا في الإنفاق على بعض المظاهر الاجتماعية غير الضرورية، ومنها مثلا “المهيبة”، مضيفا أن استمرار هذا الوضع قد يهدد نشاط الصاغة، خاصة الصغار منهم، الذين يعتمدون بشكل كبير على مثل هذه المناسبات الاجتماعية لتحقيق مداخيلهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!