الشروق العربي
هاجروا في سن متقدمة بعد الحرب العالمية

الشيبانيون… أو رحلة 350 ألف عامل جزائري

فاروق كداش
  • 2244
  • 0

هم ليسوا مقطعا من أغنية ولا كلمة عامية في لهجة، بل معاناة جيل بأكمله، عرف ويلات الحرب وصروف الحياة ونوائبها… الشروق العربي، ترصد بدايات الهجرة إلى فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وتكتب عن رجال ونساء نفوا أنفسهم من أجل حفنة من الفرنكات.

الشيباني، كلمة في قاموسنا العامي تعني “رجلا به شيب”، أي الرجل المسن.. لكن هذه الكلمة سرقتها فرنسا للدلالة على المتقاعدين من كبار السن، من دول المغرب العربي خاصة والساحل.. حسب آخر الإحصائيات، وصل عددهم إلى أكثر من 800 ألف مهاجر، من بينهم أكثر من 350 ألف جزائري… عمال “درجة وضيعة”، بالنسبة إلى المستعمر الفرنسي، يكدون لبناء ما ليس لهم، ويعانون بعد سن التقاعد، وتسحب منهم الحقوق، ولا يتساوون في المعاش والراتب، مع من هم من جنسية فرنسية.

مهاجرو الثلاثين المجيدة

هاجر معظهم هؤلاء الشيبانيين إلى فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية. هذه الحقبة، كانت تسمى الثلاثين المجيدة، التي امتدت ما بين 1945 هم من ممعظالذين ،من العمال المهاجرين الأولى وهي تعتبر الموجة .1975و ،عائلاتهم لىإأن يرسلوا النقود من كان لابد عليهم .قوتهم أوجوفي ،نذاك في ريعان شبابهمآالجزائريين الذين كانوا الأهم أن يدر عليهم بعض الفرنكات ،أو مدى تفاهته ،التي خلفوها وراءهم في البلاد، لا يهم نوع العمل..

وقدكانوا يشغلون وظائف مضنية في قطاع البناء والأشغال العمومية والصناعات، وكان وضعهم الاجتماعي يلخص في كلمة واحدة “الفقر المدقع”.. وقد أدت بهم هذه الحالة إلى العزلة في بيوت هشة، ابتداء من عام 1950، تم ترحيلهم منها عام 1956، في مراكز إيواء مؤقتة، أطلق عليها اسم بيوت التجمعات العائلية. ووصل عددها إلى أكثر من 450 تجمع سكني. وما كان يجب أن يكون مساكن مؤقتة، صار منفى دائما لعمال بلا عائلة وبلا بلد… وقد تمكن الكثير منهم من استقدام عائلاتهم، بينما اختار البعض حياة التيه البوهيمية، ولم تسمع عنهم عائلاهم بعدها.. فقد رحلوا بلا عودة.

ولا تزال معاناة الشيباني متواصلة إلى غاية الآن. فقد تجاوز عدد المتوفين منهم في دور العجزة المئات، بسبب فيروس كورونا… لقد فضلوا البقاء في فرنسا، بسبب النظام الصحي الجيد، وعاداتهم اليومية التي ألفوها، لكنهم وجدوا أنفسهم منفيين مرة ثانية، كيف لا وقد تركوا الجزائر في سن العشرين، وهاهم في الثمانين من العمر، والهوة بينهم وبين عائلات لا يرونها إلا مرة أو مرتين في العام، لا تنفك تتضاعف… وهم مجبرون على الإقامة نصف

السنة في فرنسا للحصول على معاشهم الشهري.. وحسب التقارير الاجتماعية والنفسية، فإن السواد الأعظم من الشيبانيين يعيش في عزلة تامة، ويلتمس الرفقة في المقاهي، لعله يسمع أخبارا عن البلد الحبيب أو العائلة المنسية.

جميلة أو قصة مهاجرة

تروي السيدة جميلة قصتها مع الهجرة، فتقول: “أتيت رفقة خالتي وابنها للعمل، في السبعينات، ومع مرور الوقت، تحسنت ظروفي، فتزوجت من فرنسي، وبعد خمس سنوات طلقني من أجل فتاة أصغر مني، حملت مرتين، ولكنني أجهضت خوفا من العائلة في الجزائر، كيف أبرر لهم أنني تزوجت من رجل مسيحي فرنسي، وحملت منه سفاحا، يا لها من وصمة عار…” وتواصل: “تزوجت بعدها من جزائري، لكنه عاد إلى الجزائر بعد 8 سنوات زواج… بعد كل هذه السنوات، وجدت نفسي وحيدة مرة أخرى… بعد تقاعدي، عدت إلى بلدي، وبين فترة وأخرى، أرجع إلى فرنسا، من أجل الأدوية والأطباء”.

إنها قصة من بين قصص هؤلاء العمال المهاجرين، الذين أمضوا حياة بأكملها ينشدون الرخاء، فوجدوا مستعمرا أكثر قسوة وأكثر إيلاما، استنزف سنواتهم، وتركهم أجسادا هزيلة واهنة، وأرواحا خاوية على عروشها… كم مكلف أنت يا قوت.

مقالات ذات صلة