-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الشيخ بلقاسم ابن منيع

الشيخ بلقاسم ابن منيع

أقامت مديرية الشؤون الدينية وبلدية تاكسانّة بولاية جيجل ـ مشكورتين ـ ملتقى وطنيا في يومي 22 – 23 أفريل 2015، أوّلهما في تاكسانّة وثانيهما في جيجل، وكان موضوع الملتقى عن “مسيرة الشيخ بلقاسم ابن منيع: أعماله وآثاره”.

لم ينل هذا العالم شهرة كبيرة وصيتا واسعا، وربما يرجع ذلك إلى   شخصيته الزاهدة، التي تنفر من مما يرغب فيه كثير من الناس من الشهرة الواسعة والصيت الذائع، ولبعد بلدته عن الحواضر.

لم يُقدّر لي أن أعرف الشيخ بلقاسم، الذي هو من أخوال جدي عبد العزيز رحمه الله، وعندما توفاه الله لم أكن قد بلغت الحُلم، ولكنني أحببته لأن والدي رحمه الله كان كثير الإعجاب به، وكان يحدثنا عنه في السهرات العائلية، خاصة عن ورعه وزهده، ولكن حبي للشيخ كان من النوع العاطفي لوشائج الخؤولة.

مع تقدمي في العمر، واحتكاكي بالأساتذة والشيوخ بدأ اسم الشيخ بلقاسم يطرق سمعي، فقد عرفت ابنه الأستاذ محمد، صاحب كتاب عن فظائع الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وقد طلب منه والدي أن يمتحنني لمعرفة مستواي، ففعل ذلك في إحدى مقاهي مدينة جيجل (حوالي سنة 1961)، وطمأنه بأنني في مُكنتي الحصول على الشهادة الابتدائية لو قدر لي اجتياز امتحانها، لولا ظروف الثورة، وكان الأستاذ منيع آنذاك يعلم في مدرسة العيز الباردة بمدينة الجزائر وقد عرفت من تلاميذ الشيخ بلقاسم عميد مصلحي مدينة جيجل وما حولها، الشيخ محمد الطاهر ساحلي (الجيجلي) عضو المكتب الإداري لجمعية العلماء ومدير مدرستي الحياة الأولى في عهد الإمام ابن باديس، والثانية في عهد الإمام الإبراهيمي، وقد درست فيها، وقد بُنيت لتكون خاصة بالبنات، فلما استولى الجيش الفرنسي المجرم على مدرسة الحياة الأولى صارت الثانية مختلطة).

وممن عرفتهم من تلاميذ الشيخ بلقاسم الشيخ عبد المجيد حيرش، الذي كان أول مدير لثانوية معربة في عهد الاستقلال هي ثانوية ابن خلدون، في حي بلكور، في سنة 1963، وهي المدرسة التي اختطف الفرنسيون المجرمون منها الإمام الشهيد العربي التبسي، نائب رئيسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقد درست في هذه الثانوية سنة واحدة، ومنها انتقلت إلى ثانوية عبان رمضان، ومما يذكر أن الشيخ عبد المجيد كان يحتفظ باسم ابن خلدون في كل ثانوية ينتقل إليها.

ومن تلاميذه الذين عرفتهم الدكتور أحمد بورزاق (بوروح)، والشيخ العباس بن الحسين الذي عملت تحت إدارته حولين كاملين في مسجد باريس، والشيخ سليمان بشنون ـ شفاه الله ـ والشيخ الدراجي بورويس، ومن تلاميذه أيضا الشيخ مبارك الميلي، ومحمد العربي التباني دفين الحجاز، وآخرين رحم الله الجميع.

لقد تعمدت ذكر هؤلاء الأساتذة لأشير إلى أن الشيخ بلقاسم، وإن لم ينضم إلى جميعة العلماء، فإنه لم يغرس في صدور تلاميذه بُغضَها، ولم يذكر عنه أنه أساء إليها بقول أو عمل، بدليل أنه لم يظهر عليهم ذلك، بل قد انضم أكثرهم إليها، ومنهم ابنه محمد.

ولد الشيخ بلقاسم في بلدة تاكسانّة (ولاية جيجل) عام 1875، حيث حفظ القرآن الكريم، وتعلم المبادئ الأولية في اللغة العربية والعلوم الشرعية، ثم التحق في 1888 إلى زاوية ابن الشيخ الحسين في سيدي خليفة بولاية ميلة، فازدادت معارفه التي مكنته من الالتحاق بجامع الزيتونة في عام 1894، فدرس على كبار علمائه، وما أن حصل على شهادةالعالِمية” (بكسر اللام وليس بفتحها) حتى رجع إلى بلدته. لبث الشيخ في بلدته بضع سنين، يعلم الناس، ويربيهم، ويصلح بينهم، قبل أن يتوجه تلقاء الزاوية التي تعلم فيها، فاستفاد منه جمّ من الطلبة، منهم من ذكرنا ومنهم من لم نذكر، واستمر على ذلك ما يقرب من ثمانية وعشرين سنة، ليعود إلى مسقط رأسه، حيث أشرف على تأسيس مسجد وهو يحمل اسمه الآن ينشر فيه العلم والخير إلى عام 1954، حيث أتاه اليقين، فالتحقت ورقاؤُه بعالمها الأسمى بالمدينة المنورة، وكان قد حج قبلها أربع مرات.

أهم ما ترك الشيخ بلقاسم من آثار مكتوبة هي قصيدته الطويلة ( 402) في مدح رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ التي سماهانزهة اللبيب في محاسن الحبيب، التي ذكرتها جريدة الشهاب للإمام ابن باديس ـ في عددها (26) بتاريخ (23 ماي 1926، ص 20)، ووصفتها بأنهامنظومة غراء، وروضة غناء..بكلام بليغ وأسلوب بديع، جمعت بين الرصانة العلمية، والعذوبة الشعرية، واصفة صاحبها بـالعلامة الفقيه، ولا مرية في أن قيمة الموصوف من قيمة الواصف. وندعو الإخوة في بلدية تاكسانة إلى إعادة طبع هذه القصيدة وإهدائها لزوارها.

 

ومما لا أنساه ـ مادمت حيا هو ماقامت به بلديتا بن ياجيس مسقط رأسي وبلدية جيملة من تكريم ـ هم أهله لشخصي البسيط، وما غمروني به من مشاعر أتصورها ولا أستطيع تصويرها، فأشكر إخواني في البلديتين شكرا جزيلا، وأقول لهم ما قاله العالم الجليل امحمد طفيش لمن كرموه في القرارة ( ولاية غرداية): “ووني إوغزام خاط امحمد أن يوسف، وترجمة هذه الجملة من الميزابية إلى العربية هي: “هذه الحفاوة للعلم، لا لمحمد بن يوسف“. وإذا كان الشيخ اطفيش عالما فما أنا بذاك

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • جمال الدين مزود

    نشكر الأستاذ على ما يقدمه للإسلام و للوطن خاصة في التذكير بأقطاب العلم فيها. أود أن أضيف فقط أن الأستاذ نسي أن يذكر واحدا من تلا ميذالشيخ و الذي يعتبر أقرب المقربين إليه و هو الحاج بن مزيهد باسمه الكامل مزود محمد رحمه الله ؛ والذي طلب منه الشيخ مرافقته سنة 1954 إلى البقاع المقدسة أين تغمده الله برحمته وتكفل تلميذه الحاج محمد مزود بدفنه في البقيع. كما أنني (ابن الحاج مزود ) لا أزال احتفظ بمخطوطين لكتابين للشيخ بن منيع لم يطبعا إلى حد الا ن؛ كان يحتفظ بهما والدي رحمه الله

  • asma

    تحية طيبة استاذنا الفاضل، نتابعك مقالاتك باهتمام كبير ، ونطمع دائما في المزيد، ونطلب منك تسليط الضوء والكتابة عن القيم الكامنة في الشعب الجزائري التي دفعته لخوض العديد من الثورات والانتفاضات ضد المحتل الاجنبي

  • omar

    شكرا شيخنا، مقالتك ينطبق عليها مقطع اغنية الحاج العنقاء، في وصلته المشهورة،هاجو لفكار سيدي التي يقول فيها السفر يقطع سلاسل الفقر و الهجرة تنبيه للذكر، فانت تسافر بنا الى الماضي من تاريخنا وتهاجر معنا رداءة المشهد الثقافي والادبي الذي غرقنا في براثينه، والله مقالاتك متعة وسكرة بشراب حلال

  • حسينوا

    كم أعجبني استدراككم في "شهادة "العالِمية" (بكسر اللام وليس بفتحها)"، نتمتّع بالقراءة لكم ونتعلّم منكم. زادكم الله في العلم بسطة وبارك الله لنا في عمركم يا شيخ. سلام

  • حمدان قادري

    حفظك الله ياأستاذ وأطال في عمرك ووفقك للتعريف بشيوخ وعلماء هذه الأمة الذين نجهل عنهم الكثير والحمد لله الذي سخرك إلينا لتنير دربنا وتقوم سلوكنا وتنور عقولنا وأتمنى من الله أن تزورنا بالمغير وفقك الله وسدد خطاك

  • ابراهيم

    حفظك الله يا استاذ و طال في عمرك و رحم الله الشيخ بلقاسم ابن منيع و جميع علماء الامة الذين أفنوا حياتهم في سبيل العلم والمعرفة،والدفاع عن دين الله والدعوة إلى الإسلام الصحيح ونشر الإصلاح و كان هدفهم الوحيد رضا الله تعالى***فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا***

  • داوود

    شكرا لشيخنا الفاضل على هذه الترجمة العزيزة لعالم من علماء منطقتنا و نطلب منه مواصلة التعريف بعلماء المنطقة وبعلماء الجزائر عموما حتى تتعرف عليهم أجيال الحاضر .دمت طيبا وموفقا والسلام.

  • عبد الحليم ح

    رحم الله الشيخ بلقاسم بن منيع ، و شكرا للأستاذ الهادي الحسني على اهتمامه بأعلام الجزائر و علمائها المصلحين .
    و إنا نحثأستاذنا أن يسلط الضوء على شخصية علمية جهادية أخرى هي : الشيخ المطيش اطويل ، وفاء بوعده الذي سبق و أن قطعه على نفسه ، و كل محبي الشيخ المطيش و أحفاده و أسرته بانتظار ذلك ..
    جعل الله ما تخطون بيمينكم في ميزان حسناتكم .

  • جعفر باك

    هل تكتب ليفهم الناس
    لماذا كلمات صماء جوفاء جاهلية

  • ali menia

    بارك الله فيك يا شيخنا الفاضل

  • بدون اسم

    كلمات المقال تحيي في النفوس جذوة الامل لانها ترجعنا الى ماض وضيء نحن احوج ما نكون له ولله در كاتبه الشيخ الهادي الحسني

  • محمد

    نشهد لك يا استاذ بورعك وغيرتك على الدين والوطن،انا شخصيا اتابع مقالاتك باهتمام ، ارجوا ان تتعاقد مع قناة الشروق لتشرف على حصة تستضيف فيها كبار علماء الجزائر لتعرف بهم وتنفض الغبار عنهم، فللاعلام دور كبير وحساس في تربية النشأ على حب علمائهم وحب هذا الوطن، لان جهل الشباب بعلمائنا هو ما جعلهم يستمعون ويتصلون باشباه العلماء في دول الخليج ليورطوهم في الحروب المشتعلة في مختلف اقطار وطننا العربي ويقظون هم اجازاتهم في بلدان اوربا، ارجوا ان ياخذ اقتراحي هذا بعين الاعتبار منك ومن قناة الشروق تحيا الجزائر.

  • نسرين

    لا يكاد يخلو مقال من مقالات شيخنا حسونة من كلمات : الجيجلي , شيخي فلان , فرنسا , مسجد باريس , بعض الاساتذة الذين عرفهم و هم بالمناسبة اتقياء اطهار مصلحون . .......