الجزائر
أنهى حفظ كتاب الله في يوم استقلال الجزائر

الشيخ صالح مكاحلية… قارب الثمانين ومازال “سيد المحراب”

ب.دريد
  • 305
  • 0
ح.م

ما إن أعلن استقلال الجزائر سنة 1962، حتى أعلنت عائلة مكاحلية، ببلدية بوخضرة المنجمية في ولاية تبسة، ختم ابنها صالح، القرآن الكريم في نفس اليوم، بعد مسيرة قضاها بين قرية مسيد وبوخضرة ومدينة الكاف التونسية، وقد كانت الفرحة فرحتين، فرحة التمكن من الكتاب العزيز، وفرحة التخلص من نير المحتل، خاصة وأن الوالد رحمه الله كان رئيس مركز المجاهدين بالمنطقة، ولم يقصر في حق ابنه الذي بدت عليه علامات النبوغ وقوة الحافظة والذكاء الخارق.
ظروف الاستعمار والوضع الاجتماعي البائس حتم عليه أن يبقى بمسقط رأسه، ثم هاجر إلى تونس، إذ وبعد ولادته نهاية الأربعينيات، وبعد تضييق المحتل على المنطقة ومطاردة كل من تشتم فيه رائحة الولاء للثورة والمجاهدين، قرر الوالد الهجرة إلى تونس والفرار بابنه الذي لم يتجاوز سن ثماني سنوات، وهو حافظ لعدد معتبر من سور القرٱن الكريم، وبعد أن رتب الإقامة بمدينة الكاف، قرر والده رغم انشغاله بالثورة وعلاقته بالمجاهدين، أن يواصل ابنه مرحلة التعليم حيث أخذ ابنه الأكبر، وتوجه به إلى زاوية بالمدينة المذكورة، فتمكن من الإحاطة بمختلف المعارف الفقهية والعلوم الشرعية، إلى أن حفظ القران الكريم على رواية ورش حفظا جيدا.
وقد عرض القرآن أربع مرات كما يقول في أولى أيام فجر الاستقلال، وهذا على يد مشايخ زاوية الكاف، وبعد العودة إلى أرض الوطن سنة 1967م، لتكون الوجهة برفقة الشيخ حمودة من أبناء المنطقة إلى معهد الشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة حيث تتلمذ على يد المفتي الراحل، الشيخ مرزوق، وهو إمام مسجد وأحد تلامذة الشيخ عبد الحميد بن باديس، وفي هذه الفترة بدأت التوجهات إلى الخطابة تبرز لدى الشيخ إذ عاد إلى بوخضرة مسقط رأسه وهذا سنة 1970م.

مسار حافل
وكما قال للشروق: بقيت عاكفا على قراءة القرآن والتدبر في معانيه ومطالعة بعض المتون الميسرة آنذاك، رغم قلتها، وفي سنة 1972م ونظرا للثقة التي نحظى بها، تم تعييني من طرف الشيخ عبد الحفيظ عشي معلما بمدينة ميلة، مسقط رأس الشيخ مبارك الميلي، لكن الشيخ عز الدين عباسي وحاجة الناس إلى إمام بمسقط رأسي، قام بتعييني إماما بمسجد بلال بن رباح ببوخضرة، وهذا يوم الجمعة 19 سبتمبر 1973م، حيث كانت لي أول خطبة وصلاة كإمام بصفة رسمية بالمسجد، وكنت ما أن تنتهي الصلاة حتى يلتف حولي المصلون ويشكروني على الخطبة والفصاحة والجرأة التي ظهرت بها، وبعدها يقول الشيخ صالح، كانت لي الفرصة لمتابعة التكوين حيث تنقلت إلى الجزائر العاصمة، فتكونت بمعهد مفتاح (تتبع ولاية البليدة حاليا) في مختلف المعارف الشرعية لمدة سنتين، وهذا سنة 1974م على يد المشايخ، أحمد حماني، الشيخ محمد كتو، والشيخ عوادي مبروك، والدكتور شرفي الرفاعي- رحمة الله عليهم أجمعين-، لتتاح لي الفرصة مرة أخرى في إطار التكوين بمعهد عقبة بن نافع ببسكرة، وهذا سنتي 1983/ 1984.

وبعد العودة إلى بوخضرة، يتابع الشيخ، ونظرا لعلاقتي الجيدة ببعض أهالي بولحاف الدير وخاصة الحاج نبّه- رحمة الله عليه- مؤسس مسجد الإمام مالك، تنقلت لمدة سنتين لأداء صلاة الجمعة، كما كان لي خطب وجمعات بمسجد أبي عبيدة بن الجراح بالبلدية ذاتها، حيث يمتلئ المسجد عن آخره، لأجد نفسي بعدها بمسجد سلمان الفارسي، وهو آنذاك من أكبر المساجد بعاصمة الولاية، وهو المسجد الذي فتح للشيخ آفاقا واسعة من خلال خطبة الجمعة والدروس الليلية وصلاة التراويح، حيث كان المسجد يعج بالحضور من مختلف أنحاء المدينة، كما كان له في تلك الفترة دور فعال في تحفيظ القرآن الكريم للأطفال.

وفي سنة 1987م تم ترقيته إلى مدير الشؤون الدينية التي كانت تعرف باسم ناظر الشؤون الدينية، حيث تولى المنصب لمدة 3 سنوات وعلى الرغم من ذلك لم يفارق المنبر والمحراب وعرفت مرحلته الإدارية أياما تكوينية للأمة والخطباء بحضور مديري مركزين والذين أشادوا بدور الشيخ إداريا ودينيا.

مناقب في خدمة الجالية بفرنسا
وفي أواخر 1990م، تم اختيار “سيد المحراب” من طرف وزارة الشؤون الدينية ليكون ضمن بعثة إلى فرنسا، ويقوم بمهام مفتش بمساجد الجالية الجزائرية بالإضافة إلى تقديم الدروس وإمامة صلاة التراويح لمدة 5 سنوات وهذا بمدن ليل، تروا وروبيه وأخرى، وقد وصف الرحلة بالناجحة بامتياز، وكان أحسن سفير للجزائر من خلال الدروس والصلاة والجلسات التوجيهية مع الجالية وربطهم بدينهم ووطنهم.
وبعد العودة إلى أرض الوطن رجع الشيخ مجددا إلى مسجد سلمان ثم طلب منه أداء الجمعة بالمسجد التاريخي العتيق، المتواجد داخل السور الروماني لمدة 4 سنوات، بعدها كانت له محطات بعدة مساجد بعاصمة الولاية خاصة التي تفتح لأول مرة على غرار مساجد فاطمة الزهراء، والقدس والحسن، ومسجد عائشة لمدة 4 سنوات، ومسجد الشيخ حماني ببولحاف الدير، وبعد إحالته على التقاعد بقي الشيخ محل طلب من طرف أئمة المساجد لإلقاء خطبة الجمعة حيث غالبا ما يكون كل جمعة بمسجد من المساجد، هذا بالإضافة إلى حضور مجالس الصلح بمختلف بلديات الولاية، وقد أكد الشيخ أن الخطيب الناجح هو من تتوفر فيه عدة شروط، منها الحفظ الجيد لكتاب الله، وأحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-، والثقافة الواسعة في مختلف المجالات، ليختتم اللقاء مع لشروق اليومي الذي أجريناه معه بمسجد الشيخ أحمد حماني ببلدية بولحاف الدير، بتوجيه نصيحتين أولاهما للأئمة من الجيل الجديد بضرورة الوفاء لمن سبقهم من الأئمة الأحياء منهم والأموات والاقتداء بمن كانوا أهلا لذلك، والابتعاد عن الخلافات والمسائل الخلافية والالتزام بالمرجعية الفقهية السنية، التي توحد الأمة وتبقي الوطن واحدا موحدا.

مقالات ذات صلة