الشيطان يسكن في التفاصيل!
تعكس الأحداث الأمنية المتسارعة في المغرب خلال هذه الأيام، واقعا أمنيا وسياسيا معقدا داخل المملكة التي ظل الحكم فيها يقوم على الدين كأساس لسنوات طويلة، بل ولعقود إلى غاية اليوم، حتى وان كان أساسا هشا ورابطا سلطويا ضعيفا.
لكن العرش المغربي بقي متمسكا بمبررات بقائه سالما من كل انقلاب وبعيدا عن كل تمرد،يكفي فقط إخراج ورقة أننا نحكم (باسم الله وباسم الرسول) حتى تتجدد الطاعة وتستقيم البيعة، فما بالك إذا كان المعارض ضدّك يستعمل نفس اللغة، سواء كان بصورة سلمية مثل حزبي العدالة والتنمية، والبديل الحضاري، أو بصورة عنيفة مثل الخلايا المسلحة للقاعدة!
خطأ الأنظمة العربية من المحيط إلى الخليج تكمن في اختيارها شرعيات ضعيفة للبقاء، فقامت باحتكارها حتى لا تُستعمل من طرف الآخر المعارض، فنجد بعضها يحتكر الثورية، حيث لا ثوار قبلها ولا بعدها، وأخرى تحكم باسم الدين إلى حد اعتبار المخالفين مطرودين مسبقا من جنة الخلد باسم الشيطنة!يبدو خطر القاعدة أكبر في المغرب، نظرا لأنها تبني خطابها على أساس الدين وتملك مبررات استمرارها، أكثر من أيّ بلد آخر، حتى وان لم نختلف مع أي تفسير أو تحليل يدين القاعدة في طبعتها المغاربية والتي باتت أخطاؤها مميتة ومدمرة للفرد والجماعة، ولكلّ الفئات من الحكام والمحكومين، لكن المثل الانجليزي الشهير يقول إن الشيطان يسكن في التفاصيل، وما يحدث في المملكة اليوم، لا يتوقف عند حدود شبكة بلعيرج، بل تتمادى خطورة الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير!صحيح أن القاعدة في بلاد المغرب تجزأرت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، وتمركزت في بلادنا التي عانت ويلات الإرهاب لسنوات، بيد أن ما يحدث في المغرب وموريتانيا هي عمليات نوعية تهدد الأنظمة أكثر مما تقترفه بقايا الإرهاب المستمر بفعل فاعل في الجزائر في قتلها الأبرياء واصطيادها الفقراء لتفجير أنفسهم في الساحات العمومية.لقد أضحت القاعدة تمنح الأنظمة في المنطقة، وليس الولايات المتحدة فقط، مبررات سحب الشرعية من كل تنظيم سياسي مدني، تماما مثلما فعل الإخوان المسلمون في عقود سابقة عندما أسسوا جناحا مسلحا في بعض الدول، فأعطوا للنظام البوليسي شرعية القضاء على الجناح السياسي وعلى كل حزب يدور في فلكهم، ناهيك عن مراقبة المساجد وحصار الدين بعلمانية متطرفة!التفاصيل المعقدة والمتواطئة في حالة شبكة بلعيرج التي تم تفكيكها في المغرب والقبض على من يوصفون بأعضائها، تبدو واضحة بجلاء في توجيه تهم للموقوفين بارتباطهم مع القاعدة وإيران وحزب الله في آن واحد، وهو نقيض لا يستقيم، إلا إذا كان الهدف هو استعمال شمّاعة الإرهاب مرة أخرى لتقوية شوكة النظام وتصفية خصومه، وعليه، بات لزاما على القاعدة في بلاد المغرب أن تحل نفسها، لأنها لم تخدم أحدا في المنطقة أكثر من خدمتها للأنظمة المستبدة.