الرأي

الشُّعراء الألمان وسحر الآداب الحِكائيّة العربية

 ترجمة: بحوح نور الدّين
  • 97
  • 0
ح. م
صورة تعبيرية.

إذا رمينا إلى استكشاف ظلال الأدب العربي الحكائي في المشهد الأدبي الأوروبي، فلا مناص من الارتداد إلى بواكير العصر الإسلامي، حينما تواصلت القارة الأوروبية لأول مرة مع معالم الحضارة الإسلامية عبر الهجرات الفاتحة جنوباً غرباً وشرقاً. ثم ننتقل إلى طور التماس الثاني الذي فرضته جحافل الإفرنجة بتوغلها في عمق المشرق الإسلامي مطلع القرن الحادي عشر، وبنائها للممالك الصليبية في القدس والساحل الشامي.

ففي تلك الحقبة، بدأت الأخيلة والأشكال الأدبية العربية تتسرب بعمق إلى النسيج القصيد والشعر الملحمي الغربي، محصورةً على أوتار وحناجر مغني الجوالة (التروبادور).

إنّنا ندرك اليوم جيّداً أنّ العديد من أعمال ‘فولفرام فون إيشنباخ’ تحوي الكثير من الشّعر الحماسيّ العربيّ، وأنَّ ‘هاينريش فراونلوب’ أعاد استخدام قصص ألف ليلة وليلة الخيالية في أعماله. وتلك الأعمال تروي، منذ فترة الحروب الصّليبية، روائع وبشكلٍ عجيب في الأغاني الحماسية لأولئك الشّعراء المغنّيين (التروبادور)؛ حيث يجد المرء لذّة ومتعة مثيرتين وعجيبتين، تزخران بألوان من مواضيع السرد ودوافعه ومنابعه، وكأنّنا نلتقي من أوّل وهلة بمخطوطات القرون الأولى للآداب العربية. غير أنّ الحقّ الّذي يجب أن يُقال هو أنّ مثل هذه الأفكار والوقائع لم يعرف الضّمير الجمعي الغربي يوماً مصدرها، ولم يقرَّ بأنَّها من إنتاج عقلٍ غير عقله وروح غير روحه؛ فالألمان كغيرهم من المجتمعات الأوروبية—باستثناء الإسبان—عملوا على إخفاء كلَّ فضلٍ للثقافة العربية وتنكّروا لجميلها، إذ بقي الغرب المسيحيّ—كما يعرّف هو نفسه دائماً—معترضاً على الاعتراف بأثر الثّقافة والرُّوح الإسلامية في ثقافته.

ومع ذلك، ثمة استثناءات كثيرة تسترعي انتباهنا وتستوجب الوقوف عندها؛ إذ يتعيّن علينا أولاً الإشادة بالفيلسوف ‘يوهان غوتفريد فون هردر’، فبالرغم من خلفيته الدينية الإنجيلية، إلا أنه كتب عام 1778 بإنصاف وحياد وشجاعة نادرة—باعتباره مؤرخاً ثقافياً—في مقال له بعنوان: ‘حول أثر فن الشّعر في أخلاق الشّعوب في الأزمان الغابرة والحديثة’، قائلاً: ‘عندما تدفّق العرب إلى جزءٍ من أوروبا وبقوا هناك قروناً عديدة، فإنّهم لم يتركوا أثراً أهمَّ من شعرهم وعلمهم. غير أنَّ شعرهم كان له من الأثر البليغ علينا ربّما أكثر من علومهم، والّذي سنبقى ممنونين لهم به.

لقد حظيت أوروبا بفنٍّ رفيعٍ غنيٍّ بالروائع والمغامرات، ومفعمٍ بقيم الدين والشرف والحب؛ الفنّ الذي استمرّ في الانتشار والنموّ من الجنوب إلى الشمال ليمتزج بالدين المسيحي، وفي الوقت نفسه، بذوق سكان الشمال الجافي.

إنَّ حكايات ‘آرثر والطّاولة المستديرة’، و’الإمبراطور شارلمان ومروج فرنسا’، وقصص ‘الجنّ والفرسان والقدّيسين’، كلّها حكاياتٌ نشأت في حقبةٍ كان فيها الذهن الأوروبي جافياً للغاية، إلى الحدِّ الذي عجز معه عن استنشاق أريج الشّعر العربي. وإذا كان ‘هردر’ قد أشاد باللّباقة العربية والأوروبية وامتزاجهما في الألفيّة الأولى لظهور الإسلام، وزاد ‘غوته’ ذلك تأكيداً بعبارته الشّهيرة: ‘الشّرق والغرب كلٌّ لا يمكن الفصل بينهما البتّة’، فإنَّ ‘ألكسندر فون هومبولت’ قد عزّز وجهة نظرهما بدراسةٍ جديرة بالاهتمام أصدرها عام 1847، أوضح فيها الدّور العربي الكبير في الدّفع الثّقافي بتاريخ الأفكار الغربيّة.

الأريج الّذي يتضوّع من ألف ليلة وليلة

ما الّذي عرفه ويعرفه الأدباء الألمان عن العرب وأدبهم؟
في مطلع القرن الثّامن عشر، طُبع أوّل عملٍ أدبيٍّ عربيٍّ في أوروبا، غير أنَّ تلك الطّبعة كانت فرنسية؛ إذ تمثّل هذا العمل في حكايات ‘ألف ليلة وليلة’ الّتي ترجمها المستشرق الفرنسي ‘أنطوان غالان’، ومن فرنسا شقَّ الكتاب سبيله نحو بلدان العالم كافة. وإذا استثنينا الكتاب المقدّس، فإنه يمكننا القول إنّه لا يوجد كتابٌ حظي بانتشارٍ وتوزيعٍ واسعين مثل هذه المجموعة العربية من روائع الأساطير والحكايات.

ولعلّ أدباء مثل: ‘فيلاند’، و’غوته’، و’ماكسيميليان كلينغر’، و’غوتفريد أوغست برغر’، و’كارل إيمرمان’، و’أوغست فلهيلم شليغل’، و’شتيفان جورجه’، و’هوغو فون هوفمانستال’، و’هرمان هيسه’، و’فريدريش يونغر’، و’هرمان بروخ’، يُعدّون جميعاً من أبرز الشّعراء والأدباء الألمان الّذين نفذ إليهم سحر ‘ألف ليلة وليلة’، واستلهموا منها واقتبسوا لأعمالهم الأدبية.

ويعود هذا الأثر البليغ الّذي تركته ‘ألف ليلة وليلة’ في الأدباء والشّعراء الألمان إلى أسبابٍ عديدة، غير أنّه يمكننا إجمال نقطة أساسية قادت إلى هذه الحفاوة السّريعة بتلك الأساطير العربية في عصر التّنوير، وتتمثّل في محتواها وقيمة أفكارها الشّعبية. وهذا ما أشار إليه ‘فيلاند’ عندما كتب أنّ عناصر هذه الحكايات والأساطير ومكوّناتها: ‘تتناول كلّ شيءٍ؛ من المحيط والبيئة، إلى الظّروف والأشخاص بتنوّعهم؛ سواء أكان المرء شاباً يافعاً أم عجوزاً مسنّاً، إنساناً وضيعاً أم رفيعاً، عالماً أم أميّاً، كَسولاً أم ناشطاً؛ كلّهم يجتمعون ليروا من روائع الأحداث والمغامرات، أو يجلسون ليستمعوا إلى جميلها وعجيبها.

إنَّ للخوارق والخيال والسحر والجنّي الصّغير دوراً كبيراً في جمالية ‘ألف ليلة وليلة’، ولكنَّ الأعجب فيها هو ذلك التّصوير الدّقيق والبسيط واللّطيف؛ فالخيال يجد سنداً قويّاً في البيئة الواقعية البَيِّنة، وفي الرّسم الجليّ والشّاعري للصّور والأحداث المرئيّة، حتى إنّنا لسنا هنا أمام ذلك الفضاء الدّاكن والغائم والكئيب الّذي يميّز بلاد الشّمال
كما كان لتلك الصّورة الإنسانيّة لعالم البشر في ‘ألف ليلة وليلة’ جاذبيّتها وسحرها الكبيران في نفوس الأدباء الألمان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ فالمجتمع الّذي تصوّره الروايات ونتحرّك في أرجائه هو مجتمعٌ متحضّرٌ ذو سلوكياتٍ مهذّبة، وأخلاقٍ رضيّة، ونمط حياةٍ راقٍ، ممّا يدلّ على عمق التّربية والتكوين الثّقافيين في هذا المجتمع واستمرارهما لحقبٍ طويلة. إنَّ طريقة محاورة الرّجل للرّجل، أو الشّبح للشّبح، أو الجنّي للإنسان، تتمّ بأدبٍ ولطفٍ تامَّين، وباحترامٍ ومجاملاتٍ متبادلةٍ لا نجد لها نظيراً في أيّ مكانٍ آخر سوى ‘ألف ليلة وليلة’.

  كما تكشف لنا تلك الأناقة عن مجتمعٍ رفيع الثّقافة والتّعليم، يدير فيه حمّال السّوق حواراً راقياً مع سيّدةٍ تفوقه مرتبةً اجتماعيّة، لكنّها تُساويه في المكانة الثّقافيّة والأدبيّةوهذا ما يُثير الفضول ويلفت الانتباه إلى حقيقة الثّقافة العربيّة في العصور الوسطى، حيث كان يُنظر إلى العلماء والمفكّرين نظرة إجلالٍ وتوقير؛ إذ بلغ العلم والمعارف من العلوّ والشّأن ما لم يبلغاه في زمنٍ ولا مكانٍ آخرفالميزة التي يتفرّد بها البطل في القصّة أو الأسطورة العربيّة—سواء أكان أميراً أم ابناً لتاجر—هي مستواه التعليمي العالي وإلمامه بالآداب والمعارف؛ إذ نجده يتكلّم لغاتٍ عديدة، وينظم الشّعر ارتجالاً، ويتمتع بقدرةٍ فكريةٍ فذةوفي السياق ذاته، تُجمّل الثّقافة الفنّية أخلاق النّساء الشّاعرات وأدبهنّ، فغالباً ما تصدر أجمل الكلمات وأبلغ العبارات عن أفواههنَّ.

إنَّ ‘ألف ليلة وليلة‘ هي أسطع دليلٍ على الذّكاء الفذّ، ولغة الحوار القويّة للرّواية التي وثقت في سحر كلماتها، واعتمدت عليها في شفاء السّلطان الجائر من علَّته النفسية؛ ممّا يدعونا إلى إعادة النَّظر في تلك الصّورة النّمطيّة التي يحملها البعض عن وضع المرأة في العالم العربي.

حاتم وزليخة

وإذا أخذنا في الحسبان القيمة الشّعرية لمجموعة المصنّفات الأدبية العربيّة، فلن يتملّكنا العجب إذا علمنا أنّ الشّاعر الألماني الكبير ‘غوته’ كان يشعر بألفةٍ بالغة وكأنّه بين أهله في بغداد ‘ألف ليلة وليلة’؛ بل إنه لم يُسلِم نفسه لشهرزاد فحسب، وإنما استلهم منها بشكلٍ جليّ في قصيدته ‘بهجة الرّواية’، وهو السبب ذاته الذي يفسّر كثرة الاستدعاءات والاقباسات من ‘ألف ليلة وليلة’ في نتاجه الأدبيّ. ولم يقتصر تأثّره على مواضيع بعض الأعمال القصصيّة في ‘ألف ليلة وليلة’ وأشكالها وسياقاتها، وإنما اتكأ على الخصائص الأسلوبية لشهرزاد في سرد قصصها، جاعلاً منها نموذجاً يحتذى في بعض أعماله؛ مثل: ‘أحاديث مغتربين ألمان’، و’الشعر والحقيقة’، و’أعوام سياحة فيلهلم مايستر’. كما كان لـ’ألف ليلة وليلة’ أثرٌ بالغٌ في أعماله الدّرامية، ولا سيما الجزء الثّاني من مسرحيّة ‘فاوست’؛ بدءاً من دور السّاحرات في إخفاء الكنز وحصن المومياوات، وصولاً إلى ليلة ‘فالبورغيس’ الكلاسيكية والتقاء فاوست بـ’هيلينا.

عندما أعلن ‘غوته’ في ديوانه ‘الديوان الشرقي للمؤلف الغربي’ أنَّ بغداد ليست بعيدةً عن العاشقين، لم يكن يشير هنا إلى بغداد حكايات ‘ألف ليلة وليلة’ فحسب، وإنَّما إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية ذاتها؛ والتي كان يمتلك عنها معلوماتٍ تاريخيةً مذهلة، حتى إنه رفعها إلى مصاف الحواضر العربيّة ذات الثّقافة الرفيعة والمزدهرة، مقارنةً بمدينة ‘فايمار’ الألمانية التي كان يعيش فيها. أمّا عبارة ‘بغداد ليست بعيدة عن العاشقين’ الّتي ضمّنها ديوانه، فقد اقتبسها من الشّاعر التّركي ‘نجاتي’، وتحديداً من قصيدته التي يقول فيها: ‘إن كَانَت عنكَ بعيدة، فإنها عن العاشقين بقرب المشرقين والمغربين؛ فشدّ الرّحال إليها يا قلبي، فما أقصر طريق العشّاق إلى بغداد!’. بل إنَّ غوته قد صاغ هذه الأبيات ذاتها في قالب قصيدةٍ غزليّة، يتغنّى فيها بحبّه لـزليخة.

تَفَرَّقَ مَنْ تَهْوَى وَشَطَّ بِهِ النَّوَى
كَمَا بَعُدَتْ مِلْءَ الفَضَاءِ مَشَارِقُهْ

إِذَا رَحَلَ العُشَّاقُ غَرْباً وَمَشْرِقاً

فَمَا فَرَّقَ المَقْدُورُ خِلّاً يُرَافِقُهْ

 

يَسِيرُ بِهِمْ نَحْوَ الصَّحَارِي سَفِينَة
مِنَ الوَجْدِ وَالقَلْبُ المُلَوَّعُ سَائِقُه

يُرَافِقُهُ نَفْسُ المَوْكِبِ الصَّبِّ فِي المَدَى

وَتَحْدُو بِهِ أَشْوَاقُهُ وَسَوَابِقُهْ

وَمَا دَارُ بَغْدَادٍ” بِعِيدٍ عَنِ الهَوَى
فَكُلُّ بِلَادِ العَاشِقِينَ طَرَائِقُهْ

 

صار اليوم واضحا للباحثين في أشعار غوته أنَّه استعار اسم زليخة  ليخفي وراءه اسم ماريان الشّاعرة والمغنّية خطيبة يعقوب فيلمار صديق غوته والتي كان مولعًا بها. أمّا اسم حاتم العربي فيختفي وراءه غوته نفسه.

إنّ ذكر بغداد في أعمال الأدباء الألمان كان دائما رمزا للحنين والشّوق إلى الماضي وإلى الوطن. و رمزًا للأمل في اللّقيا والوصل بعد انقطاع، ورمزا لآلام وجراح الحبّ لا تندمل.

ولكن، ما السّر الّذي منح بغداد هذه القوّة في شفاء قلوب العاشقين وعلاجها؟ نجد الجواب في المثل العربي القائل: ‘اطلب التّرياق من بغداد’، والتّرياق هو ذلك الدّواء الفعّال المضادّ للدغات الأفاعي وسمومها، وكان يُحضّر في بغداد. أمّا ‘غوته’، فقد ترك قصاصةً بين أوراقه كتب فيها: ‘قبل أن نطلب التّرياق من بغداد، يكون المريض قد قضى‘.

إنّ من كان يعيش في ‘فايمار’ مثل ‘غوته’ و’هردر’، كان على درايةٍ واسعةٍ بحواضر الثّقافة العربيّة وإبداعاتها الفكريّة التي يفوق حجمها ما يمكننا تصوّره اليوم؛ ففي تلك الحقبة، لم يكن الانبهار مقصوراً على أسلوب السّرد العربي وحده، بل كان ثمّة اهتمامٌ كبيرٌ بالأمثال العربيّة، ولا سيما من قِبل ‘ليسنيغ’ والمستشرق ‘يوهان ياكوب رايسكه’، اللّذين نقلا نماذج منها إلى اللّغة الألمانيّة. وقد شكّل وجود هذين المثقّفين المستعربين حافزاً للكثير من أدباء القرن الثامن عشر للاهتمام بالثّقافة العربيّة؛ فعندما التحق غوته بالدّراسة في جامعة ‘لايبتسيغ’، كان ‘رايسكه’ قد أصدر بالفعل ترجمته لأشعار المتنبي الغزليّة، ممّا ترك أثراً بليغاً في وجدان الشّاب غوته الذي كان يبلغ حينها ستة عشر ربيعاً، لتتغلغل أصداء هذا الأثر لاحقاً في رائعته ‘فاوست.

معين لغة لا ينضب

وكان ‘غوته’ و’هردر’ قد أجمعا على تلك الألفة الفريدة والصّلة المميّزة التي تربط العرب بالشِّعر، إلاَّ أنّ ‘هردر’ سبق ‘غوته’ في التّعبير عن رأيه؛ إذ كتب عام 1778: ‘إنَّ العرب كانوا وما زالوا شعراء؛ فلغتهم وعاداتهم خُلقت بالشّعر ومن أجل نظمه. إنّهم يعيشون تحت الخيام وفي ترحالٍ مستمرّ، وحياتهم حافلة بالمغامرات والتقلّبات، لكنّهم متمسكون بأعرافٍ وتقاليد ثابتة، وتجمعهم أصالةٌ وسليقةٌ شعريّة. فبدل أن يتباهى العربيّ بالتّاج، تاهَ فخراً بعمامته؛ وعِوض أن يُمجّد الجدران، مجّد خيمته؛ وبدلاً من الحصن، آثر السّيف؛ وبدلاً من القانون الجاف، جعل الشّعر دليله.

كما اعتبر ‘هردر’ أنَّ الشّعر كان له بالغ الأثر في عادات العرب وتقاليدهم، بخلاف القانون الّذي نادراً ما حظي بمثل ذلك التأثير. فالشّعر—حسب هردر—’يعكس رؤية العرب للحياة؛ فهم يتنسّمون الحرّية ويرفضون الخضوع، ويمتازون بالكبرياء والإباء والشجاعة؛ إذ هم أشدّاء على العدوّ إلى حدِّ الانتقام وسفك الدّماء، ودَمِثو الخُلق مع الصّديق، وأوفياء مع الحليف. كما تولّدت عن تنقّلاتهم وترحالهم روح المغامرة فمزجوها بأشعارهم؛ فالشّاعر المتغزّل عندهم يتباكى ويأسى، ولكن بعزّة الفارس الباسل’. وقد سبقت هذه الشّاعرية العربيّة ظهور النّبي—صلى الله عليه وسلم—بعقود.

ولقد بلغ ثناء ‘هردر’ على الأدب العربيّ ذروته في كلمات مدهشة، قلّما تصدر عن كاتبٍ غربيّ، إذ قال: ‘ليس هناك شعبٌ يحق له أن يفتخر بشغفه وحبّه للشّعر مثل العربي في عصوره الذّهبيّة’. وفي السياق ذاته، اهتم الأديبان بالمعلّقات السبع التي ظهرت قبل الإسلام؛ حيث قام ‘هردر’ بترجمتها عام 1783، وتبعه ‘غوته’ بالثناء عليها والاهتمام بها، مستعينَيْن في مقاربة تلك النصوص بنماذج لاتينية وأخرى إنجليزية كانت متوفّرة في تلك الحقبة. وقد أشاد غوته بتلك القصائد واعتبرها كنزاً من الرّوائع يساعد على إدراك المستوى البلاغي والثّقافي الّذي بلغه المجتمع العربيّ في شبه الجزيرة قبل بعثة الرّسول—صلّى اللّه عليه وسلّم—. فضلاً عن ذلك، تأثّر غوته كثيراً بشعر البطولة والحماسة؛ فقام بترجمة ‘لامية العرب’ (قصيدة الانتقام) للـشّاعر الصعلوك ‘تأبّط شرّاً’، والتي أراد من ورائها أن يُقدّم للقارئ الألماني نموذجاً حياً عن جسارة الشّعر العربي وقوته.

وقبل عامٍ واحدٍ من وفاته، زار ‘غوته’ مستشرقٌ شاب، وكان الأديب الكبير قد ناهز حينها الحادية والثمانين من عمره؛ وقد نقل لنا هذا الزائر في تقريره مدى عمق الأثر الذي خلفته تلك القصائد والروائع الشّعريّة العربيّة في شخصيّة غوته وروحه، إذ كتب قائلاً: ‘أخبرني غوته أنه عندما كان فتىً يافعاً، كان شديد الولع بالشّعر العربيّ وشغوفاً به. وعندما أبديتُ له إعجابي بترجمته لشعر الحماسة في ديوانه الشّرقي الغربي، رفع رأسه واستوى في جلسته، وبدت معالم العزّ والكبرياء ترتسم على تقاسيم وجهه، ثمَّ أنشد.

مَضَى قَتِيلاً عَلَى الأَدْرَابِ بَيْنَ صَخَا

وَلَمْ تَجُدْ مِنْ دِمَاءِ الجِسْمِ قَطْرَاتُ

نَجُرُّ فِيهِ خُطَانَا طُولَ لَيْلَتِنَا
مِثْلَ السَّحَابِ لَهُ فِي الجَوِّ سَبْحَاتُ

تَبْدُو السُّيُوفُ إِذَا سُلَّتْ مَضَارِبُهَا

نُوراً يُضِيءُ إِذَا مَا اللَّيْلُ مِيقَاتُ

نُغْرِي الأَشَابِحَ بِالرُّقْيَا فَتُومِئُ لِي

وَنَضْرِبُ الرَّأْسَ لَكِنْ هِيْ خَيَالاتُ 

تَمْضِي كَمَا مَرَّ لَمْعُ الآلِ فِي قَفَرٍ

فَمَا اسْتَقَرَّتْ وَمَا نَالَتْهُ طَعْنَاتُُ 

إنّ هذا التّقرير ليكشفُ—أكثر ممّا تكشفه ‘الـملاحظات والتّعليقات’—عن طبيعة العلاقة المتينة التي ربطت الشّاعر الألماني ‘غوته’ بالشّعر العربي.

جمال من اللّه

وختاماً لهذا الفصل، يجدر بنا إجمال أثر القرآن الكريم والرسول العظيم في وجدان الشّاعر الألماني؛ فقد كان ‘هردر’ أوّل من تناول القرآن الكريم بالدراسة، واعتبره عملاً إبداعياً فريداً، وتحفةً بيانيةً لا تُضاهى، تحدّى بها الرّسول الكريم فصحاء الشّعراء على أن يأتوا بمثلها، كما وصف الإسلام بأنّه ‘دينٌ شاعريّ’. ولم يكن هذا التناول مستغرباً إذا أدركنا أنَّ ‘هردر’ و’غوته’ كانا ينظران إلى العهد القديم (الكتاب المقدس) بوصفه مجموعةً من الأشعار والآداب الشّرقية القديمة.

ومِن المعلوم عقائدياً أنَّ كلّ مسلمٍ يوقن بأنَّ القرآن هو كلام الله الّذي أوحى به إلى نبيّه محمّد—صلّى الله عليه وسلّم—عن طريق الرّوح الأمين جبريل—عليه السّلام—. وبما أنَّ القرآن معجزةٌ لغويّة وخالدة لا يأتي بمثلها أحدٌ ولا يحاكيها، فإنَّ في هذا الإعجاز وتلك القيمة الجماليّة دليلاً ساطعاً على مَصدره الإلهي.

وفي السياق ذاته، كان غوته متأثّراً للغاية بشخص الرّسول الكريم محمّد—صلّى اللّه عليه وسلّم—؛ بل إنَّ شغفه به قد بلغ مَداه حين شرع في تأليف مسرحيةٍ وهو في الثالثة والعشرين من عمره، هدفَ من ورائها إلى الرّد على العمل المسيء للرّسول الكريم الّذي صنّفه ‘فولتير’. وقد قسّم غوته مشروعه المسرحي إلى فصول؛ أشار في الفصل الأوّل منها إلى توقّد إيمان الرّسول الكريم وعمق يقينه، وفي الفصل الثّاني إلى سعيه وجهاده—صلّى اللّه عليه وسلّم—لترسيخ عقيدة التوحيد وإيصالها إلى البشرية. كما كتب في الحقبة ذاتها قصيدته الشّهيرة ‘ترنيمة محمّد’، الّتي تُعدّ أوّل مَدحٍ وتعظيمٍ للرّسول الكريم يصدُر عن شاعرٍ غربيّ.

وقد نسجت الشّاعرة ‘كارولين فون غوندروده’ على منوال غوته في قصيدتها ‘حلم محمّد في الصّحراء’، واصفةً لحظةً جليلةً من لحظات ابتهال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم.

شَقَقْتَ حُجُوبَ غَيْبِكَ عَنْ عُيُونِي
فَأَبْصَرْتُ اليَقِينَ بِذِي السِّنِينِ

رَأَيْتُ رَايَاتِ نَصْرِ الدِّينِ تَزْهُو
تُرَفْرِفُ بَيْنَ سَقْفٍ وَالأَرَضِينِ

تَسُودُ شَرِيعَتِي فِي كُلِّ بَيْتٍ
وَيَعْلُو حُكْمُهَا كُلَّ العَالَمِينِ

غير أنَّ ‘فون غوندروده’ تُوفّيت عام 1806 دون أن يلتفت إلى شعرها وكتاباتها أحد؛ لكنَّ الأقدار شاءت أن يأتي بعدها بنحو قرنٍ من الزمان الأديبُ ‘كلابوند’ ليستلهم من سيرة الرّسول الكريم ودعوته روايتَه ‘محمّد’ الصّادرة عام 1917. وكذلك الشاعر ‘راينر ماريا ريلكه’ في قصيدته السونيتية ‘ابتهال محمّد’ الصّادرة في باريس عام 1907؛ إذ كان المستشرق ‘فريدريش كارل أندرياس’ قد أشار عليه بقراءة ‘الديوان الشرقي للمؤلف الغربي’، كي يستأنس بالقرآن الكريم وسيرة الرّسول العظيم.

لقد كان ‘غوته’ أوّل شاعرٍ أوروبيٍّ كبير ينفتح على الإسلام، واستطاع بصراحته وصدق تعامله مع القرآن الكريم والعالم العربي أن ينقل للغرب أفكاراً وأبعاداً جديدة. ولكن، ممّا يُؤسف له أنَّ القليل فحسب من أصحاب العقول النَّافذة من بني قومه كانوا قادرين على اتّباع منهجه والاقتداء به في مطلع القرن التاسع عشر؛ ومع ذلك، فقد بلغ صدى أفكاره أوروبا الشّرقيّة، حيث وجدت آذاناً صاغية؛ كآذان الأديب الرّوسي الشّهير ‘ألكسندر بوشكين’، والشاعر البولنديّ ذائع الصيت ‘آدم ميتسكيفيتش’، اللّذين كتبا شعراً وأدباً عن العالم الإسلامي، وتناولا نمط المعيشة العربي والأفكار الإسلامية بشيءٍ من الجدّية والتّعاطف.

ولو أنَّ أوروبا والعالم الغربيّ لم يحتفظا بتلك الأحكام المسبقة القديمة ويتشبّثا بها في علاقتهما مع العالم العربي، وأنصتا لأصوات تلك العقول النّبيلة واتّخذاها قدوةً ومَناراً، لكان العالم اليوم أفضل بكثيرٍ ممّا هو عليه.

مقالات ذات صلة