في الحامّة
أعرفُ حامّة شمال مدينة قسنطينة في الطريق إلى مدينة جيجل، وأعرف حامّة شرق مدينة الجزائر في حيّ محمد بلوزداد، ولكنّ هذه الحامّة تقع جنوب مدينة سطيف في الطريق إلى باتنة. لقد ذكّرتني هذه الحامّات بكتاب ياقوت الحموي المسمّى: “المتّفَق وضعًا المختلَف صقعًا”، أي أسماء واحدة في أماكن مختلفة.
دُعيتُ لزيارة هذه البلدة عدّة مرات، ولكنّ حوائلَ حالت دون تلبيتها، حتى أذن اللهُ عزّ وجلّ بزيارتها في يوم الجمعة 24/ 7/ 2026. وقد عضضتُ أناملي ندمًا على عدم زيارتها من قبل بعد ما رأيتُ جمال المنطقة، خاصّة جبالها الراسيات التي انعكست على سكّانها الأباة.
تقع “حامّتُنا” هذه في منخفض من الأرض، وتحيط بها الجبالُ الشامخات إحاطة السوار بالمعصم، أو العقد بالجيد، يتوّجها جبلُ “بوطالب” الأشمّ، الذي أذاق الفرنسيين ما لم يذوقوه في دول أخرى في أوروبا وفي آسيا. وعندما كنتُ أسرّح الطرف في تلك الجبال الشاهقات مكبَّل اللسان بجمالها وجلالها كنتُ أردّد في صدري بيتي الشاعر المجاهد محمد الشبوكي:
سلامًا سلامًا جبال البلاد فأنتِ القلاع لنا والعماد
ففيكِ عقدنا لواء الجهاد ومنكِ زحفنا على الغاصبين.
ومما أعجبني في البلدة أنّ سكانَها لا يؤدّون صلاة الجمعة إلا في “المسجد العتيق”، وهذا رأيٌ فقهي وجيه إلا إذا ضاق المسجدُ العتيق بالمصلين، ولا أعلم هذا التقليدَ إلا في مدن إخواننا في وادي ميزاب.
وقد سُعدتُ عندما وجدتُ بعض معارفي من أبناء الحامّة، وبعضهم ممّن درس عندي في كلية العلوم الإسلامية بالخرّوبة، ومن معارفي من أبناء البلدة الأستاذ الدكتور إبراهيم صحراوي -رحمه الله- وهو مترجمٌ متمكّن، يشهد له تعريبه كتاب “رجل الاستشراق” لدانيال ريغ، وصاحب “دار التنوير” للنشر والتوزيع.
ومما زرتُه مدرسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في أعالي بلدة الحامّة، وقد زارها الإمامُ محمد البشير الإبراهيمي، وكان في صحبته صاحبُ الذاكرة النادرة الشيخ نعيم النعيمي، الذي شهد له الإمامُ الإبراهيمي بأنه ثاني اثنين في الجزائر في شعر الرّجز، وإن تساءلتَ -أيها القارئ- عن أوّل الاثنين فأنت لستَ من المهتمّين بالحركة الأدبية في الجزائر، وإلا لعلمتَ أنّ هذا الأوّلَ ما هو إلا الإبراهيمي الذي دانت له شواردُ اللغة العربية.
والمدرسة حاليا في وضعية متدهورة، ولكنّ الإخوة عازمون على ترميمها والاستفادة منها في تعليم القرآن الكريم، خاصّة أنها تقع في مكان يلفّه الهدوءُ، فلا مُكاء فيه ولا تصدية.
من أجمل ما رأيتُ في الطريق بين بلدة الحامّة وبلدة الرصفة كتابات بخط جميل تذكّر المارِّين بالله عز وجل، وتنبّه الغافلين، كما رأيتُ صورة جميلة للمجاهد الشهيد محمد العربي ابن مهيدي، وشاهدتُ أوعية بلاستيكية على حافات الطريق، فأخبرني دليلي في هذه الرحلة بأنّ هذه الأوعية يضعها المواطنون على مسافات متقاربة ويملأونها ماءً لترتوي الطيورُ السابحات في جوّ السماء، فجسّدوا بذلك قول “الرحمة المهداة”: “في كلّ كبدٍ رطبةٍ أجر”. وأمّا ما غمرني به الإخوة في الحامّة من وُدٍّ فإنني أستطيع تصوُّرَه ولا أستطيع تصويرَه، مما ذكّرني بقول المطرب المصري: “ما تحبنّيش بالشكل دا”.
شكرا جزيلا لكلّ الإخوة، وليعذروني إن لم أذكر أسماءهم لكثرتهم، ولكن “يسّْنيهَنْ ربّي”، أي يعلمهم الله، كما قال السلطان يَغمراسن سلطان الدولة الزيانية في تلمسان.