الرأي
حين يكون الثبات أقوى من الرصاص

الشّيخ الشّهيد محمد بوسليماني

عبد الله لاطرش
  • 747
  • 0

ليست الأمم وحدها التي تُغتال، بل تُغتال معها القيم حين يُستهدف حُماتها، ويُسكت صوت العقل في زمن الجنون، وفي شتاءٍ دامٍ من سنة 1994، فقدت الجزائر واحدًا من أنبل علمائها ومربيها، الشّيخ محمد بوسليماني، الذي اختُطف غدرًا من بيته في مدينة البليدة، وبين يديه المصحف الشّريف، ثم ذُبح لأنّه قال (لا) للفتنة، و(نعم) للجزائر، و(نعم) للحياة الآمنة الكريمة، (اكتشفت قوّات الأمن جثّته، وتأكّد الأمر بعد أن عاينها وفد من عائلته والجمعية يوم الجمعة 28 يناير 1994 م، ثمّ نقل جثمانه إلى مقبرة الدّردارة بالبليدة يوم الأحد 30 يناير 1994 م).
لقد كان الشّيخ بوسليماني رمزًا لجيل من العلماء الذين لم يفصلوا بين الدّعوة والوطن، ولا بين العبادة والعمل الاجتماعي، ولا بين حبّ الأمّة وحبّ الجزائر، بل رأوا في ذلك كلّه وحدةً متكاملة لا تقبل التجزئة.
رجل التربية لا رجل الصراع:
لم يكن الشّيخ من دعاة المواجهة ولا من دعاة الانكفاء، بل كان من دعاة التّربية والبناء والصّبر الطويل. كان يؤمن أنّ أعظم معركة هي معركة إصلاح الإنسان، وأنّ أخطر ما يصيب المجتمعات هو حين يتحوّل الدّين من رسالة هداية إلى وقود صراع.
وكان يردّد في مجالسه وخطبه معنى ثابتًا مفاده أن:
(التّغيير الحقيقي يبدأ من النّفوس قبل أن يُطلب من النّفوس أن تغيّر غيرها).
لهذا انصرف إلى التّعليم، وتكوين الشّباب، والعمل الجمعوي، وبناء المشاريع الاجتماعية، مؤمنًا بأنّ المجتمع المتماسك هو السدّ الحقيقي في وجه الفتن، وأنّ الفراغ التربوي هو أوّل أبواب التطرّف.
الجزائر في قلبه؛ وطن لا ساحة صراع:
كان حبّ الجزائر واضحًا في خطابه ومواقفه، حبًّا واعيًا لا شعارا؛ فكان يرى في وحدة الجزائريين – عربًا وأمازيغ، مدنًا وأريافًا – خطًا أحمر لا يجوز العبث به باسم أيّ مشروع أو شعار.
ومن المعاني المنقولة عنه والمتداولة بين تلامذته أنّه كان يقول بما معناه:
(الجزائر أمانة في أعناقنا جميعًا، ومن أراد أن يخدم الدّين فليحفظ هذا الوطن من التمزّق قبل أي شيء).
وكان يحذّر من تحويل الخلافات الفكرية أو السّياسية إلى صراع دموي، ويرى أنّ تمزيق النسيج الاجتماعي أخطر على الأمّة من أي عدوان خارجي، لأنّ العدو الخارجي لا ينجح إلا إذا وجد الدّاخل منهارًا.
لذلك كان موقفه من العنف موقفًا واضحًا لا لبس فيه، رفضٌ شرعي وأخلاقي ووطني، واعتبارُ الدّم الجزائري محرّمًا لا يملكه أحد، لا جماعة ولا فرد.
الكلمة التي كشفت المعدن:
حين اختطفه الإرهابيون وطلبوا منه أن يحثّ الشباب على الالتحاق بالجبال، كان بإمكانه أن يناور، أو أن يسايرهم اتقاءً للقتل، لكنّه اختار أن يقول كلمة ستبقى محفورة في ذاكرة الجزائر وشعبها:
(أنا لا أملك سوى دمي وهو في سبيل الله، أمّا دم الجزائريين فلا أملكه).
لم تكن هذه الكلمة ردّ فعل لحظة خوف، بل كانت ثمرة منهج كامل في الفهم الدّيني والوعي الوطني، لقد أدرك الشّيخ أنّ العالم إذا سكت في لحظة الفتنة، تحوّل إلى شاهد زور، وأنّ النّجاة الفردية لا تبرّر خيانة المبدأ.
فدفع حياته ثمنًا لموقفه، وارتقى شهيدًا بإذن الله، ليبقى حيًّا في ضمير الأمّة أكثر ممّا عاش في الجسد.
وسطية واضحة لا رمادية:
قد يخلط بعض النّاس بين الوسطية والتّنازل، لكن الشّيخ بوسليماني كان نموذجًا لوسطية ثابتة في الأصول، مرنة في الوسائل، واضحة في المواقف.
لم يكن متساهلًا في الحق، ولا متشدّدًا في الفهم، بل كان يرى أنّ التشدّد بلا علم يدمّر الدّين من حيث يظنّ أصحابه أنّهم ينصرونه.
وكان يؤكّد في طرحه أنّ الإسلام الذي جاء لهداية النّاس لا يمكن أن يكون مشروع رعب، وأنّ الدّعوة التي تُبنى على التخويف لا تُثمر إلا كراهية جديدة.
لذلك جمع في خطابه بين:
التمسّك بالعقيدة،
واحترام الواقع الاجتماعي،
والتدرّج في الإصلاح،
وتقديم المصلحة العامّة على الانتصار الجدلي أو الحزبي.
فلسطين وقضايا الأمة… وعي بلا متاجرة:
لم يكن الشّيخ منغلقًا على الشّأن المحلي، بل كان يحمل همّ الأمّة كلّها، وفي مقدمتها فلسطين، التي كان يعتبرها قضية عقدية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية.
غير أنّه كان يرفض المتاجرة بالقضايا الكبرى لتبرير الفوضى في الدّاخل، وكان يرى أنّ نصرة فلسطين لا تكون بتخريب الأوطان، بل ببنائها وتقوية مجتمعاتها وتحصين وعي شبابها.
ومن المعاني التي كان يكرّرها في هذا السّياق أنّ:
(الأمّة التي تعجز عن حماية أبنائها من الفتنة، تعجز عن حماية مقدساتها من الاحتلال).
فكان خطابه أمميًا في الهمّ، ووطنيًا في الأولويات، واقعيًا في وسائل النّصرة، بعيدًا عن الشّعارات التي تستهلك العاطفة ولا تبني مشروعًا.

جمعية صنعت الأثر قبل أن تصنع الضجيج:
من خلال جمعيته ونشاطه الاجتماعي، ترك الشّيخ بوسليماني بصمة عملية في حياة النّاس:
تعليم القرآن،
رعاية الشّباب،
دعم العمل الثقافي،
ترسيخ قيم التضامن.
لم يكن يبحث عن الظّهور الإعلامي، بل عن النتائج الهادئة المتراكمة؛ ولذلك فإنّ أثره لا يُقاس بعدد الخطب المسجّلة، بل بعدد النّفوس التي تغيّرت، والأفكار التي استقامت، والمبادرات التي وُلدت من مدرسته التربوية.
ولهذا يقال بحق: إنّك في كل ولاية من ولايات الجزائر تكاد تجد أثرًا مباشرًا أو غير مباشر لجهده، إمّا في تلميذ، أو إطار جمعوي، أو مشروع تربوي تشكّل على نهجه.
لماذا نكتب عنه اليوم؟:
الكتابة عن الشّيخ محمد بوسليماني ليست استحضارًا للماضي من أجل البكاء عليه، بل هي استحضار لنموذج نحن في أمسّ الحاجة إليه اليوم:
نموذج العالم الذي لا يساوم على الحق، ولا يحرّض على الفتنة، ولا ينسحب من مجتمعه، بل يبقى في قلب الناس ومع الناس.
في زمن الاستقطاب الحاد، والخطابات الغاضبة، والتديّن المتشنّج أو السّطحي، يذكّرنا هذا الرّجل بأنّ الطّريق الأصعب هو دائمًا طريق التّوازن، لكنّه الطريق الوحيد الذي يحفظ الأوطان ويصون الدّين معًا.
خلاصة الكلام؛
رحم الله الشّيخ الشّهيد محمد بوسليماني، الذي اختار أن يموت واقفًا على مبدئه بدل أن يعيش صامتًا أمام الفتنة.
رحم الله من علّم النّاس أنّ الوطنية ليست نقيضًا للإيمان، وأنّ حبّ الجزائر جزء من الوفاء لرسالة الإسلام في حفظ النّفس والوحدة والاستقرار.
وجعل الله دمه الطاهر شاهد صدق على أنّ الجزائر أنجبت رجالًا قالوا (لا) حين كان ثمنها الحياة، وقالوا (نعم) للوطن حين كان ثمنها الدّم.
وسيظلّ اسمه حاضرًا ما دام في هذه الأرض من يؤمن أنّ الإصلاح يبدأ بالكلمة الصّادقة، ويُتوَّج بالتّضحية الصّامتة.

مقالات ذات صلة