الصائمون في المداشر ..العطش يجعل الماء البارد فاكهتهم
يحل علينا رمضان بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان للذكر والاستغفار، للصلاة والتسبيح والدعوة إلى التآخي وربط صلة الأرحام، بالإضافة إلى ما تحمله أيامه هذه من عادات ألفناها في هذا الشهر الكريم، وسلوكيات من شجارات، وتسارع في البحث عن ما يملأ العين قبل البطن، وعن الحديث عن الندرة في المواد الغذائية وارتفاع أثمان الكثير منها، في حضرة هذا كله أردنا أن نغوص في عمق هذا البلد لنقف على حالة الكثير من البشر يقضون رمضان بعيدا عن كل هذه الصراعات، يصومون رمضان بمعطيات أخرى فرضتها عليهم الطبيعة، بعيدا عن الاختلاط بغيرهم، ماعدا عزلتهم في عمق هذه المناطق.
نرتحل إلى البراري والأماكن البعيدة التي ترتمي في أحضان العزلة، بعيدا عن كل هذه الصراعات التي ذكرناها، لأن هناك صراعا من نوع آخر مع رمضان، بين العمل خارج هذه الأماكن والجهد الذي يبذله الكثير منهم، وبين اقتناء مواد لا تؤكل في وقتها وعن ندرة الكثير منها، لا اختيارا ولكن إجبارا، عن التنقل كل يوم رغبة في الحصول على الخبز الذي لا يؤكل في مناطق أخرى إلا في حينه، فقد أصبح هناك خبز الصباح وخبز الظهيرة وشتان بينهما، بل من منها من الأنواع ما تشتهيه العين قبل البطن، وترى الناس مندفعين وفي سلاسل مرتبطة مع بعضها لساعات طوال، فيقال لك فيهم من يقضي اليوم بطوله من أجل اقتناء هذا الخبز، في المقابل وفي هذه المناطق الوعرة من يحمل خبزا عاديا وهو المقاوم لبعد المسافة التي تبعد عن مكان إقامته، في غياب وسائل توصله إلى نقاط بعيدة وإن كانت فهي مخيرة في الوقت، والواحد منهم مجبر على انتظارها لعدة ساعات، والمحظوظ منهم من يملك سيارة تنقله وتفك عزلته.
“..وأطفال يقاومون مشقة الصوم مشيا على الأقدام”
لا تستغرب حين ترى الكثير من الأطفال يقاومون الحر بحثا عن ألتسوق، العزلة لم تمنعهم من السفر حتى على الأقدام من أجل الظفر بالنظر إلى ما يحمله رمضان من بركات، غريزة الفضول لم تقتلها فيهم مشقة رمضان، تراهم ثلاث ورباع عبر الطرقات، مستأنسين، فلا بديل إلا السير، فهم مخيرون بالبقاء في مداشرهم أو تحمل مشقة السفر على الأقدام، الحديث عن هذه الحالة لا نريد منها ذكر فقر أو عوز هذه الأسر، لكن عزلتهم في مناطق بعيدة عن كل وسائل الراحة التي توفرها أيدي البشر، بالرغم من الوعود الكثيرة في عديد المناسبات المعروفة حين يريدون الوصول إليهم، ومن ثم الوداع إلى تاريخ غير معروف، طرقات مازالت تقاوم كل التغيرات وقديمة جيدا منها ما حفر بسواعد زمن الاستعمار ولم تصلها رياح التغيير أو الترميم الى حد كتابة هذه الأسطر، هذا ما زاد من مشقة الصوم في العديد من الأماكن التي بقيت تغازل رمضان في عزلة عن الكثير من خصائصه التي نراها في المناطق الحضرية الأخرى.
“نبحث عن إمام بصوت صداح للخشوع ويبحثون على مجرد إمام لإقامة الصلاة”
بحثا عن الخشوع في صلاة التراويح، ترى الناس يرتحلون من حي إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى من أجل الوقوف وراء إمام مقرئ بصوت حسن وصداح، وهي من العادات التي ألفناها في ليالي رمضان من كل سنة، بل من المساجد ما يختنق بكثرة الجموع، ومنها من لا تضم إلا صفوفا معدودات، وبل من الناس من يجري وراء إمامه المفضل حتى ولو تنقل من أجله الى أماكن أخرى، المهم هو حضوره للصلاة وراءه، هذا حال الكثير من المصلين في شهر رمضان في المدن، في المقابل وفي العديد من المناطق المعزولة يتسارع الكثير من الصائمين بعد الإفطار الى البحث عن مسجد لإقامة صلاة التراويح، فمنهم من يتنقل لعدة كيلومترات من أجل الإتيان بهذه العبادة، يصارعون سواد الليل وظلمته، هذا حال الكثير من المصلين في المداشر المعزولة والمترامية في أبعد النقاط، أما العاجزون من شيوخ ومرضى فالصلاة في المساجد في هذه الليالي هو الحلم للكثير منهم، لا تهمهم هيئة الإمام ولا صوته، بقدر ما يهمهم الحضور وعدم تفويت فرصة الوقوف بين يدي الخالق في هذه اليالي المباركة، عندما تنقضي الصلاة ينتشر المصلون فترى العديد يسارعون إلى المقاهي من أجل السمر حتى إلى أوقات متأخرة ماداموا يسكنون في نفس الحي، لكن من يسكن في تلك الأماكن الوعرة والبعيدة فتراهم يشدون رحالهم والرجوع إلى بيوتهم مرة أخرى، للوصول في أوقات مناسبة للجلوس إلى أفراد العائلة ولو لوقت قصير قبل الراحة والتحضير للسحور، فالكثير منهم من يبدأ يومه من هذا الوقت بحثا عن رغيف العيش.
بين من يبحث عن الصوت الجميل لخشوعه، وبين من يسعى لحضور صلاته من دون شرط هو حال الصائمين في منطقتين مختلفتين ببلد واحد، اشتركا في الصلاة والصوم واختلفا في الظروف.
“بعيدا عن عادة التسوق.. نساء يتسوقن ماعدا بالأذهان”
في الوقت الذي تقضي فيه الكثير من النساء اليوم في التسوق والتفنن في جلب كل ما لذ وطاب، من أجل أكلات رمضان تزيد لذة وطيبة في أعين الصائمات، تجد أخريات في المناطق النائية المعزولة يراقبن الشمس من طلوعها حتى وقت الإفطار، فلا تسوق ولا غيره، ومن لها الحظ فتذهب الى أقرب سوق في عجلة من أمرها من أجل تفحص ولو بالأعين جديد أسواقنا في شهر رمضان، لقد أقصى البعد والعزلة حضورهن اليومي في الأسواق التي ألفتها الكثيرات من النساء، هو إذا حال العديد من النساء اللواتي فرضت عليهن الظروف، صوم رمضان بطرق تقليدية بعيدة عن التحضر الحاصل في عالم اليوم، هو ليس اختيارا، لكن قدرا محتوما، فالكثير من المداشر هجرها سكانها لظروف مختلفة، ومن بقي فيها فهو يعاني العزلة القاتلة التي تتسرب إلى يومياته في صمت، وبقوا في معزل عن حياة الجماعة حتى في رمضان.
وقفنا على بعض الظروف التي تعشيها الكثير من العائلات في معزل عن حياة الجماعة في شهر رمضان، ظروف أقصت الكثير من نفحات هذا الشهر سواء في المآكل أو المشرب أو غيرها من الأشياء التي تخص هذا الشهر، هي إذا على سبيل الذكر لا الحصر، لأن فيه من الظروف ما يدمي القلوب وتدمع العيون، لا تستغرب حين تجد من العائلات من مازالت تفطر على ضوء الشمع في جزائر مستقلة، لا تستغرب لمن ينتظر الأذان في التلفزة والراديو لبعده عن أقرب مسجد لسماع كلمة “الله أكبر”، لكن بالرغم من هذا تبقى هذه العائلات تطمع في غد أحسن على الأقل لأولادها.