الرأي

“الصامتون”.. إلى متى؟

أكبر خطأ يرتكبه بعض المدافعين عن السلطة أو عن التشكيلات الحزبية المشاركة في الانتخابات التشريعية، هو مقارنتهم لنسبة المشاركة الضعيفة في الانتخابات الجزائرية، بنسبٍ مماثلة في دول أوروبية وآسيوية واعتبار الأمر “عاديا”، و”غير مثير للقلق”، لأن الدول الأوروبية التي يتم الاستشهاد بنسبة مشاركة شعبها في الانتخابات مختلفة تماما، وقد قطعت أشواطا متقدمة في الديمقراطية وأنهت بناء مؤسساتها وصارت الانتخابات بالنسبة إليها تغييرا للأفراد من نواب ووزراء وشيوخ بلدية ورؤساء وليس تغييرا للمؤسسات والهيئات، بينما مازال الجزائريون في انتظار بُناةٍ جدد لجزائر جديدة، لا يمكن أن تُبنى بأقل من ثلث المواطنين كما حدث في التشريعيات الأخيرة.

وأكبر مغالطة يرتكبها المقاطعون من أحزاب وقادة الحراك للانتخابات هو اعتبار هذه النسبة العازفة عن الانتخاب بأنها في صفها، لأن حكاية المقاطعة أو العزوف قديمة جدا وقد سبق وأن تبناها الحزب المحل والأرسيدي وكل الذين كانوا ينادون بالمقاطعة، ويزعمون بأن العازفين استجابوا لدعواتهم، وهم يعلمون بأن عزوف بعض الجزائريين – والبعض هنا يكاد يكون كلا – إنما هو انسحابٌ واستقالة من شريحة مهمة من المجتمع، ظلت تكبر وتتضخم إلى أن بلغت الآن نسبة تناهز ثلاثة أرباع الشعب الجزائري، باحتساب نسبة التصويت في المهجر.

عندما تقول السلطة إنها نجحت في تنظيم انتخابات نزيهة وآمنة، وهو أمرٌ لا يختلف فيه غالبية الجزائريين، فإنّ عليها أن تعترف بأنها فشلت في تحريك هذا الشعب الصامت، الذي نأى بجانبه، وبدا غير مهتم بمن سيكون نائبا عنه في غرفة البرلمان، وعندما يحتفل نواب المستقبل بالمقعد التنفيذي الذي سيطير بهم إلى فضاء السلطة والحصانة ويجعلهم فخورين بالأصوات التي حصلوا عليها في صناديق الاقتراع، عليهم أن يتذكروا بأن قرابة ثلاثة أرباع الشعب لم يمنحهم صوته ولم يشارك أصلا في عملية الاقتراع، بسبب الخطاب السياسي الذي لم يُقنعه فخرج من المشهد الانتخابي عن قناعة، وأجّل مشاركته في مساعدة هذا المترشح أو ذاك الحزب إلى فرصة أخرى، وقد لا تكون هذه الفرصة قريبة.

في المواعيد الانتخابية لا يمكن أن تحاسِب عازفا عن الاقتراع أو غير مهتمّ إطلاقا بالعملية، فالنسبة بلغت سبعين بالمئة من الشعب في الداخل، وتفوقها بكثير باحتساب نسبة العزوف الكبيرة في المهجر، ومن الخطأ أن نعتبر هؤلاء وما أكثرهم لا يفقهون شيئا أو أتوا بأمر سيّء، فالملام الوحيد هو الطبقة السياسية من سلطة وأحزاب تعتبر دائما المواعيد الانتخابية “أعراسا”، ولكنها في يوم الامتحان، نجدها تبحث عن نجاحها حتى ولو تحقق ذلك بصوت واحد أو نصف صوت، وإلى غاية مساء أمس، لم نجد رابحا لمقعدٍ برلماني أو رئيس حزب أو فرد من السلطة، قادر على تحليل حالة العزوف المزمنة أو الاستقالة السياسية التي أعلنها هذا الشعب الصامت منذ عقود، إلى درجة أنَّ التزوير كان في السنوات الماضية يطال نسبةَ المشاركة أكثر من هوية الفائز.

مقالات ذات صلة