الرأي

الصمت‭ ‬من‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬والمرجان

الشروق أونلاين
  • 2619
  • 2

يقول المثل العربي إذا كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب، ونكاد نجزم في حالة ما بعد رحيل وجنازة الرئيس “المظلوم” الشاذلي بن جديد أن صمت الكثيرين سيكون من ذهب وفضة ولؤلؤ ومرجان وكل المعادن النفيسة، فجميعهم من دون استثناء راح يقدم الرجل على أنه كان مخلصا رغم أنهم لم يخلصوا له، وأنه صادق رغم أنهم لم يصدقوا معه، وأنه وفيّ رغم أنهم خانوه، ولو بِصمتهم طوال العشرين سنة التي انسحب فيها من سدّة الحكم، ويمارسون الآن تعليق “العرجون” على قبره، كما فعلوا مع الذين سبقوه بالالتحاق بالرفيق الأعلى وسيفعلون مع اللاحقين من بعده.

لقد كانت قاعدة الحياة أن يُخرج الله الحيّ من الميت كما يُخرج الميّت من الحي، وكنا دائما نبحث عن الحقيقة مع الأحياء، ونبحث عنها عند موتهم، ولكنها بقيت وقد تبقى الميّت الأكبر في حياتنا، فقد قال الرئيس الراحل أحمد بن بلة مرة للروائية أحلام مستغانمي أنه لن ينشر مذكراته الحقيقية حتى يرحل عن الدنيا، لأنه يخشى أن تتزلزل البلاد، وبقينا ننتظر مذكرات بن بلة الذي تكلّم مع القنوات الأجنبية، فقال ما شاء وما شاءت تلك القنوات، ولم يقل ما نشاءه نحن معرفته، وقيل أن الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد سينشر مذكراته في قريب الآجال ونخشى‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬نشاءه‭ ‬نحن،‭ ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬متأكدون‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تُشفي‭ ‬الغليل‭.‬

لقد انضم الرئيس الراحل إلى قافلة المغادرين الذين صنعوا تاريخ الجزائر، وذِكره المعسول بأحلى الكلام من مواطنين تحدثوا عن طيبته ووطنيته وإخلاصه وجرأته على التغيير وبصموا عليها، خير تاج يرصّع مساره، ولكنه للأسف انضم أيضا إلى الطلاسم التي لا أحد فهم من أين جاءت،‭ ‬وكيف‭ ‬أبصرت‭ ‬طريقها‭ ‬وظلت‭ ‬هي‭ ‬ونحن‭ ‬لسنا‭ ‬ندري؟

أحلى ربيع يمكن للجزائر أن تنعم به بعد أن عاشت “ربيعها العربي الحقيقي” في أواخر عهد الشاذلي بن جديد هو أن تُكرّم الرجل برواية تاريخه دون زيف ولا حسابات، وأن تنقل الشعب إلى ما بعد ربيع الحراك، بعد ربع قرن عن أحداث أكتوبر التي ولّدت تعددية بقيت لحد الآن شكلية فقط، فالشعب من حقه أن يعرف رجالاته وأن يتلمّس ويعيش إنجازاتهم التي يتحدث عنها الإعلام، وهؤلاء الشهود الذين يقولون أنهم عاشوا رفقة الراحل، وهو كما كان دائما مسامحا سيبقى مسامحا، لأنه لا خيار له سوى أن يكون كذلك، أما ان يقدّم كل من عاش مع الشاذلي بن جديد حلو الحياة ومرّها، شهادات تبدو من عناوينها أنها مغلوطة وذر للرماد في أعين هي في الأصل لا ترى، فالأجدر أن نغلق ملف الحقيقة نهائيا ولا نزيد في تغييبها، لأن تعب الكلام المغلوط أحيانا أصعب من تعب الصمت الرهيب الذي لفّ أحرج فترة عاشتها الجزائر في تاريخها ومازالت تتعاطى خبزها الأسود.

مقالات ذات صلة