الرأي

الصّحافة الالكترونية في الجزائر.. رهانات وآفاق

بقلم: محمد دحماني
  • 3293
  • 0

لا أحد ينكر الخطوات التي خطاها قطاع الإعلام  في الجزائر  في ظل التحديات والرهانات خلال السنوات الأخيرة من خلال الإصلاحات الدستورية العميقة التي جاء بها السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في دستور 2020 والذي صادق عليه الشعب الجزائري في استفتاء الفاتح من نوفمبر 2020، وذلك بالاعتراف بحرية الإعلام والاتصال ولاسيما في المجال الالكتروني تماشيا مع التحول نحو الإعلام الرقمي الذي شهده العالم في بداية القرن الحالي من خلال  تأطير وتنظيم هذا الإعلام وضبط نشاطه في إطار قانوني وتنظيمي يحدد الحقوق والواجبات وهو ما تجسد في المرسوم التنفيذي رقم 20-332 الصادر بتاريخ 22 نوفمبر 2020، إذ أولت الدولة أهمية خاصة لإعادة ترتيب بيت  قطاع الإعلام في الجزائر، وهو ما عكسه مخطط عمل الحكومة الذي قدمه الوزير الأول فيما يخص النهوض بهذا القطاع ورفع التحدي، تجسيدا لمبدأ استقلالية الصحافة وترقيتها وتطويرها للوصول بها للاحترافية والمهنية والحرية والمهنية التي تسمح  للصحفي أن  يمارس فيها مهامه النبيلة والمرتبطة بتحديات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وقد فتحت وزارة الاتصال ورشة إصلاحات عميقة لقطاع الإعلام في الجزائر ضمن محاور عديدة تتعلق بالجوانب التشريعية والتنظيمية والجوانب المهنية والاجتماعية  للصحفي، وكذا الرهانات الاقتصادية والتجارية لقطاع الإعلام. وفي هذا الصدد بات من الضروري إصدار نص قانوني خاص بالصحفي الجزائري (القانوني الأساسي للصحفي المحترف) والذي يتضمن تحديد حقوقه وواجباته وكذا مراجعة مختلف النصوص القانونية والتنظيمية الخاصة بالإعلام، وتنظيم مساره المهني  بشكل عام وضبط وتحديد من هو الصحفي من أجل رفع اللبس عن مهنة الصحفي. ومن جملة الإصلاحات التي يجب مراعاتها في مراجعة القانون العضوي للإعلام 2012 ومطابقته مع  أحكام  الدستور الجديد والمستجدات التي  يعرفها المشهد الإعلامي في الجزائر وكذا المعايير الدولية. وهنا لابد من تعزيز مختلف الضوابط والأحكام المتعلقة بأخلاقيات العمل الصحفي في ظل الفراغ الذي يطبع التجربة الإعلامية في الجزائر.

وشهدت الساحة الإعلامية فراغا كبيرا في المنظومة التشريعية المنظمة للصحافة الالكترونية في الجزائر قبل صدور المرسوم التنفيذي رقم 20-332 المؤرخ في 22 نوفمبر 2022 والذي يحدد كيفيات ممارسة نشاط الإعلام عبر الانترنت ونشر الرد أو التصحيح عبر الموقع الالكتروني، هذا النص الذي أسست من خلاله الجزائر الجديدة إلى منظور جديد لهذا النشاط الإعلامي، ومحاولة التوضيح بطرق إجرائية للكثير من المواد المتضمنة في قانون الإعلام 12– 05 المؤرخ في 12 يناير 2012، وبهذا نكون أمام معالجة حقيقية لتنظيم هذا النوع من الصحافة، بما يتوافق مع خصوصية الوسائط المستخدَمة من جهة، وبما يتماشى مع حتمية التوجه التي فرضتها الممارسة الصحفية والجمهور الذي صنعته  من جهة أخرى، وحتى وإن كان قانون الصحافة الالكترونية في الجزائر يحتاج لبعض المراجعات – وهو الأمر الذي يوجد في ساحة النقاش اليوم– نتيجة عدم توضيحه لبعض المتغيرات، إلا أنه استطاع أن يفعِّل قطاع الصحافة الالكترونية بما يتماشى مع إرادة السلطات العليا في البلاد.

إن الملاحظ لقطاع الصحافة الالكترونية في الجزائر، يلمس بوضوح تنامي المؤسسات الإعلامية التي امتدت في مختلف القطر الجزائري، إذ نحصي أزيد من  150 مؤسسة إعلامية تمارس نشاط الإعلام عبر الأنترنت، وهو رقم من شأنه أن يدلل على العديد من المؤشرات، أهمها أن الصحافة الالكترونية أصبحت خيارا للعديد من الراغبين في ممارسة الإعلام، إذ أصبحت تلبي رغبة واحتياجات فئة واسعة من المجتمع الجزائري، كما أن تشجيع الدولة وإعطاءها للعديد من الحقوق والضمانات للراغبين في ولوج ممارسة الصحافة الالكترونية، جعلت فكرة المبادرة في تأسيس دعائم إلكترونية أمرا مرغوبا فيه، وبطبيعة الحال فإن هذا التوجه يتماشى مع التوجه العالمي للإعلام الذي صنعت فيه الصحافة الالكترونية لنفسها حيزا معتبرا ضمن الخارطة الإعلامية.

وبعد الانتشار الواسع للصحافة الالكترونية في الجزائر، أصبح يعوَّل على هذا القطاع في الكثير من المحطات، خاصة في ظل المرافقة الحقيقية لجهود الدولة في العملية التنموية، وتعد تجربة الصحافة الالكترونية ذات الطابع المحلي، أحد أهم النماذج التي حاولت توفير فضاءات وقنوات إعلامية، تتوافق مع مخططات الدولة واستراتيجياتها والاقتراب من المواطن بطريقة جادة وفعالة، كما أن تعويل الكثير من الفاعلين على الصحافة الالكترونية في صناعة رأي عام يتوافق مع القضايا ذات الأولوية، جعلتها تمارس دورا رياديا في صناعة وعي جمعي وتحديد أولوياته، وبهذا أضحت الصحافة الالكترونية تمارس مسؤوليتها الاجتماعية في جميع مناحي حياة الفرد الجزائري، وتغلبت على الكثير من العقبات والحواجز التي كانت تشوه صوته أو تمنعه من الوصول إلى المعنيين بذلك.

إن هذا الدور المنوط بالصحافة الالكترونية في الجزائر اليوم، جعلها تعرف العديد من التحديات التي فرضتها طبيعة الممارسة الإعلامية عبر الانترنت، ولعل أهمها هو مواجهتها للأخبار الكاذبة والمغلوطة خاصة في ظل الانتشار الواسع للمعلومة، وتدفقها من الكثير من المصادر المجهولة، الأمر الذي جعل مستخدِمي الشبكة العنكبوتية في أغلب الحالات ضحية لهذه الأخبار، إن الأمر يزداد خطورة إذا علمنا بأن نشر هذه الأخبار يتم وفق خطط ممنهجة تهدف إلى تزييف الواقع والسعي إلى رفضه، مما يحتم علينا اليوم أن نكون جبهة داخلية إعلامية ذات بعد وطني للتصدي للحملات الإعلامية المغرضة، ومواجهتها وفق خطة واضحة الأهداف، تعمل على تعزيز روح الانتماء وتكوين ثقافة استخدامية انتقائية لما ينشر عبر الأنترنت، وتوحيد الجهود الإعلامية في هذا المجال من شأنه أن يحول موقع الجزائر من موقع دفاعي إلى موقع مؤثر في الساحة الإعلامية الالكترونية العالمية.

دور الصحافة الالكترونية في الجزائر اليوم، جعلها تعرف العديد من التحديات التي فرضتها طبيعة الممارسة الإعلامية عبر الانترنت، ولعل أهمها هو مواجهتها للأخبار الكاذبة والمغلوطة خاصة في ظل الانتشار الواسع للمعلومة، وتدفقها من الكثير من المصادر المجهولة، الأمر الذي جعل مستخدِمي الشبكة العنكبوتية في أغلب الحالات ضحية لهذه الأخبار، إن الأمر يزداد خطورة إذا علمنا بأن نشر هذه الأخبار يتم وفق خطط ممنهجة تهدف إلى تزييف الواقع والسعي إلى رفضه.

إن عملية استقراء بسيطة للتجربة الإعلامية الجزائرية في مجال الصحافة الالكترونية، يقف على العديد من النجاحات التي رسمها هذا القطاع، ولعل آخرها نجاح الصحافة الالكترونية في تغطية القمة العربية، إذ نجد اعترافا للدولة بالجهد الذي بذله هذا القطاع، كما أن مهنية واحترافية مختلف الممارسين، جعل هذا الحدث في المكانة اللائقة التي تواكب الجهد المعتبر الذي بذلته الدولة في سبيل إنجاح الموعد العربي، وبهذا شكلت الصحافة الالكترونية نموذجا حقيقيا للاتصال الحدثي من خلال الوقوف على مختلف التفاصيل المرتبطة بالحدث وتسويقه، ولعلها تجربة تحتاج للتعميم في كل الأحداث التي تعمل الجزائر فيها على إثبات دورها ورسم صورتها في النطاق الدولي.

ولقد كان الهدف خلال السنتين الماضيتين مرافقة الدولة في عملية تأسيس وتنظيم هذا النوع الإعلامي، وهو الأمر الذي رأيناه قد تحقق بنسبة كبيرة، إلا أننا اليوم نرى بأن تعزيز التوجه نحو هذا النوع الإعلامي يتطلب المزيد من الجهود المرتبطة بالدولة من جهة، ومن الممارسين من جهة ثانية، فالدولة اليوم لابد وأن تسرع في صدور القانون المرتبط بالصحافة الإلكترونية وكذا التأسيس لقانون خاص بالصحفي، وهذا من خلال مشاركة كل الفاعلين والمهتمين بالساحة الإعلامية، أما بالنسبة للممارسين فإن عليهم اليوم تنظيم أنفسهم في هيئات تنظيمية تسمح لهم بالمشاركة في صناعة القرار والعمل على تعزيز آليات توحيد الجهود خاصة في القضايا الوطنية. وكتتويج لجهود الدولة في الاهتمام بالصحافة الالكترونية، واعترافا بأهميتها ودورها، وتشجيع التوجه إليها، نقترح اعتماد تاريخ 22 نوفمبر من كل سنة يوما وطنيا للصحافة الالكترونية، ليعبر التاريخ عن رمزية أول قانون منظم للصحافة الالكترونية في الجزائر، ويكون بذلك مناسبة لكل الفاعلين في القطاع لتقييم التجربة الإعلامية ذات الصلة بالصحافة الالكترونية.

لقد جاءت  مبادرة “مخبر بحوث ودراسات في الميديا الجديدة” لتعزيز جانب له من الأهمية في ظل الوقت الراهن والمتمثل في أخلاقيات النشر الالكتروني من خلال  اعتماد ميثاق شرف وأخلاقيات النشر على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو يعتمد بالأساس على تحديد جملة من الضوابط والمعايير الأخلاقية التي من شانها الحد من هذه ظاهرة انتشار الأخبار الكاذبة في ظل بيئة إعلامية مشوَّهة ومتشابكة ومعقدة، والتي تعتمد أساسا على نشر ما هو مناسب ومفيد، وذكر مصدر المعلومات والبيانات والأخبار المنشورة، وكذا الالتزام والتقيد بمعايير الأمانة والدقة والموضوعية والنزاهة والمصداقية، مع تحمل المسؤولية الأخلاقية والجزائية في نشر أي معلومات أو بيانات أو أخبار بالإضافة إلى المتابعة القضائية لكل صاحب حساب على منصات التواصل الاجتماعي ينشر منشورات تتضمن السب الشتم القذف والتجريح والإساءة للأشخاص وخطاب الكراهية والقيام بحملات لتطهير شبكات التواصل الاجتماعي من الحسابات المجهولة والحسابات الوهمية والأسماء المستعارة.

مقالات ذات صلة