الضاحية الجنوبية من جديد
في جنوب بيروت، مكان لتوحد الفلسطينيين اللاجئين في مخيماتهم (صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة) مع اللبنانيين الفقراء في الضاحية الجنوبية، فيما يسمى حزام الفقر لعاصمة كانت تسمى سويسرا العرب.. ولحدة الحال بين ساكني الضاحية أطلق شعار”المحرومون من وطنهم والمحرومون في وطنهم”.. فاستمد كل منهما قوة من الآخر.. وعندما تسلّحت المخيمات وتجندت في صفوف الثورة بعد هجرتها من الأردن، كان اللبنانيون من أبناء الضاحية وامتداداتهم في الجنوب قوة حقيقية وكبيرة في صفوف فتح والثورة الفلسطينية، قبل أن يتجهوا لبناء حركة سياسية مسلّحة خاصة بهم.. وهكذا يمكن اعتبار أن من أهم ثمرات وجود الثورة الفلسطينية في لبنان، أن أخرج هذه الفئة المحرومة المستضعفة في لبنان، إلى حيّز الوجود السياسي الفاعل والمؤثر على مسرح التركيبة السياسية في البلد.. وكان أن تشرّب جيل من أبناء هذه المناطق المستضعفة روح الثورة والكفاح ضد الكيان الصهيوني، فامتازوا عن بقية اللبنانيين بأنهم أصبحوا كتلة ــ وليست نخبة ــ في خندق التصدّي للعدوان الإسرائيلي.
ماذا يعني أن توجه ضربة ثانية من خلال التفجير الانتحاري للضاحية الجنوبية خلال شهر؟ إن ذلك يعني: أن حربا قد أعلنت على الضاحية وأمنها واستقرارها، لإنهاء الخطر الآتي منها كعاصمة مقاومة.. والحجج كثيرة ولكن المستفيد الرئيس هو الكيان الصهيوني.. فهو صاحب الثأر ضد المقاومة اللبنانية، وهو في الوقت ذاته يتحرك ضمن استراتيجية وخطة، فلقد أعلن يعلون، وزير الحرب الإسرائيلي، أنه لن يسمح بانتصار محور الشر (إيران ــ حزب الله ــ سوريا) في المعركة الدائرة بسوريا، كما أن قائد القوات الأمريكية في الأردن، أكد أنه لن ينسحب بقواته بعد المناورات التي قامت بها مع الجيش الأردني إلا بعد استقرار الأمور بسوريا..
صحيح أن المقاومة اللبنانية فعّالة وحيوية، ولكنها الحلقة الأضعف في جبهة إيران ــ سوريا ــ حزب الله، وذلك لعدة أسباب أولها وجودها في محيط طائفي، كل السياسة والمشاعر تصاغ فيه على أرضية طائفية.. فالمقاومة اللبنانية ليست خيارا لبنانيا بشكل من الأشكال، وهي بهذا مكشوفة الظهر على الصعيد الشعبي، ومن هنا يصبح تأثرها بما يجري في الاقليم تأثرا واضحا يحدد لها مساراتها ومستقبلها..
مما لاشك فيه أن هناك هجوما واسعا تشنّه الإدارات الغربية وعلى رأسها أمريكا وأعوانهم في المنطقة، على كل نقاط المقاومة والصمود في الأمة لكي يتسنّى لهم ايجاد ترتيبات وصنع وقائع تخدم أمن إسرائيل على مدى بعيد، وتسمح باختراق أمني أمريكي كبير في تفاصيل الحياة في المنطقة، بما يكفي لإحداث الارتباك الكبير أو”الفوضى الخلاّقة” على حسب تصريحات كونداليزارايس، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة..
إن مشروعا أمريكيا ينطلق بدفع كبير من أجل ترتيب أمني في المنطقة، للتفرغ لمواجهة إيران والاستفراد بها.. ففي فلسطين وجوارها ارباك كبير، واشغال بالنفس في دوامة صراعات داخلية حادة.. فيما تتقدم إسرائيل على الأرض بوتيرة استيطان مجنونة.. إنها معركة كسر عظم بين عناصر الصمود في الأمة وبين المشروع الأمريكي.