“الضيف” الجديد
سجلت الجزائر نهار أمس، أرقاما قياسية جديدة في درجة الحرارة، عندما فاق مؤشر “الترمومتر”، الدرجة 45 تحت الظل، في بعض الولايات الشمالية وحتى الساحلية، ومنها مدينة عنابة، وهو رقمٌ يبصم بما لا يدع مجالا للشك على أن الجزائر هي عاصمة التحوّل المناخي الذي يضرب الكرة الأرضية، وللأسف في شقه السيء، الذي يُقرِّبنا من كوارث طبيعية أهمّها الجفاف بكل ما يحمله من مآس. وسيكون من العبث إن لم نقل من الجريمة، أن نبقى نقيس الحرارة ونسجِّل الأرقام القياسية، من دون القيام بتحرك حقيقي من خلال مشاريع قريبة ومتوسطة المدى لمجابهة هذا الضيف الخطير، الذي طرق بابنا، بل إنه دخل من دون استئذان.
قسَّم الناس في عقود سابقة العالم إلى جزأين، أولهما الصناعي المتطور، الذي يقع في البلاد الباردة أو معتدلة الطقس، وثانيهما المتخلف الذي يسير في طريق النمو ولا يصل أبدا، وهي البلاد الواقعة في المناطق الحارة، ولكن الثورات التكنولوجية والعلمية والتخطيط السليم والإرادة أيضا، غيّرت هذه القاعدة فتمكنت أمريكا والعديد من دول الخليج العربي وأستراليا، من أن تحوِّل صحاريها إلى جنات خضراء، ومناطقَها الحارة إلى محطات للانطلاق إلى حياة أفضل، فلم يعد الطقس أكثر من شمس حارّة لا يمكن السير تحت أشعّتها، إلى درجة أن دولة قطر العربية الإسلامية طالبت بتنظيم كأس العالم في لعبة النشاط والحيوية كرة القدم في الصيف، وتحدّت بمنشآت كروية وسياحية مكيفة تحوّل الصيف إلى شتاء، وتمكنت المملكة العربية السعودية من إنجاز غابات كثيفة في صحرائها ومنتجعات للتزحلق على الجليد، على قناعة من أن الذي خلق الحرور، قد خلق حرارة الإنسان وطاقاته الإبداعية.
الجزائريون عرفوا الآن بأن مناخ بلادهم الذي قسّموه سابقا إلى أربعة فصول، وحددوا تواريخ كل منها، قد تغيّر بشكل مفاجئ وخطير، وعلموا بأن الحروب الحياتية القادمة ستكون مائية وخضراء، وعليهم أن يباشروا مرحلة علاج الداء بعد أن شخّصوا الحالة جيدا، فما حدث في لبنان عندما شرب الكيانُ المحتل مياه نهر الليطاني، أو سوريا التي جفَّ نهر العاصي فيها، أو العراق التي صُدمت على كارثة الجفاف الذي قد يزيل دجلة والفرات من خارطتها، موازاة مع ثورات الماء والتصنيع والفلاحة في دولتي تركيا وإيران، يؤكد بأن أي تيهان أو خروج عن التركيز، سيضيع معه نبع الحياة وهو الماء الذي جعل الله منه كل شيء حيا.
تؤكد دراساتٌ فرنسية قديمة وأخرى بريطانية حديثة، أن الجزائر تمتلك أكبر ثروة مائية باطنية في العالم في قلب صحرائها تتراوح بين 45 ألف مليار و60 ألف مليار متر مكعّب، وتشير أرقامُ هذه الدراسات إلى أن الجزائر بإمكانها أن تشرب ماء صحرائها وتسيّر به فلاحتها وصناعتها من دون أن ينضب عدة قرون، وقد حان الوقت ولا نظنه سيُرحنا إن لم نقطعه الآن، من أجل إنجاز شركة سوناطراك جديدة تكون للماء، فوحده من يضمن لنا الصناعة والزراعة والسياحة والكرامة وكل خيرات الحياة الدنيا.