الطبقة السياسية تنقل سجالاتها إلى “حلبة” الغرفة السفلى
شرع أمس، أعضاء المجلس الشعبي الوطني في مناقشة مشروع قانون المالية 2016، ويرتقب أن تثير مقترحات الحكومة، سواء في شقّ الميزانية أم مجال التشريع، جدلا واسعا وسط نوّاب البرلمان بين المعارضة والموالاة. ولا يستبعد أن يتوسّع الخلاف إلى كتلة الأغلبية ذاتها، لا سيما في المرحلة التي تسبق المصادقة النهائية على المشروع.
وإذا كانت مثل تلك السجالات طبيعية جدّا في الحياة النيابية، فإنّ المتوقع هذه المرّة هو أن تنقل الأحزاب كذلك معاركها السياسية إلى ملاسنات ساخنة تحت قبّة الغرفة السفلى، ذلك أن مشروع قانون المالية الجديد يأتي في سياق اقتصادي حساس، يطبعه تنامي مؤشرات الأزمة المالية التي لم تعد شبحًا، بل صارت أمرا واقعا يجثمُ على صدر السلطات العمومية، ويحبس أنفاس المواطنين الذين يترقبّون بخوف بالغ قراراتها “المؤلمة“، مثلما يتزامن مع نقاش سياسي شكّل حالة من الاستقطاب الحادّ، على خلفية مبادرة مجموعة “19-4”، وما رافقها من شائعات حول صحّة الرئيس.
هذه السياقات التي تطغى عليها بوادر التشنّج، ستشكّل لا محالة أرضية خصبة لتصفية الحساب بين السلطة والمعارضة من جهة، وتعطي الفرصة المواتية للجميع في الرفع من سقف المزايدات السياسوية والشعبوية، في وقت تظهر الحكومة عاجزة عن ابتكار حلول لا تمسّ بالمكاسب الاجتماعية التي ظلّت لسنوات في حكم “الشجرة التي تغطّي الغابة“.
لذلك، لم تمهل المعارضة الحكومة وقتًا في نقدها اللاذع للمشروع حتّى قبل عرضه على النوّاب، فقد استبقت النقاش بتوجيه سهامها إلى بنوده، إذ وصفه رئيس حمس بـ “غير السيادي“، واتهم الحكومة بـ “الخضوع لرجال الأعمال الذين خطفوا الدولة“. وتبعته لويزة حنوّن التي نعتت ما جاء في نصوصه بـ“القنبلة التي ستؤدي إلى الحكم على الشعب بالموت“. ولا يبدو أنّ باقي أطياف المعارضة الممثلة برلمانيا ستكون أقلّ حدّة في اعتراضها على المشروع.
نوّاب الأغلبية بدورهم متفطّنون إلى أهمية اللحظة الحرجة التي تريد المعارضة اقتناصها في إبراز اهتمامها بمصالح الفئات الهشة في المجتمع، ومن ثمّ الظهور في صورة “المحامي الوحيد” الذي يرافع لصالح الفقراء والمحتاجين، وبالتالي فقد عبّر بعضهم (برلمانيو الموالاة) عن عدم الاطمئنان إلى مشروع القانون، خصوصا ما تعلّق بإقرار الزيادات في الأسعار والرسوم على الاستهلاك الطاقوي، حتى لا يظهر نوّاب الأغلبية في موقع المتخلّي عن حقوق البسطاء، في “ملحمة كلامية” يتصدرها خطباء المعارضة.
وعليه، يرتقب أن يحتدم النقاش بين الطرفين بشأن تمرير بنود القانون، وإن كان المحتمل في نهاية المطاف أن يتمّ الاحتكام إلى مقترحات وسط، لكنها تميل أكثر إلى توجهّات الجهاز التنفيذي الذي لا يملك خيارات بديلة برأي المختصين.
أما على الصعيد السياسي، فلا شكّ أن مقاربات الطبقة السياسية للوضع العام في البلاد، ستكون حاضرة بقوّة في التدخلات المحورية لرؤساء الكتل النيابية، لأنها ذات مغزى سياسي في الأساس أكثر منه تقنيا. وبهذا الصدد، سيعيد حزب العمال نيابة عن مجموعة “19-4” الدفاع عن أفكاره “المشروعة“، ودفع تهمة التحريض عن رئيس الجمهورية، كما أن نوّاب “الانتقال الديمقراطي” لن يفوّتوا الفرصة دون التذكير بمطلبهم الرئيس في استحداث هيئة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات، وتقديم صورة سوداوية عن المستقبل الغامض، فضلا عن انتقاد الإصلاح الدستوري الذي ما فتئ ساكن المرادية يعرضه على الطبقة السياسية.
لكن وفي الضفة الأخرى، لن يقف نوّاب “الأفلان” و“الأرندي” و“الحركة الشعبية” وحتى “تاج” مكتوفي الأيدي، يتفرجون في صمت على “مزاعم” المعارضة، بل سينبرون بحماس للدفاع عن “الإنجازات” و“الاستقرار” و“شرعية الرئيس الذي يتابع كل صغيرة وكبيرة“، ولن يتوانوا عن اتهام خصومهم بالسعي إلى إشاعة الفوضى وبثّ الخوف في نفوس المواطنين.