الجزائر
مناضلو المؤسسات العمومية يتحدثون لـ"الشروق":

الطبقة العمّالية مثّلت عمادا لانتفاضة الربيع الأمازيغي

الشروق أونلاين
  • 1499
  • 0
الارشيف

مثلت الطبقة العمالية، قاعدة نضالية صلبة وواسعة مهدت لأحداث الربيع الأمازيغي وإنجاحه، رغم حمل الجامعة للمشعل ووضعها في مواجهة الأحداث.

مؤسسة سونيلاك أو أونيام حاليا التي كانت تشغّل حينها أكثر من 3 آلاف عامل منحدر من الدوائر الـ21 لولاية تيزي وزو، كانت من المواقع النضالية القوية، التي أعلن فيها عن ميلاد الحركة الثقافية البربرية، ومنها خطط للإضراب العام وإعلان الإحتجاجات في أفريل 1980، بعد تأسيس تنسيقية اللجان الشعبية، عقب توقيف أحد النقابيين بالمصنع.

في هذا الحوار يعود بنا القادة النقابيون عبر الحركة العمالية “باجو عبد القادر، قاسي رمضان” و”برنان يوسف” ، إلى الدور البارز للمؤسسات في إشعال فتيل الربيع الأمازيغي.

 

كيف تمكنتم من إدخال القضية الأمازيغية إلى مؤسسة ” أونيام” رغم التواجد المكثف للأفالانيين؟

باجو عبد القادر:لم يكن الأمر سهلا، لكنه لم يكن مستحيلا أيضا، حيث انخرطنا في الفرع النقابي للاتحاد العام للعمال الجزائريين المتواجد في المصنع، وعبره عملنا على تحضير العمال للعمل النضالي والمطالبة بالحقوق، بالتركيز على الجانب المهني وتحسين وضعهم الاجتماعي، عن طريق العلاوات والمنح والدخول في إضرابات وتنظيم احتجاجات لرفع هذه المطالب لدى المسؤولين، وخدمنا أكثر تواجد عدد كبير من أبناء الشهداء وضحايا الحرب في هذه المؤسسات العمومية، إذ كانوا الأكثر إحساسا بالظلم والتهميش.

المطالب الاجتماعية مكنتنا بسهولة من طرح قضية الهوية الأمازيغية والتمرد ضد النظام الذي جسد تهميشه لنا، بالعمل على وأد كل ما له علاقة بلغتنا وثقافتنا.

كنا ذو ميول واهتمامات سياسية مختلفة، لكننا عايشنا مرحلة الاستعمار والثورة، والتمرد ضد الظلم كان وليد هذه الفترة، لكنه خمد مع استعادة حريتنا، إلا أن هذه الفرحة لم تدم طويلا إذ اصطدمنا بالنظام يجرم كل ما تعلق بنا، وقد أحسست أكثر بالأمر حين كنت أعمل بالعاصمة، إذ يشار إلينا بالأصابع إذا ما تجرأنا ونطقنا بالأمازيغية فقط، الوضع الذي جعلنا نحس بالظلم.

كيف كنتم تخدمون القضية الأمازيغية عبر الفرع النقابي؟

قاسي رمضان: تجدر الإشارة إلى أن الطبقة العمالية عبر المصانع والوحدات الإنتاجية وكذا المؤسسات العمومية كالثانويات والمستشفى، كانت تسير عبر الخلايا السرية التي أسسها مناضلون قدامى في الأفافاس، واصلوا النضال بشكل فردي وغير منسق بين المؤسسات الأخرى، بسبب الخوف والتضييق الممارس من قبل الموالين للأفلان.

 في مؤسستنا كان المرحوم “بردوس” وكنّا الأكثر تنظيما، بفضل تواجدنا في الفرع النقابي وكثرة عددنا، حيث قسمنا إلى فريقين، الفريق الذي لا يملك أصحابه ميولات وانتماءات سياسية، إنما يناضل فقط من أجل الثقافة والهوية، كان يقوم بنقل المعلومات والتنسيق مع الخلايا الأخرى في مؤسسات سونيتاكس، سونيلاك، الجامعة، المستشفى، نفطال وجميع الهيئات التي يتواجد بها المناضلون، والفريق الثاني والذي يتكون أساسا من مناضلي الأفافاس وحتى الأحزاب الأخرى”غير رسمية” طبعا، يقوم بمهمة تمرير الرسائل النضالية عبر العمل النقابي.

 وفي فترة وجيزة فقط أي ما بين 1977 لدى افتتاح المصنع و1979 مع تصاعد النضال عبر الجامعة واللجان الأخرى في مؤسسات مغايرة،  أصبحت قضية الهوية الأمازيغية، الشغل الشاغل ليس فقط لجميع العمال إنما المنطقة كلها عبرهم، حيث ينقل هؤلاء حقيقة الوضع وتعامل النظام مع القضية إلى قراهم وعائلاتهم.

وجدير بالذكر أن الإمكانيات والوسائل المتاحة في مؤسسة سونيلاك خدمت كثيرا القضية، خصوصا ما تعلق بحظيرة النقل، إذ كنا نملك خطوطا تربط المصنع بجميع دوائر الولاية وكذلك بالنسبة لبعض الوحدات الأخرى، الحافلات هذه تنقل العمال من وإلى المصنع صباحا ومساء، ما سمح بانتشار المعلومات والتعليمات عبر العمال بشكل سهل إلى القرى والمداشر، إذ ما يقرر صباحا من قبل القادة السياسيين والمحركين الرئيسيين للنضال، ينشر مساء بشكل تلقائي ومباشر من قبل العمال، كلّ والمنطقة التي يقطن بها، حيث مثّل عمالنا قنوات تواصل بين القمة المحركة والقاعدة الشعبية المترقبة للوضع.

كيف امتدت شرارة أحداث20 أفريل إلى المؤسسة التي تنشطون فيها؟

برنان يوسف: في حقيقة الأمر الشرارة لم تمتد إلينا، إنما انطلقت من عندنا، بتاريخ 15 أفريل 1980، قامت فرقة من قوات الأمن العسكري باعتقال المدعو “قارش مسعود” وهو نقابي وناشط في مؤسستنا، حيث شددت الرقابة على جميع الهيئات والمؤسسات التي أعلنت دعمها لموقف الجامعة، منذ خروج الطلبة إلى الشارع عقب إلغاء محاضرة “مولود معمري” في 10مارس، الناشط الموقوف عثر بحوزته على بيان حضّره للدعوة إلى الإضراب في المصنع، ليقتاد إلى القطاع العسكري بتيزي وزو، وهو الخبر الذي انتشر كالنار في الهشيم، وكانت ردة الفعل حياله سريعة وآنية، حيث نشر الخبر وسط العمال وأعلن عن توقف فوري للعمل في المصنع، كما قمنا بالتنقل إلى جميع المؤسسات التي ننسق العمل والتواصل معها وأخبرنا قادة الخلايا الناشطة بها، ودعوناهم إلى اجتماع طارئ احتضنه المصنع، ويومها أعلن عن تأسيس تنسيقية لجان القرى، التي أسندت إليها مهمة تسيير ومتابعة سلسلة الحركات والاحتجاجات التي تلي مسيرة الجامعة وأنشطتها.

وعقب تأسيس التنسيقية المذكورة، أقدم مناضلو الأفافاس على تحرير بيان نادوا من خلاله إلى الإضراب العام في اليوم الموالي المصادف لتاريخ 16 أفريل، وهو البيان الذي ترددت بعض اللجان ضمنها لجنة الجامعة في تبنّيه، خصوصا وأن محرريه مناضلون “كلونديستان” والبيان لا يحمل ختما، إلا أن المؤسسة وكما أشار إليه الزملاء، تمكنت وبفضل القوة العمالية والإمكانيات المتوفرة لديها كحظيرة النقل، من إيصال النداء إلى أبعد قرى منطقة القبائل، حيث أصبح جميع العمال ودون استثناء مناضلين حاملين للقضية، لتكون الاستجابة في اليوم الموالي تبلغ عتبة 100 من المائة، شارك فيها الجميع دون استثناء في المدن والقرى والمداشر.

وماذا حدث بعد التحرك السريع واستجابة السكان للإضراب العام؟

قاسي رمضان: بتاريخ 17 أفريل، خرج علينا رئيس الجمهورية حينها المرحوم “الشاذلي بن جديد” بخطاب مستفز، شديد اللهجة والعدائية، نعتنا فيه بمختلف الأوصاف وقدمنا للشعب الجزائري على أننا عناصر مخربة تحركها أياد خارجية، وهو الخطاب الذي تابعته تنسيقية اللجان الشعبية بتمعن، لتعلن في اليوم الموالي عن إضراب مفتوح في جميع المؤسسات التي تشغلها الطبقة العمالية، وعدم استئناف العمل قبل الاستجابة الرسمية لمطالب “الحركة الثقافية البربرية” التي أعلن عن ميلادها في مؤسستنا، وهي الديمقراطية، احترام الثقافة والهوية الأمازيغية والاعتراف بها كلغة وطنية ورسمية، ووضع حد لنظام الحزب والفكر الواحد.

في يوم 18 أفريل ومع دخول المستشفى، الجامعة، الثانويات، سونيلاك، كوتيتاكس، نفطال، الرائد للأثاث بتابوقيرث وغيرها من المؤسسات الإنتاجية الكبرى في إضراب مفتوح، وجد النظام نفسه أمام قوى بشرية كبرى، وهي الجامعة بطلبتها والفئة العمالية التي كانت بصوت رجل واحد مع مطالب القيادة، ما جعل التدخل يكون قامعا وعنيفا ليلة 19 أفريل، حيث اقتحمت الجامعة والإقامة التابعة لها لتواجد الطلبة بداخلها، في حين طوقت كل من مؤسسة سونيلاك وسونيتاكس وكذا المستشفى بقوات الأمن واقتحمت لملاحقة واعتقال العناصر الناشطة فيها.

هل طالتكم حملات التوقيف العشوائي التي رافقت عملية التدخل الأمني؟

باجو عبد القادر: نعم تم توقيفي يوم 19 أفريل عندما كنت عائدا من المصنع، حيث تعقبتني سيارة مصالح الأمن وتم اقتيادي إلى مكان أجهله، وأعتقد أنه القطاع العسكري بتيزي وزو، لم يتم تعذيبي حيث تأكد لهم أنني لست رجلا سياسيا، إذ طالت عملية الاعتقال جميع الناشطين المشتبه فيهم، وأطلق سراحهم جميعا مع الإبقاء على المناضلين الـ24 وهم مساجين سياسيون، أغلبهم من مناضلي حزب الأفافاس، لكنهم أخذوا “بردوس معمر” الذي كان ضمن قائمة الموقوفين.

لكنني واصلت النضال بعد خروجي من السجن في إطار الحركة الثقافية البربرية، بعيدا عن السياسة، التي كنت أتحاشاها منذ بداية المسار، اذ كانت المطالب الثقافية والديمقراطية، هي أساس النضال لدى أغلبية العمال، ولقيت قضية المساجين السياسيين تعاطفا والتفافا كبيرا من قبل سكان المنطقة، مع إعلان المؤسسات المختلفة وفي مقدمتها الثانويات عن مواصلة الإضراب المفتوح إلى غاية استجابة النظام لمطلب إطلاق سراحهم.

كيف تعاملت السلطات مع قضية النضال عبر الفرع النقابي؟

برنان يوسف: لم يكن وضعنا مختلفا عن الإجراءات الردعية والقمعية التي اتخذت في حق الموقوفين الـ24 الذين أطلق سراحهم بضغط ودعم شعبي، إذ لم يهضم النظام قضية تسريحه دون عقوبات سالبة للحرية، فقام بالتضييق عليهم بفصلهم من العمل وحتى نفي بعضهم، نفس الأمر حدث مع قادة النضال ضمن فئة العمال، حيث تم تسريح الكثير وتحويل آخرين إلى وحدات أخرى وحتى مختلفة عن طبيعة عملهم، التضييق علينا وعزلنا من النقابة وغيرها، لم يختلف وضع المحركين من العمال عن وضع الناشطين السياسيين.

حيث تجدر الإشارة إلى أن مصنع أونيام، مثّل قاطرة الحركة النضالية من أجل الثقافة والهوية الأمازيغية للمؤسسات الأخرى المشكلة للطبقة العمالية، نظرا للإمكانيات البشرية التي يمتلكها والتي يتعدى قوامها 3 آلاف عامل، إلى جانب الإمكانيات الأخرى التي سهلت اتساع رقعة نشاطنا وإيصال أفكارنا ونداءاتنا، حيث أعطت دفعا قويا للقضية والربيع الأمازيغي، حيث كان محور النشاط عبر تنسيقية اللجان العمالية عبر المؤسسات التي يربطها بها التواصل، ورغم ذلك فضلنا أن يكون المشعل بيد جيل المستقبل وأن تكون الجامعة حاملة له.

كيف استمر النضال العمالي بعد أحداث الربيع الأمازيغي؟

قاسي رمضان: لم توقفنا آلة الردع والإجراءات القمعية والظالمة التي اتخذت في حقنا، حيث واصلنا المسار، رغم التطويق الأمني الذي عرفته الولاية، إذ استقدمت قوات الجيش من الغرب والشرق وعزلت الولاية تماما  لمدة ثلاث أشهر، قصد منع انتقال العدوى إلى الولايات المجاورة، مع تحريك آلة الإعلام العمومي ضدنا، بالقول إننا أحرقنا المساجد والمصحف الشريف وكذا العلم الوطني، إلا أن السكان تمسكوا بموقفهم والتفافهم حول القضية ومساندتهم لقضية الموقوفين إلى غاية إطلاق سراحهم نهاية جوان 1980.

وكانت سونيلاك المؤسسة الأولى التي بادرت إلى الاحتفال بالسنة الأولى للربيع الأمازيغي، وشارك كل من الراحل “معطوب لوناس” و”فرحات ايمازيغن إيمولا”، “مزاري مرزوق” في إحياء حفل هذه المناسبة والقلة التي استجابت للدعوة دون خوف من النظام.

وبعد إطلاق سراح المعتقلين الـ24 لا يفوتنا أن نذكر الدور البارز والأساسي الذي لعبه ممثلو المصنع في ملتقى إعكوران، لتحرير أرضية مطالب رفعت للسلطات العليا بعدها.

حدثونا عن الدور المحوري لممثلي العمال في فعاليات ملتقى إعكوران أوت 1980؟

برنان يوسف:لم يفقد النظام آماله في تطويق القضية والنضال الأمازيغي، حيث رغب في بلورة الرؤوس المحركة للقضية وتحديد مسارها وتوجهاتها، إذ نادت الأطراف المتبنية للحركة الثقافية البربرية، إلى تنظيم ملتقى نظم ببلدية اعكوران، قامت خلاله السلطات بدفع تكاليف الفندق على حسابها، وكان الهدف الظاهر من الملتقى هو اتفاق جميع فاعلي التيارات المختلفة، على النقاط المطلوبة ورفعها في بيان واحد يتضمن أرضية مطالب الحركة إلى السلطات العليا في البلاد.

الخطوة كانت ذكية من قبل النظام، الذي بلور وحدّد الفئة التي يتعامل معها ومستواها وهوية أصحابها، وهي الورقة التي وظفتها لاحقا في تعقب قادة الحركة والعمل على تقسيمهم بتغذية الخلافات التي نشبت بينهم وإن كانت بسيطة في البداية، إلا أن النظام عرف فيما بعد كيفية توسيع الهوة بينهم لإضعاف شوكة الحركة البربرية، حيث وبالرغم من كون المطلب والقضية الأساسية كانت واحدة وهي الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، وكذا الحريات الديمقراطية، إلا أن اختلاف التوجهات السياسية والفكرية والأطياف التي حاولت فرض رأيها ومواقفها، جعلت الملتقى يستمر لشهر كامل، وكاد أن يخرج دون أرضية المطالب التي نظم من أجلها، إلا أن ممثلي مصنع “أونيام” والطبقة العمالية وهم “سعدي احمد”و المرحوم “موساوي خلاف” أصروا على ضرورة رفع المطالب وجعل القضية في مقدمة الاهتمامات بعيدا عن الاختلافات والتوجهات الفكرية التي قد تمثل خلافات تعرقل مسار القضية التي انتفضت المنطقة من أجلها، وهو ما تم فعلا.

مقالات ذات صلة