الطبقيّة والماديات تنخر المجتمع الجزائري
أن تكون فارغ العقل والروح لكنك ثريّ فأنت سيّد، لكن أن تكون فقيرا ومُتواضعا وذا عقل راجح فحتما أنت منبوذ.. في مجتمع طغى عليه حب المادة والمظاهر الزائفة، إلى درجة أن 90 بالمائة من قضايا الجنح والجنايات عبر محاكم الوطن أبطالها محتالون أوقعوا آلاف الضّحايا بالاستعانة بمظاهر كاذبة.
تحوّل كثير من الجزائريين إلى مهووسين بالمظاهر والماديات، فلم يعد غريبا أن ترى ربّ أسرة يسكن في شقة من غرفتين وأولاده يلبسون“الشيفون“.. تغيب الفواكه واللحوم عن مائدته، لكنه يدفع مدّخرات حياته لشراء سيارة فاخرة للتباهي، وشبان يقبضون مرتبا لا يزيد عن 15 ألف دج، لكنهم يرتدون أحذية يفوق ثمنها المليون سنتيم، ونساءُ يحرمن أنفسهن من الأكل واللباس لشراء مجوهرات يفتخرن بها في المناسبات.. فكثير من العائلات تُضحّي بالأكل والدواء واللباس وقضاء عطلة مريحة، لتوفير ثمن سيارة فارهة، ألم يُثِر استغرابك السيارات الفخمة المركونة أمام البيوت القصديرية؟..
في المعرض الدولي الأخير للسيارات بالعاصمة، باع وكيل معتمد لإحدى ماركات السيارات الألمانية الفاخرة وفي ظرف 5 أيام فقط، أكثر من 6 آلاف سيّارة تعدى ثمن غالبيتها 300 مليون سنتيم، وغالبية المشترين حسبما علمنا من الطبقة المتوسطة، وليس من رجال الأعمال!
المظاهر أصبحت جواز عبور لقضاء المصالح، فأن ترتدي بذلة غالية الثمن وتمشي مختالا فخورا، وتنهر هذا وتتكبر على ذاك فأنت مرحّب بك في كل مكان، أما ملابسك البسيطة وتواضعك فلن يشفع لك بقضاء حاجة مهما كانت بسيطة في بعض المصالح ولو كنت دكتورا في الفيزياء النووية..
هذا التمييز بين البشر لاحظناه في معرض السيارات الأخير بالعاصمة.. إحدى الشركات أحاطت سياراتها التي يصل ثمنها المليار سنتيم بشبه سياج لمنع الزوار من اللمس، لكن عبارة “قف” كانت موجهة للمواطنين البسطاء، أما من يظهر عليه الثراء فمسموحٌ له باللمس حتى بدون شراء.. وبينما نحن واقفون اقترب رجل ببذلة وربطة عنق وبدون أي مقدّمات سمح له المُضيف المرور لمعاينة السيارة، وفي اللحظة نفسها تبعه كهل مرفَق بطفلين، فتم منعه بطريقة فظّة، فما أدرى المضيف أن الأول صاحب ثروة والثاني فقير؟ إنها المظاهر الخداعة.
مئات القضايا تعالجها المحاكم تعرض فيها مواطنون للنصب بعدما أغوتهم المظاهر، فيثقون في شخص لأنه يرتدي أفخم الثياب ويركب سيارة بسائق، فيمنحونه أموالا طائلة نظير تأمين لهم مساكن ووظائف، ليتبين أن المحتال من أفقر الأشخاص..
في إحدى القضايا التي عالجتها محكمة الحراش، تمكن بطّال في 40 من عمره من الاحتيال على أكثر من 30 ضحية من ولايات مختلفة، بعدما انتحل صفة إطار سام في الأمن، وما أوقع ضحاياه في المصيدة فمنحوه أموالا ومجوهرات، ليس بطاقة مهنية أظهرها لهم، وإنما سيارته الفاخرة بالسائق أجّرها من شركة تأجير السيارات، وملابسه الأنيقة.. واحد فقط من بين الضحايا يقطن بالمدنيّة بالعاصمة لم يمنح المحتال فلسا واحدا، رغم أن الأخير وعده بسكن اجتماعي، وهو ما استغرب له وكيل الجمهورية، ليرد عليه المواطن “أنا ما ناكُلش من وَذْنِي علّمتني الحياة أنّ لا أثق في المظاهر“.
أحمد مسلوب، مختص في التنمية البشرية وتطوير الذات، تساءل في اتصال مع الشروق “هل يعرف الجزائري طريقة العيش المثالية؟ كثيرون يعتبرون السعادة الحقيقية هي تملّك المزيد والمزيد من المال، أو الحصول على أجمل السيارات وأفخم المنازل، وهذه الظاهرة ينشئها المحيط الاجتماعي اللاهث وراء الماديات.. في الدول الغربية يأكلون جيدا ويهتمون بصحتهم ويسافرون لشحن طاقاتهم، أما السيارة والسكن الفخم فمن آخر اهتماماتهم“، وأعطى لنا محدّثنا مثالا برجل فرنسي يعتبر من أثرياء العالم، لكنه يسوق سيارة قديمة تعود لفترة السبعينيات، وعندما سُئل عن سبب عدم شرائه سيارة فاخرة ردّ “سيارتي توصلني إلى أي مكان أريد فهي مجرد وسيلة وليست غاية، لدي اهتمامات أهمّ في الحياة“.