الطز لنا .. والملح لهم؟!
لا أكشف سرا إن قلت إني كنت من المعجبين جدا بهتافات “طز في أميركا” التي كانت تتشكل في زبد الشدقين للأشقاء في ليبيا الجماهيرية، وما تحمله من الكلمات السافلة المبتذلة. وأعترف أن والدي المرحوم بشير بن حشاني كان دوما ينهرني عندما انتفض مع الجماهير في الساحة الخضراء، وأنا أصرخ ”طز..طز في أميركا” ويقول لي:
ابحث يا ولدي عن مفردة أخرى غير قابلة لخدش الحياء العام، ونحن على مقربة من الأشهر الحرم، والتفكير في تسديد الأضاحي المحلية والمستوردة.
كان ذلك منذ أكثر من 40 خريفا بالتمام والكمال، وأنا اجتهد سرا وعلانية في البحث عن المعنى اللغوي والاصطلاحي لهذه الطزطزة الليبية، التي أضافها الأشقاء إلى معجم القاموس التظاهري للعرب، وحتى العجم الأفارقة، عندما نجحوا في كسر الحصار الجوي على جماهيرية الفاتح من سبتمبر المنتهية الصلاحية.
ولم أكن أعلم أن “طز” كثيرة الاستعمال في المطبخ العالمي، مهما تفرق الناس في شرحهم لوصفات الطبيب المعالج. وخرجت من هذه الحيرة أن كلمة “طز” معنى آخر بعيد عن عدم المبالاة أو الهتاف الثوري، وهو أن “طز” كلمة عثمانية قديمة معناها (ملح)!
ان “طز” يا والدي المرحوم ليست من الكلمات السافلة المبتذلة، بل هي كلمة تركية الأصل تعني الملح، وهناك العديد من الفرضيات حول كيفية تحول هذا المصطلح من كلمة تعني الملح إلى علامة للاستخفاف وعدم وجود قيمة تستحق للمعني أن يبذل شيئا يسيرا من المعاناة من أجل شيء أو شخص تافه.
وبعد إطلاع عميق وجدت أن إحدى الفرضيات تقول إنه أثناء الحرب العالمية الأولى، كان الجباة الأتراك يداهمون البيوت في فلسطين بحثا عن المؤونة لفرض الضرائب عليها، وهم يفرضون الضريبة على أكياس القمح والشعير والسمسم والفول والحمص والملح، ولكن اقل ضريبة كانت على الملح، ومن أجل التهرب من الضريبة، كان الفلسطينيون يدعون أن أكياسهم مليئة بالملح وحده، وكان الجابي يصرخ بالمسجل: سجل “طز”.
وهناك فرضية أخرى تقول إن البحارة العرب كانوا يصرخون ويصيحون بهذه الكلمة عند الاقتراب من الموانئ العثمانية، لتلافي دفع الرسوم الجمركية، لكون الملح آنذاك معفى من دفع تلك الرسوم أثناء الحكم العثماني للبلاد العربية، فكانوا يصرخون من بعيد”طز يا فندم” ويقصدون “ملح يافندم” نظرا لبخس قيمة الملح وعدم أهميته ولا اعتراض عليه، ليتجنبوا التفتيش.
هناك فرضية ثالثة تقول إن هذه الكلمة أتت عندما كان الأتراك يسيطرون على مراكز أو نقاط التفتيش، أو ما يسمى أيضا بنقاط العبور المنتشرة على الشوارع والطرقات الرئيسية في الوطن العربي إبان الحكم العثماني، كان العرب يذهبون لمبادلة القمح بالملح، وكانت هناك عدة نقاط تفتيش. وعندما كان العربي خلال بوابة العسكري التركي وهو يحمل أكياس الملح، يشير إليه التركي بيده إيذانا بالدخول، ودونما اكتراث يقول: “طز”! فيجيب العربي “طز”، بمعنى إنه فقط ملح أي لا شيء ممنوعا أو ذا قيمة فيدخل دون تفتيش.
هذه الكلمة بقت بعد رحيل الأتراك وعلقت كمصطلح واسع الانتشار في قاموس المفردات الشعبية العربية، وأصبحت مرادفة للاستهتار بالمقابل. ودخلت هذه الكلمة معظم البيوت العربية، وأصبحت كلمة حاسمة في نزع الخلافات العائلية والاجتماعية والسياسية، تم تطوير “طز” إلى صاروخ عابر للقارات على يد معمر القذافي، الذي أرسل ذات يوم من مؤتمر الشعب العام، صاروخين من نوع “طز طز” في أمريكا. لكن الشعب الليبي قام بتأليف الكثير من النكت والطرائف على ذلك الطز، بعد الغارة الأمريكية على ليبيا، أثناء حكم الرئيس رونالد ريغان.
ومن إحدى النكت التي تندر بها الليبيون هي شعار”طز طز فينا نحنا… يا سيدى ريغان سامحنا”.
وعندما نتحدث عن الطز كمادة غذائية، فإننا نشير إلى أن الدول المنتجة للطز تتباهي بالوصول هذه الأيام إلى أكثر من 50.000.000 طن. وما لا يعرفه الوالد رحمه الله، أن “الطز” يعتبر زينة المائدة، وسيد البهارات، وتجده حاضرا بكل الطبخات مثل المخبرين وجواسيس الحكام العرب بين السكان. وقد أثبتت الدراسات والأبحاث أن ”الطز” مضر بالصحة، فلذلك لا تكثر من الطز خلال الأشهر الحرام.
يطلق علماء الكيمياء على الملح تسمية طز الطعام أو طز كلوريد الصوديوم. وهناك حقيقة علمية مفادها أن البحر الميت ما يعوم فيه أحد، أتدرون لماذا؟؟؟ لأنه كثير ”الطز”.
على فكرة فيه.. طز دايت أو ليت.. وطز ناعم.. وطز حرش.. وجميع أنواع الطز موجودة في سوبر ماركت مدينة غيروند بفرنسا ويسمى باسمها، وهو طز طبيعي غير معالج، كثيرا ما تضعه الوالدة حدي بنت الصغير – أطال الله في عمرها ـ في كانون طيني للتبخير ضد العين والحسد.
ولا تستغربوا أيضا إن قلت لكم إن الطز كلمة يونانية الأصل، ومختصرة من “زونتاراطينوزون”، وطينوزون تعني اللعنة، وزونتارا تعني الكثير، أي لعنة كثيرة أو كثرة اللعنة.
فهل كان الليبيون بطزطزتهم يقصدون اللعنة على أميركا، وليس رميهم بالملح المعالج باليود؟
والطز يا أيها الأحبة ـ بحسب معلمي الأول الشيخ الأمين مناني ـ كلمة تصلح كفاعل ومفعول به ومجرور ومكسور ومفتوح ومسكون أيضا. كما تصلح ككلمة وضمير وصفة، تخرج بضم الشفتين أو تخرج بدلدلة اللسان أو بعدم فتح الفم من الأساس، ويُقال إنه من المكن إخراجها من الأنف، تخرج كإشارات باليد أو بالقدم أو بالركبة، وأحياناً تخرج من أماكن يعف اللسان عن ذكرها منعاً للإحراج.
“طز” يا إخوة الشقاء والمبتهجين برحيل بن بوزيد، كلمة تُلازمك أينما كنت وأينما ذهبت، عندما تفتح التلفزيون تجد أحد الزعماء العرب يُلقي خطابا عن الأوضاع الراهنة من خلال القمة العربية ، ستُحول القناة فوراً وأنت تهمس بـ”الطز” لتجد على القناة الأخرى صاحب فضيلة سيخطب في المشاهدين خطبة بليغة عن لبس الخف بالمقلوب، سوف تحول القناة فوراً وأنت تهمس بـ ” طز” في قناة الشروق ستجد سليمان بخليلي يجبرك على عد النجوم، ستُحول القناة بدون تردد وأن تهمس بـ “طز فيك وفـي حميد معاك..” . في قناة أخرى سيطل عليك عمارة بن يونس وهو يقول ؛شوف يا خويا على بالك إني أنا أقدر أرجع للجزائر، وأتحول من رئيس حزب معارض إلى وزير في حكومة السلال”. طبعاً ستُحول القناة وأنت تقول ”طز ترجع.. أو ما ترجع”.