خطاب الأمّة… لا خطاب الطوائف
خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده وزير الحرب الأمريكي “بيتر هيغسيث” مع رئيس هيئة أركانه، الإثنين الماضي (2 مارس 2026م)، قال “هيغسيث” بصراحة ومن دون تقية (!): “لا يمكن أن نسمح للأنظمة القائمة على أوهام نُبُويّة إسلامية –مثل إيران- بأن تمتلك أسلحة نووية”! وهو التّصريح الذي كشف بكلّ وضوح عن العقيدة التي تحرّك الإدارة الأمريكيّة الحالية، وأسقط كلّ الحجج التي تساق لشرعنة الوجود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط وتبرّر العدوان الصهيو-أمريكيّ على دول المسلمين، خاصّة تلك التبريرات العلمانيّة التي تنفي عن العدوان صبغته الدينيّة، أو تلك “الطائفية” التي تريد للأمّة أن تأخذ دور المتفرّج أمام العدوان على إيران!
لم يكن خافيا على أكثر الموالين لسيّد البيت الأبيض الأمريكيّ في الخليج أنّ الإدارة الأمريكيّة الحالية بقيادة ترامب محسوبة على الصهيونيّة المسيحية، وقد أشارت الإحصاءات أنّ الرئيس الأمريكيّ الحالي يحظى بدعم 80 بالمائة من الكتلة الناخبة لهذه الطائفة التي تضغط ماليا وإعلاميا للتعجيل بسيطرة اليهود على أرض فلسطين كاملة، تمهيدا لعودة “المسيح”! لكن ورغم كلّ هذا الوضوح، إلا أنّ “المحميات الأمريكيّة” أصرّت على المضيّ قدما في ولائها الكامل لأمريكا وفي احتمائها بالقواعد الأمريكية التي أثبتت الوقائع المتوالية أنّ وجودها إنّما هو لغرض واحد هو حماية “الكيان الصهيونيّ”!
كان المبرّر الجاهز دائما في خطاب “المحميات” هو مواجهة التهديد الإيرانيّ، وكانت السردية التي طالما ألبست لبوس الدّفاع عن الدّين وحماية العقيدة هي أنّ العدوّ الأوّل لإيران هم المسلمون السنّة، وهي السردية التي ساهم دولة الاحتلال الصهيونيّ في الترويج لها، وكان المتحدّث العربي باسم الجيش الصهيونيّ “أفيخاي أدرعي” الصوت الأبرز في هذا الاتجاه. وقد كان لافتا أنّ التهمة الأكثر رواجا والموجّهة للمقاومة الفلسطينية بعد اندلاع “طوفان الأقصى” هي أنّ حماس ليست مهتمّة بقضية فلسطين إنّما هدفها خدمة المشروع الإيرانيّ الطائفي، وحتى طوفان الأقصى أشيع عنه أنّه جاء إنفاذا لأوامر صدرت من طهران لتحقيق مصالح إيرانية لا علاقة لقضية فلسطين بها!
وها هو وزير الحرب الأمريكيّ يكشف الحقيقة الكاملة، ويفضح مزاعم “الموالين” بأنّ حروب أمريكا إنّما هي ضدّ النفوذ الإيرانيّ باعتباره نفوذا قوميا أو مذهبيا، ويجلّي بوضوح أنّ عداء أمريكا إنّما هو لكلّ من يحمل راية المشروع الإسلاميّ ويحلم باستعادة أمجاد الأمّة، بغضّ النّظر عن مذهبه أو طائفته؛ سواءٌ كان سنيا إخوانيا أو كان شيعيا اثني عشريا… إيران دولة شيعيّة طائفية، لكنّها في المنظور الصهيونيّ والأمريكيّ دولة إسلاميّة تتبنّى النبوءات الإسلاميّة التي تؤزّ معتنقيها لمحاربة “الكفر المستعلي” والسعي للتمكين في الأرض… والمسلمون في مثل هذا الوقت الحرج الذي تداعت فيه الأمم مصطفة –بشكل معلن أو غير معلن- خلف العدوّ الصهيونيّ، يتعيّن عليهم أن يفهموا دوافع الحروب والصراعات القائمة، ليكون موقفهم مبنيا على عقيدة “الأمّة الواحدة” التي يراد إطالة سباتها والحيلولة بينها وبين امتلاك أسباب القوة، وليس على خطاب “الطوائف”. وأمريكا التي تريد تركيع إيران المسلمة الشيعيّة، هي ذاتها أمريكا التي حاولت تركيع أفغانستان والعراق المسلمتين السنيتين!
كان يسع الأمّة أن تفتح نقاشات طويلة في القضايا الطائفية والمذهبية، وما كان على أهل السنّة من حرج في أن يردّوا على إيران طائفيتها التي صبغت سلوكها على مدار عقود من الزّمن، لكن عندما أصبحت إيران هدفا للمشروع الصهيو-أمريكيّ لا لشيء إلا لأنّها دولة مسلمة لا تملك الحقّ في امتلاك أسباب القوة! فإنّ الدّين والعقل يحتّمان على المسلمين أن يوالوا إيران ضدّ الصّهاينة ومن يدعمهم.
لم يخلُ تاريخ الأمّة من صراعات طائفية ومذهبية وأخرى سياسية، كانت فاتورتها ثقيلة في الأرواح، لكنّ الأمّة كانت -في أغلب المحطّات- تقدّم للعدوّ المتربّص درسا قاسيا مفاده أنّ المسلمين يتحوّلون إلى جسد واحد يتداعى بعضه لبعض بالنصرة والتأييد عندما يتعرّض جزء منهم لعدوان عدو كافر… وقد كان لأئمّة الإسلام الكبار أبرز دور في صناعة هذا الموقف المشرّف. فهذا مثلا الإمام ابن تيمية –رحمه الله- الذي عرفت عنه قوته في تصدّيه للعقائد والمسالك الطائفية التي تفتّ في عضد الأمّة، عندما تعلّق الأمر بكيان الأمّة الواحد في مواجهة قوى الكفر المتربّصة قال بكلّ وضوح: “… ولو قدر أنّ المسلمين ظلمة فسقة، ومظهرون لأنواع من البدع التي هي أعظم من سب علي وعثمان، لكان العاقل ينظر في خير الخيرين وشر الشرين… ألا ترى أن أهل السنة وإن كانوا يقولون في الخوارج والروافض وغيرهما من أهل البدع ما يقولون، لكن لا يعاونون الكفار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر وأهله على ظهور بدعة دون ذلك؟”.