الشروق العربي

الطفل الذهبي.. ضحية تربية نرجسية وحب مشروط

ليلى حفيظ
  • 914
  • 0

نطمح ونسعى جميعنا لتسليح أولادنا بما يلزم من المعارف العلمية والمهارات الحياتية، ليُصبحوا أشخاصا ناجحين مفلحين مستقبلا. ولكن، قد يُبالغ البعض في ذلك، إلى درجة الإفراط في الإشادة بقدرات طفلهم، ودفعه نحو التميز والضغط عليه لاكتساب كل ما يمكن من علوم ومواهب، ليغدو استثنائيا من وجهة نظرهم. فيُنتجوا بذلك ما يسمى بالطفل الذهبي، الذي سيعاني لاحقا من السعي الدائم لتحقيق الإنجازات إرضاء لوالديه، ما ينعكس سلبا على تطوره النفسي ومستقبله.

طفل استثنائي فوق العادة

الطفل الذهبي، تسمية تُطلق على الابن الذي تعتبره أسرته استثنائيا ومثاليا في كل شأن، وتتعامل معه على ذلك الأساس. وهو نتاج تربية نرجسية، تتحكم فيه بطريقة تسلطية سلطوية، تجعله يشعر دائما ويتصرف على أساس أنه متميز في كل شيء، ولا يجب أن يُخطئ. فيُبالغون في الاهتمام به، ويضغطون عليه، ليكتسب مهارات ومعارف عديدة، ويشيدون بقدرات قد لا يتمتع بها، فيغدو هدفه الرئيسي في هذه الحياة هو تلبية احتياجات وطموحات والديه، وتحقيق النجاح والشهرة لعائلته، دون الاهتمام لرغباته الشخصية وقناعاته. وربما، هذا تماما، ما تحاول السيدة إكرام فعله مع طفلها، الذي لا يتجاوز الخامسة من العمر، إذ لطالما أكدت للجميع أنه موهوب وسيغدو متميزا في كبره. ولهذا، هي لم تتوان عن ضغط جدول يومياته بعدد وكم لا يحصى من النشاطات والتعلمات. فهو يدرس ثلاث لغات أجنبية، ويمارس رياضتين قتاليتين. وغالبا، ما يرتدي بدلات رسمية بربطة عنق. ولا هامش لديه للعب كأقرانه أو التصرف بطفولية مثلهم.

حب مشروط

تقول المعالجة النفسية، تيري كول: “الطفل الذهبي يشعر بضغط من والديه. وتترسخ لديه قناعة بأنه إذا أراد الاستمرار في تلقي الحب والاهتمام والغمر العاطفي من طرفهما، فيجب عليه الاستمرار والحرص على تحقيق الإنجازات، التي يطمحان إليها، والتصرف وفق النهج الذي رسماه له”. وهذا، ما يسمى بالحب المشروط المقترن والمربوط بمجموعة تطلعات، يُجبر الطفل الذهبي على الاستجابة لها، لكي يحظى بمحبة ورضا والديه. ومن علامات هذا الحب المشروط الذي قد يُنتج ويُنشئ طفلا ذهبيا: قيام الأبوين أو أحدهما باختيار وتحديد اهتمامات الطفل ومساراته الحياتية، على افتراض أنهما على دراية تامة بمصلحته دون الاهتمام بتفضيلاته ورغباته وميولاته، مدحه أمام الغرباء فقط، ونقده وتقريعه في المنزل، الشعور بالحب تجاهه أو إظهاره له فقط عندما يتصرف وفق ما يبتغيانه.”

علامات للطفل الذهبي

يمكن تمييز الطفل الذهبي من خلال مجموعة سمات، منها كما توضح الدكتورة تيري كول:

-سعيه الدائم والمحموم لتحقيق الإنجازات، وخاصة تلك التي يحلم بها والداه، للحصول على حبهما المشروط بذلك.

-افتقاره إلى الإحساس بذاته، لكونه اعتاد السعي والعمل على تحقيق طموحات ورغبات والديه، ما يجعله يستغرب أي سعي منه لتحقيق أهداف ورغبات ذاتية.

-الحرص القهري لإرضاء والديه، ما يدفعه إلى لعب دور الكبار باكرا، الأمر الذي يحرمه من عيش طفولته، ويجعله شديد القسوة على ذاته ليكون مميزا.

مشاكل نفسية وعاطفية

يعاني الطفل الذهبي من عدة مشاكل نفسية، كالحساسية المفرطة للنقد، جنون العظمة، صعوبة اتخاذ القرار أو إصدار الأحكام، السعي الدائم لجلب الانتباه، فرط اليقظة، عدم القدرة على تحمل صعوبات الحياة والاحباطات والعقبات. كما أن الطفل الذهبي أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق نتيجة الضغوط الممارسة ضده من طرف والديه، كما قد تمتد معاناته إلى المدى البعيد، مُسببة له مشاكل في العلاقات والصداقات والأبوة والأمومة والتقدير العام للذات الذي قد يكون متدنيا أو متضخما. لهذا، وجب على الوالدين حب أبنائهم حبا غير مشروط بنجاحات استثنائية ومستحيلة أحيانا.

مقالات ذات صلة