الطير الحر
كان الرئيس العراقي صدام حسين الذي أعدم في الساعات الأولى لأول يوم من عيد الأضحى، هو الأضحية الأولى التي يصبح عليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وهو تحد أمريكي إسرائيلي مقصود لمشاعر المسلمين الذين يبدو أنهم أصبحوا بدون مشاعر ولا أدنى شعور بالكرامة الإسلامية والإنسانية بالنظر للمواقف المعبر عنها هنا وهناك تجاه هذا الحدث الجلل، ففيما وقفت الشعوب العربية والإسلامية موقف المشاهد المعتوه المسلوب الإرادة أمام شاشات التلفزيون.كانت المواقف الصادرة عن أشجع القادة والزعماء هي لوم أمريكا ومن يقف وراءها على اختيار هذا اليوم بالذات لشنق الرئيس صدام وليس على عملية الإعدام في حد ذاتها أو على جور الحكم وعدم شرعية المحكمة، وفي أحسن الأحوال كان هناك من أعلن الحداد لأيام معدودات أو إقامة العزاء وذهب الحاقدون إلى التشفي وتأليه الرئيس بوش ومن وراءه من خلال اعتبار تنفيذ حكم الإعدام شنقا “إحقاقا للعدالة الإلهية” كما عبر عن ذلك بعض الزعماء العرب والإيرانيين.
وإذا كانت هذه الطريقة في شنق الرئيس صدام تعبر عن سياسة “اللينش” أو الإعدام الصوري الهمجي الممارس في أمريكا منذ نشوئها سواء في حق الهنود الحمر أو في إطار تصفية الحسابات بين المجرمين والتي امتدت في القرن الماضي والحالي إلى الزعيم الإيطالي موسوليني والجنرالات الألمان والرئيس البانامي نورييغا والرئيس الروماني نيكولاي شاوسيسكو والرئيس صدام أخيرا “وليس آخرا” فإن هذه الطريقة وطريقة المحاكمة ونصيب المحكمة وما وصل إليه العراق من أوضاع همجية بعد سقوط نظام صدام أثبتت أن هذا الأخير كان على حق في كل ما فعله واقترفه في حق ما يسمى بالمعارضة العراقية التي تحكم العراق اليوم والتي أكدت بما أوصلت إليه هذا البلد وشعبه ودولته وحضارته العريقة أنها كانت تستحق تلك المعاملة، لأنها أثبتت اليوم أنها مجرد مجموعة من المجرمين والانتهازيين المأجورين الذين باعوا أنفسهم وذمتهم لأمريكا وإسرائيل بأبخس الدولار.
والرئيس الطالباني الطرطور الذي قال من قبل أنه لن يصدق على حكم الإعدام في حالة صدوره في حق صدام لم يكن يعرف أنه في مقابل تربعه على عرش العراق “الجليد” لا يملك هذا الحق أمام أمريكا التي انتهكت في عملية محاكمة وإعدام صدام حتى الدستور الذي وضعته للعراق وحتى القانون الذي وضعه حاكم العراق السابق بريمر رفقة المخابرات الإسرائيلية الأمريكية لتسيير المحكمة وإصدار الحكم.
ومهما يكن وعلى عكس ما كان ينتظره المتشفون والناقمون الحاقدون من أعداء الأمة، فقد سار الرئيس صدام إلى مصيره الذي قررته له أعتى قوة ظالمة مجرمة في العالم، شامخا مرفوع الرأس، رفض حتى تعصيب عينيه عند تنفيذ عملية الشنق وهو ما لم يكن يفعله الجبناء من أمثال بوش وأذنابه في العالم العربي والإسلامي، لقد مات ميتة الطير الحر الذي “لا يتخبط عندما يقع”، فلم يطلب شيئا ولم يشرف جلاديه بطلب الرحمة أو الرأفة أو العفو كما كانوا يتمنون، وأثبت لهذه الأمة أنه على كثرة المنبطحين والخونة والمتخاذلين والعملاء فيها من الزعماء وغير الزعماء، هناك واحد على الأقل ممن شرفوها ويحفظون لها ماء وجهها في التاريخ ويكونون القدوة والنموذج للأجيال القادمة مهما كانت أخطاؤهم وأفعالهم وحتى جرائمهم.
سالم زواوي