الطّريقة التي غادر بها والدي الافلان لا تليق بنضاله وتاريخه
قال سهيل مهري نجل الراحل عبد الحميد مهري في هذا الحوار إن مذكرات والده سترى النور قبل نهاية العام الجاري، وقال إن العمل الذي قام به الأستاذ محمد عباس كان منظما ومنهجيا ولكنه لا زال منقوصا، مشيرا إلى أنهم بصدد جميع المزيد من الوثائق والصور والشهادات ليكون العمل في مستوى الراحل، وعبر المتحدث عن حزنه عن الطريقة التي تم التعامل بها مع الوالد خلال تسعينيات القرن الماضي حين غادر الافلان بطريقة لا تليق بمقامه وتاريخه.
من هو سهيل مهري؟
أنا سهيل عبد الحميد مهري من مواليد الجزائر العاصمة سنة 1968، درست بالعاصمة إلى غاية بلوغي سن 16 سنة ــ ثم انتقلت لفرنسا أين كان والدي يشتغل كسفير للجزائر، درست هناك وعدت إلى أرض الوطن سنة 1988 وواصلت دراستي إلى غاية 1992، وبعدها مارست مهنتي كمهندس معماري إلى يومنا هذا.
نعرف عبد الحميد مهري الريادي الكبير والزعيم الوطني ….. ولكن كيف كان عبد الحميد مهري رحمه الله يتعامل معكم، حدثنا عنه كيف كان في البيت؟
في البيت تسقط الزعامة، هو من كان يفضل إسقاطها ولم يعتبر نفسه زعيما، وربما كلمة “زعيم” أصبح استعمالها اليوم مبالغة فيه، كان ديمقراطيا، مسؤولا في عمله، أب عادي كباقي الأباء، غيابه الطويل عن المنزل كان يجعله حنونا أكثر، ابتعد عن الطفولة وتقلد مناصب في سن مبكرة، هذا ما جعله يحب العائلة والأطفال،وذلك بحكم السيرة النضالية التي تميز بها، كان يقترب أكثر منا لتعويض حرمانه في سنوات الطفولة.
هل كان يتحدث عن الشأن السياسي العام في البيت؟ وكيف كانت مواقفه مما كان يحدث في الساحة السياسية قبل وفاته؟
والدي لخص موقفه السياسي في رسالته المفتوحة الأخيرة لرئيس الجمهورية، والجميع تعرف على الرسالة واطلعوا على أبعادها، اليوم اختلفت الظروف ونترك أهل الاختصاص كي يتحدثوا.
أين وصل مشروع مذكراته؟ ولماذا تأخر نشرها؟
مذكراته قطعت أشواطا هامة، ولكن مشوارها المركبابتدأ بمبادرة من جهات أخرى حيث أن الدكتور خير الدين حسيب، هو من شجع والدي ومنحه التسهيلات والدعم باختيار مساعد له، وطلب منه تقديم شهاداته وقال إنمركز الوحدة العربية ستنشر هذه المذكرات وكان ذلك حوالي سنة ونصف قبل الوفاة، ووقع الاختيار على الأستاذ محمد عباس، الذي قام بالمهمة مشكورا مع الوالد، وأوصلها إلى ما وصلت إليه يوم وفاته. ولما اطلعنا عليها، أدركنا أن العمل يحتاج إلى المزيد من الجهد، فقد قام محمد عباس بعمل كبير في تفريغ الشهادات مع القيام ببعض التعديلات وقام فعلا بعمل منهجي من خلال تنظيمها وترتيبها، وقد لا حظنا من جهتنا أن بعض الاشياء كانت ناقصة، والوالد كلمنا في بعض المناسبات عن رغبته في إدماج بعض المراجع التي لم تظهر في الكتاب بالطريقة التي سلمنا إياها محمد عباس، فارتأينا التنقيح وإعادة ترتيب الكتاب وهذه المهمة أخذت وقتا أكثر مما تصورناه، إذ كان علينا البحث في وثائق الوالد وإدماج بعض الصور والمراجع والملحقاتوالوثائق تاريخية وشهادات لبعض المناضلين دعما لشهادة الوالد، وبالنسبة لشخص مثلي هذا العمل يتطلب وقت للتمحيص والتدقيق، لا يمكن فقط وضع المعلومات، يجب تحري الدقة وتجنب الهفوات، حاولنا ألا نستعجل حتى تكون لائقة بالمستوى الذي كانت عليه مثلما كان يريدها عندما كان على قيد الحياة وهذه هو السبب الوحيد لتأخر صدور المذكرات.
كم دامت الجلسات الاستماع مع مهري …..؟
ليس لدي تفاصيل على هذه اللقاءات والأجدر الرجوع الى الأستاذ محمد عباس الذي كان قد صرح بتفاصيل ذلك في بعض مقالاتهولكن الذي أعرفه أنه كان يعمل مع الوالد بطريقة ناجعة خاصة وأن صاحب الشهادة كان على قيد الحياة واليوم اختلفت الطريقة بفقدان صاحب الشهادة والمهمة على عاتقنا اتجاه الجزائروالجزائريين، كمسؤولين لإصدار المذكرات لتكون الشهادات مضبوطة.
أين وصلتم في العمل على المذكرات؟
نحن مع فريق العمل نعيد الترتيب، سيكون عملا متواضعا قد يتضمن بعض نقائص ولكننا سنسرع قدر المستطاع، فعملية التصحيح تحتاج الى كفاءات خاصة وسنسعى للعمل مع الشخص المناسب.
في رأيك لماذا تأخر في جمع مذكراته، بعبارة أخرى لماذا لم يبادر الراحل مهري بكتابة مذكراته عندما كان يتمتع بصحة جيدة؟
من الأسباب هو انشغاله بمستقبل الجزائر وليس ماضيها، كان ينظر للأمام وليس للخلف، شغله المستقبل وتريث في العودة للماضي، ولم تخطر بباله الفكرة من قبل.
هل من تاريخ محدد لصدور المذكرات؟
ـ أقول للذين ينتظرونها بإذن الله ستصدر قبل نهاية 2016.
هل يمكنكم ان تعطوا للقارئ ولو جزء من المذكرات للنشر…
والله الود ودي ولكن من بين الأشياء التي وعد بشأنها والدي مركز دراسات الوحدة العربية، هي إصدار شهادته، فلا أستطيع التصرف في هذا الأمر وتسريب بعض ما جاء فيها بحكم التزامه قبل الوفاة، فهي بمثابة وصية، فالإصدار سيتم حسب الاتفاق مع مركز الدراسات للوحدة العربية ومحمد عباس، ولكني أعترف أن الوقت مر واتفق معك أن المذكرات تأخرت.
الوالد كان يحب الكتابة وهنالك مشروع لإعادة جمع كل ما كتبه، ونحن نعمل عليه، وهو جمع مقالات مهري ورسائله في كتاب، هذا الأمر اشتغل عليه الوالد قبل وفاته، ومقالاته نشرت معظمها في جريدة “الحوار” آنذاك التابعة لجبهة التحرير الوطني وجريدة “المجاهد”.
بالعودة لحياتكم معه وتنقلكم معه إلى فرنسا، كيف كان يوجهكم؟هل كان له تأثير على قراراتكم ودراستكم؟
بالعكس تماما الوالد أعطانا الحرية الكاملة، كانت له ثقة كبيرة فينا وكانت تتبلور في مجال الاختيار الذي كان مفتوحا والدراسة أيضا لم يتدخل بتوجيهنا للاقتصاد أو السياسة، ـ فوصولي للهندسة المعمارية خيار شخصي، وكان دائما يشجعنا للأخذ بزمام أمورنا.
في شهادة لإبن بوضياف، تحدث عن مهري بشكل سلبي عن لقاء الرجلين بفرنسا، هل تابعت ماقاله، وما تعليقك؟
لا أعرف هذه التفاصيل بدقة، ولكن ما أستطيع قوله هو أن والدي وقبل توليه لمهام على رأس سفارة الجزائر بفرنسا، وهي أكبر سفارة للجزائر بالنظر للعلاقات الثنائية الاقتصادية والسياسية والتاريخية بين البلدين، كان قد اشترط آنذاك على الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد بأن تكون السفارة أرض جزائرية مفتوحة لكافة الجزائريين دون اقصاءوبغض النظر عن أي اعتبارات خرى.
ربما من هذا المنطلق جاءت تفاصيل اللقاء، ألا تعتقد ذلك؟
كما قلت لك لا أعلم التفاصيل ولكن عندما يفكر والدي رحمه الله بفتح باب السفارة في تلك الظروف أمام كل الجزائريين من بينهم المعارضين مثل المغفور له حسين آيت أحمد التي كانت معه علاقات طيبة واستقبله في السفارة، فلا اتصور مثل هذا الرد من والدي.
بعد 1992، وما أعقبها من هزات حيث كان مهري على رأس الأفلان، وبعد مجيئ بوضياف غاب مهري عن بروتوكولات استقباله في المطار، وقد لفت ذلك انتباه الراحل بوضياف فسأل عنه، هل كان يحدثكم عن تفاصيل ما حدث؟
مواقفه السياسية لم نكن نناقشها في البيت على العموم، وبالفعل لم نكن نفتح هذه المواضيع معه رأفة به ان لا يكون البيت امتدادا لانشغالاته، هذا لا يمنع اننا كنا ندردش معه في السياسة، لكن ليس لي اطلاع على هذه التفاصيل، وما يمكنني قوله هو أن علاقات الوالد مع المجاهد الراحل سي محمد بوضياف، كانت طيبة، هو من يقول ذلك في مذكراته،كان يذكر عشرته مع بوضياف في مرحلة من مراحل الثورة، ربما يختلفان في بعض الأشياء، ولكن الخلاف لا يفسد الود قضية، لا أتصور أن يكون هنالك شيء.
في شهادة له حول بوضياف، قال مهري: لدي ألف دليل أن بوضياف كان يتلقى شهادات خاطئة عن الجزائر، والتسجيل موجود بحوزة الأستاذ لمجد ناصر، ما تعليقك؟
لحد الآن لم أسمع التسجيل، لكم حرية التحدث عنه بعد التأكد عن مصادركم، ناصر لمجد أحترمه وأقدره ولا أشكك في كلامه… ولكني لا أعلق.
كيف كان موقف الوالد وتفاعله النفسي، مع حادثة اغتيال بوضياف؟
مثل أي جزائري، كان الحادث إحباطا جماعيا ومصيبة كبرى للجزائر أنتفقدأحد أعمدة نضالها الوطني بهذه الطريقة البشعة ويمكن لأي كان أن يتصور الوضع وكيف تشعر عندما تفقد أخاك في النضال.
صف لنا كيف عاش ما اصطلح على تسميته بـ”المؤامرة العلمية ” للإطاحة به من على رأس الأفلان؟
هنا أشير فقط الى خطابه الأخير أمام الجنة المركزية والذي وضعناه على اليوتيوب بناء على طلبه ..ربما في هذا الخطاب، تحمّل والدي مسؤوليته التاريخية في ذلك الوقت، لم يكن والدي يبحث على المناصب كان عمله نضاليا وطنيا، يحب الجزائر قبل كل شيء، يحب جبهة التحرير، كان يريد أن تكون جبهة التحرير كبقية الأحزاب، وأن لا تكون غطاء للسلطة، أن لا تكون مطية لمن هب ودب لبلوغ مآرب سياسية أو غير سياسية، كان يريدللحزب أن يعمل وفقبرنامجه السياسي وليس غطاء لصالح فلان أو فلتان أو نظام معين ،فمثل هذه الأمور كان ضدها، وهو ما جعله يصل إلى ما وصل إليه، أما شعوره آنذاك ،فهذا يعنيه هو ولا يمكنني أن أصفه لك.
هل يمكن لك أن تصف لنا طريقة مغادرته الأفلان ..على الأقل أخبرنا كيف كان مزاجه في البيت؟
الطريقة التي خرج بها لم تكن تليق بمكانته التاريخية ونضاله الطويل، ولكن الانسان ضعيف ولكل شخص وظروفه، إنها مشيئة الله، والتاريخ سينصف الحقيقة فقط.
ما هي المحطات التي تحتفظ بها له في ذاكرتك كإبن لمهري؟
من الصعب التحدث عن ذلك، خاصة إذا كان والدك مهري، شخصية وطنية، ولكنني اقول أنمن عرفه عن قرب يلخصه في البساطة، كان إنسانا بسيطا في متناول الجميع، يقصده الكل في كافة الأوقات،يفتح الباب لكافة الناس، وبسرعة، يكلم من يحدثه ويرد على من يحتاجه، لم يكن بينه وبين أي إنسان أي حاجز من أي نوع، هي من بين الأشياء التي بقيت في ذاكرتي.
من هي الشخصية التي كان مهري يتحدث عنها كثيرا من بين قادة الثورة؟
لم يكن يركز في كلامه معنا على الأشخاص، ولكن من بين الأشياء التي كان يتحدث ويروي لنا عنها، مساره التاريخي، طريقة خروجه من الجزائر، وصوله للقاهرة، من رآهم هناك، لم يكن هنالك شخص محدد أثر فيه، كان يحترم الجميع والجميع يحترمه، بحكم مشواره السياسي، كان مع أعضاء الحكومة المؤقتة، وهو ما خلق نوعا من العلاقة المميزة مع أعضائها أمثال فرحات عباس ومحمد يزيد رحمهما الله، مثل هؤلاء كان لابد أن يذكرهم أكثر من الآخرين وهذا لا يجعل بالضرورة أن علاقته معهم كانت أحسن من الآخرين.
كلمة أخيرة؟
نشكر هيئة تحرير الشروق، كنتم دائما في الريادة لذكر الوالد رحمه الله.

