-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الظل والظلام!

الظل والظلام!
ح.م

منذ أن بُثَّ شريطُ البؤس، الذي صوّر المعذبين في أراضي الجزائر العميقة، أمام أعين رئيس الجمهورية، ودموع الوزير الأول، ووزراء أول حكومة بعد الحراك الشعبي، يغامرون، بحثا عن الأماكن المنسية في بلاد هي في الحقيقة كلها منسية، وبعيدة عن العين، فما بالك عن القلب.

لقد ترك وزير الشباب والرياضة أكثر من ستين مشروع ملعب، بما فيها المركّبات الكبرى مثل الأطلال، ومجرد أكوام من التراب، غير بعيد عن مقر وزارته في قلب الجزائر العاصمة، وسافر إلى إحدى مداشر بشار بحثا عن نقطة ظل، في قرية ظل في بلدية ظل، في ولاية ظل، واختار غالبية الوزراء التوجه إلى الولايات الصغيرة، بحثا عن الظل الذي أوصى الرئيس بإضاءته، وانتقلت “الموضة” إلى الولاة الذين طلّقوا بالثلاث، عواصم الولايات، وصاروا يتنقلون إلى البلديات المحرومة، وتكرّرت أسطوانة افتخار هذا الوزير أو ذاك الوالي بكونه أول من زار هذه المنطقة أو تلك، من دون بعث برنامج تنموي حقيقي، لا يكتفي فيه والي الولاية بترميم الطرق المهترئة أو التفكير في كيفية إيصال الماء إلى الحنفيات، وإنما تحويل هذه الظلال، إلى شعلة تطوّر خالقة للثروة.

لقد تعددت البرامج من عهد هواري بومدين إلى عهد بوتفليقة، التي حاولت أو ربما أوهمت الناس بأنها تحاول إضاءة مناطق الظل، واتضح مع مرور السنوات بأنها مجرد “عنترية” وضحك على الذقون، بعد أن غاب عنها التخطيط السليم، فقد تحدث الراحل هواري بومدين عن أصله القروي كابن ريف، وقاد ما أسماه هو بالثورة الزراعية التي وعد بأن يبني فيها ألف قرية اشتراكية وفلاحية من أجل الرقيّ بالقرى إلى مصافّ المدن العصرية، ومرّت السنوات واتضح بأن ما سُمِّي بالثورة الزراعية هي التي قبرت الفلاحة في بلادنا، وبأن القرى الاشتراكية مجرد إسمنت ويابس قضى على الأخضر، وتحدث عبد العزيز بوتفليقة عن مئة محل تجاري في كل بلدية، وعن مشروع البناءات الريفية من أجل منح السكن والعمل لأهل الظل، ومع مرور السنوات اتضح بأن المعول الذي قضى على نصف أرياف الجزائر عبر مشاريع بومدين، هو نفسه وبتسمية مختلفة الذي قضى على ما تبقى من أرياف عبر مشاريع بوتفليقة، ونخشى أن يكون مشروع البحث عن نقاط الظل هو نسيانٌ بالكامل للأجزاء المضيئة، وبدلا من إضاءة ما هو أسود، يُخيّم الظلام على كل المناطق.

يعيش أكثر من تسعين بالمئة من الجزائريين فيما يسمى مجازا بالمدن، ولو أطلق أي وزير نظرة على الصحف اليومية، لعلم بأنها جميعا نقاط ظل حالكة السواد، فمنها تنطلق رحلات الموت إلى المجهول، وفيها تُزرع بيوت القصدير والفوضى وتتكدس جبالٌ من القمامة، ويتعاطى شبابها المهلوسات والجريمة والضجر واليأس…

شريط البؤس الذي أسمى بعض المناطق ببؤر الظل، لو تم تصويره في غالبية المدن الجزائرية لتحوّل من الظل إلى.. الظلام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • ابن الجبل

    شكرا يا أخ عبد الناصر على هذا التحليل القيم . نعم ، غياب التخطيط السليم ، هو الذي أوصلنا الى ماهو نحن عليه اليوم . الجزائر انطلقت بعد الاستقلال من الصفر ، وبعد 57 سنة ،وصلنا في نهاية المسار الى الصفر؟!. ترى نتساءل لماذا ؟ أعتقد أن الأنانية وسوء التسيير ،والولاءات ، والعمل على اسكات الشعب بالمشاريع الوهمية أدتنا الى الهاوية !!. لو اعتمدنا التخطيط الهادئ السليم ، كل مسؤول يضع لبنة صحيحة ، يأتي مسؤول آخر ليضيف أخرى ، لوصلنا اليوم الى بناء مكتمل ، ولقضينا على عدة أزمات : أزمة السكن ، أزمة الشغل ، أزمة الصحة...الخ . فمتى نتعظ ؟؟؟!!!.